ناصر خسرو ودوره في نقل الاحداث التاريخية للبصرة

الاستاذ نزار عبد المحسن جعفر الداغر

 مر العالم الاسلامي والعراق على وجه العموم خلال القرن الرابع الهجري واوائل القرن الخامس الميلادي ، بتبدلات وظروف سياسية ، اثرت في طبيعته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ارتبطت أشد الارتباط بالتغييرات والصراعات السياسية في العالم الاسلامي آنذاك ، اذ ظهرت دويلات وأسر تنازعت فيما بينها من اجل السلطة والنفوذ للاستحواذ على اكبر مساحة من الاراضي ولسد نهم أطماعهم في الحصول على الاموال والثروات وجعل تلك البلدان التي سيطروا عليها ، دولا يًتوارثونها هم وابناؤهم من بعدهم ، متناسين تطلعات شعوب تلك البلدان وحاجاتهم ، فكان البريديون قد سيطروا على البصرة ما بين 320 ـ 336 هـ/ 932 ـ 947 م ، ومن بعدهم البويهيون الذين ظهروا في الديلم وامتد نفوذهم نحو بلاد فارس والعراق فأسسوا لهم دولة وراثية في قلب عاصمة الخلافة العباسية ـ بغداد ـ ثم امتد نفوذهم حتى سيطروا على البصرة ، فضلا عًن الصراعات والظروف السياسية التي سبقت تلك الفترات ، فكان لهذا الصراع السياسي ، اثرا سًيئا فًي الاوضاع بكل نواحيها على العراق عموماً والبصرة على وجه الخصوص ، لانها ذات طبيعة جغرافية واجتماعية وفكرية تختلف عن باقي مدن العالم الاسلامي وقتذاك ، فقد كانت البصرة محط انظار هؤلاء الطامعين للسيطرة على خيراتها ومن ثم مّحاولاتهم في مد نفوذهم اليها ، كما ان للثورات السياسية التي ظهرت في البصرة تأثيرا كًبيرا عًلى طبيعتها السكانية والاقتصادية خلال العصر العباسي بدءا بًثورة ابراهيم بن عبد الله المحض * ضد الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور عام 145 هـ/ 762 م ، ومرورًا بثورة الزنج عام 255 هـ / 868 م ، وتداعياتها السيئة على المدينة، ثم ضربات القرامطة من البحرين التي اضافت هي الاخرى عاملا جًديدا فًي تخريب المدينة عندما تعرضت الى جملة من هجماتهم وتهديد اهلها ، فضلا عًن القبائل البدوية وحكام المناطق الاخرى ، كحكام البطائح والاحواز وحكام عمان .
 فكانت تلك الانتكاسات والتحديات ذات اثر كبير في اضعاف اهمية البصرة وتضاؤل أو تراجع دورها الاجتماعي والاقتصادي والفكري بصورة واضحة.
 لقد سلطنا الضوء على فترة تاريخية محدودة من تاريخ البصرة تركزت على عام ( 443 هـ/ 1051 م) وهو العام الذي جاء فيه ناصر خسرو زائرا اًلى البصرة بعد رحلة طويلة ومضنية جاب فيها اغلب مناطق العالم الاسلامي وقد كتب مشاهداته عن البصرة التي وصلها في العشرين من شعبان من سنة 443 هـ / 28 كانون الاول 1051 م .
 ومكث فيها طوال ثلاثة اشهر ، سجل لنا فيها ملاحظاته القيمة والدقيقة عن المدينة ، فجاءت صورته عنها غاية في الاهمية لانها سلطت الضوء على الكثير من احداث تلك الفترة المضطربة من تاريخ العراق.
 ويمكن ان نجمل تلك الصور التي سجلها لنا ناصر خسرو على النحو الآتي :

اولا / الاحداث السياسية واثرها في انحلال البصرة :

 ان ما تعرضت له البصرة من هجمات البدو وحكام المناطق المجاورة ، قد جعل معالمها ووحداتها العمرانية واسواقها تشهد انحلالا كًبيرا وًانكماشاً ملحوظا فًي بنيتها الاجتماعية فعندما زارها ناصر خسرو ، وجد ان جنوبها الغربي قد أتى عليه الخراب ، فكان صحراء لا عمران فيه ولا شجر مطلقا ، ولعله اراد ان يخبرنا ان هذا الخراب الحاصل الذي رآه ، كان عامرا فًي فترة من الفترات ، وان ما شاهده من اطلال في هذا الجانب كان دليلا عًلى ان المدينة كانت ذات حجم وسعة وكثافة سكانية كبيرة ، لا سيما وانه تكلم عن ان حجم هذا الخراب كان كبيرا بًحيث انهارت معه كل معالم الحياة الاساسية للمدينة من ماء وشجر ومن حديثه عن العمران الذي شاهده او ما تبقى من المدينة يقول : إن الجهات العامرة كانت غير متصلة ، مثلما كان معهودا فًي المدن الاسلامية الاخرى التي تلتصق ابنيتها ومعالمها الحضارية لتشكل وحدة اساسية في امتداد وسعة وازدحام سكاني ، بل على العكس من ذلك ، فهو وجد أن الجهات العامرة متباعدة جدا ، بين جهة واخرى نصف فرسخ ، يمتد بينها الخراب ، الذي ـ على ما يبدو ـ كان موجودا حًتى بعد زيارة ناصر خسرو للبصرة ، وانه استمر فترة طويلة حتى ان ناسخ كتاب صورة الارض الذي زار البصرة عام 537 هـ/ 1142 م ، اشار الى انها خربت ولم يبق من آثارها ومعالمها الا القليل ، وجامعها المشهور ما زال موجودا وًلكنه وسط الخراب ، كما سلط الضوء ايضا فًي العوامل التي ادت الى انحلال المدينة فركز على الجانب السياسي الذي واجهته المدينة من غارات وهجمات ان هذا الخراب المتواصل للبصرة ، لا بد له من ان يترك آثاره الاجتماعية والاقتصادية عليها ، فقد تقلصت محلاتها واسواقها الى درجة كبيرة ، ذكر منها ناصر خسرو انها كانت مقتصرة على ثلاث مناطق فقط ، وهذه الاسواق هي : سوق خزاعة وسوق عثمان وسوق القداحين ، وهي التي لم تكن سوى اسواق مٍؤقتة تفتح ابوابها في اوقات محددة من اليوم الواحد ولا يمكن ان يُعزى ذلك الا للانكماش الاجتماعي والعمراني الذي كانت تعانيه البصرة آنذاك ولعل قلة الاسواق بتلك الصورة يعود الى ضعف قدراتها في عرض السلع والبضائع بصورة دائمة من اليوم الواحد لعدم اقبال المتبضعين على شرائها أو لغلاء اسعارها ، ومن ثم ينتقل اصحاب هذه الاسواق الى مكان آخر لعرض ما لديهم ، فقد كان التبادل التجاري يجري في الصباح في سوق خزاعة وفي الظهر في سوق عثمان وفي المغرب في سوق القداحين ولربما كانت اجراءات البويهيين الاقتصادية سببا فًي ذلك ، اذ انهم فرضوا رسوما كًبيرة على البضائع الواردة او الخارجة من البصرة على حد سواء ، بل انهم زادو في اجراءاتهم وشددوا قبضتهم على الداخلين والخارجين من المدينة فكانوا لا يفتحون باب سور المدينة الوحيد الا ساعة واحدة من النهار ، ولا بد ان تلك الاجراءات ستلقي بظلالها السيئة على حركة التجارة في المدينة وتؤدي الى انكماشها ، وتفاقم اسعارها ، بل انهم كانوا شديدي الرقابة على الاسواق وبضائعها من اجل الحصول على الرسوم والضرائب التي ستؤدي الى انهيار المدينة دون ان يلتفت البويهيون الى ذلك بسبب المشاكل السياسية والازمات الاقتصادية التي يعانون منها ، فما كان من اصحاب هذه الاسواق امام تلك الاجراءات السيئة سوى التنقل من مكان لاخر لصعوبة الحصول على المتبضعين او قلة ورودهم للسوق ، او تهربا مًن الرقابة الضريبية التي كانت تطال اسواقهم وسلعهم، ومن نظرة بسيطة الى ما كان يفرضه البويهيون من ضرائب على السلع الداخلة وعلى حركة التجارة في البصرة، فضلا عًن تعدد الجهات التي كانت تفرض هذه الرسوم ، سوف يطلعنا ذلك على انكماش الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة وانحسار او خراب اكثر معالمها العمرانية كنتيجة واضحة لانهيار حركة الاسواق فيها كما ان التركيبة السكانية للبصرة كانت قد تغيرت بصورة كبيرة خلال فتراتها التاريخية ، فعندما زارها ناصر خسرو كان عدد الفرس فيها يبدو واضحا ، وعلى الرغم من انه لم يشر الى ذلك بدقة ، الا انه من خلال ما ذكره عن وجود بعض الوزراء الفرس والعامة منهم داخل المدينة وعملهم في بعض مرافقها الحيوية دليل على ان الاوضاع السياسية قد اثرت بصورة كبيرة خلال هذه الفترة على التركيبة الاجتماعية للمدينة ، اذ يبدو ان هؤلاء الفرس قد هاجروا اليها من الاحواز القريبة منها ، اثر المجازر التي ارتكبها الديالمة والترك بحقهم ، فحافظوا على انفسهم فلجؤوا الى البصرة فزاد ذلك من معاناة البصرة التي كانت ترزح تحت وطأة الكساد والهجرات الاخرى من نواحيها الجنوبية والغربية، بل فاقم في فقر اهلها الى درجة كبيرة ونلحظ ذلك من حديث ناصر خسرو ، الذي وصل البصرة ولبث فيها ثلاثة اشهر اضطر فيها الى بيع بعض كتبه أملا فًي الحصول على الاموال لكنها لم تكف لِسداد ديونه وحاجاته وأجرة سفره ، بل انه لم يكن عليه من الملابس سوى خرقة من الصوف تتدلى من رأسه ، حتى كان يحسبه الناس بأنه من مجانين المدينة واصبح تحت سخريتهم واستهزائهم به واصحابه ، وبما انه فارسي من خراسان ، لجأ الى احد معارفه من الفرس في المدينة املا فًي الحصول على بعض الاموال التي لم يجدها الا عند وزير ملك الاحواز (ابو الفتح علي بن احمد) الذي كان مقيما فًي البصرة مع ابنائه وحاشيته ، والذي سمع بخبر ناصر خسرو فاستدعاه وكساه وسدد ديونه وقضى حوائجه قبل سفره ان تلك الصورة البليغة التي نقلها لنا ناصر خسرو تشير دون شك الى الاوضاع الاقتصادية السيئة التي كانت تعانيها البصرة والتي ادت الى انكماشها الى درجة كبيرة ، وبالتالي هجرة الناس منها الى مناطق اكثر نشاطا وًنموا فًكانت الأبلة تلك المدينة التي نشأت في اطراف البصرة محط انظار القوى السياسية فضلا عًن التجار والميسورين والاهالي الذين حطوا رحالهم فيها فانتعشت على حساب البصرة .

ثانيا / الأبلة وشط عثمان :

 ان التطور الذي طرأ على الابلة وازدياد اهميتها يرجع الى فترة البريديين الذين سيطروا على البصرة سياسيا وًاداريا طًوال ستة عشر عاما مًا بين عام 320 هـ / 932 م وحتى عام 336 هـ / 947 م .
 ولعل ازدياد اهمية الابلة يرجع الى ما عانته البصرة من اضطرابات ومشاكل خلال ثورة الزنج الامر الذي دفع الاهالي الى مغادرة البصرة والتوجه نحو الابلة وشط عثمان هربا مًن مشاكل الزنج وحروبهم هناك وهذا بدوره يؤدي الى ازدياد ملحوظ في اعداد سكانها ، بل ازدادت اهميتها اكثر عندما اتخذها البريديون مقرا لًادارتهم فنقلوا دواوينهم وبنوا قصورهم ودورهم فيها.
 ومع الوقت بدأت الأبلة تتنامى بشكل ملحوظ وبدأت تتحول من قرية الى مدينة ، حتى ان ابن حوقل خلال حديثه عن البصرة ذكر الأبلة بأنها كانت أفسح رقعة من غيرها وانها عامرة وان لها اسواقا صًالحة ، كذلك وصفها اليشاري المقدسي بأنها ((أرفق من البصرة)) وعندما زارها ناصر خسرو ذكر بانها كانت مدينة عامرة وهي من الجمال بحيث لا يمكن حدها او وصفها .
 ومن أوصاف الأبلة التي اشار اليها ناصر خسرو يمكن ان نحدد معالمها بما يلي :
 1 ـ انها مدينة تقع على نهر يسمى باسمها (نهر الأبلة) ، وهذا الموقع سيعطيها اهمية جغرافية واقتصادية كبيرة ، فهو يعزز نموها واتصالها بغيرها من البلدان، فضلا عًن ان وجود النهر ـ كمصدر مائي ـ يسهم في رخاء المدينة زراعياً وتجاريا فًتكثر اسواقها وتنمو مرافقها العمرانية ويزداد سكانها .
 2 ـ ان الابلة تنقسم الى شطرين :
 أ ـ شمالي ويقع شمال نهر الابلة وفيه المدينة الاصلية او القديمة ، والتي شاهد ناصر خسرو قصورها واسواقها ومساجدها واربطتها والتي يبدو انها كانت المقر الاداري للبريديين والبويهيين بعدهم ، والذي عزز في ازدهار حياتها السكانية والعمرانية الى درجة واضحة نقلها لنا ناصر خسرو في زيارته لها.
 ب ـ الشطر الجنوبي من نهر الأبلة ويطلق عليه اسم شط عثمان او شق عثمان وهي من الرقي والازدهار بما فيها من الشوارع والمساجد والأربطة والأسواق والأبنية الكبيرة ما لا يوجد احسن منه في العالم والتي تمتلك من الكثافة السكانية والعمرانية ما فاقت فيه الأبلة نفسها ، ويمكن معرفة ذلك من حديث ناصر خسرو عنها .
 3 ـ ان الأبلة هي المركز الإداري للبصرة ، بينما كانت شط عثمان مركزاً تجاريا اًو فرضة او ميناء كًبيرا تًرسو فيه السفن بمختلف أنواعها ، الصغيرة والكبيرة التي تصلح للسفر عبر الخليج العربي ، وهذا ما اكده ناصر خسرو عندما مكث فيها فترة قصيرة وغادرها متجها اًلى الخليج العربي ، فقد استقل راكباً سفينة كبيرة كانت تدعى (بوصي) وكان هناك اناس كثيرون على جانبي النهر والذي يبدو انهم كانوا من المسافرين او ممن يعملون في هذا المرفأ او الباعة الذين يعرضون سلعهم ومن اصحاب المهن والحرف لبيع بضاعتهم للمرتادين الى هذه المدينة التي كانت مزدهرة آنذاك .
 4 ـ على الرغم من ارتباط الأبلة وشط عثمان اسميا ضًمن توابع البصرة ، الا ان هذين الموضعين قد ارتبطا مصيريا بًها ، وقد تطورا عمرانيا وًاجتماعياً واتسعا على حساب البصرة .
 ويبدو ان البصرة بعد ان اختفت او انحسرت عن موضعها القديم ظهرت مدينة اخرى حديثة في الأبلة وشط عثمان وقد اضحت المدينتان بمرور الزمن مدينة واحدة تسمى ب (البصرة الحديثة) وهو الاسم الغالب عليها اليوم .

قائمة المصادر والمراجع :

 ـ ابن الاثير ، عز الدين علي بن ابي الكرم محمد الشيباني( ت سنة 630 هـ / 1232 م ) .
 1 ـ الكامل في التاريخ( راجعه وصححه ، د. محمد يوسف الدقاق ، ط 1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1987 م ) .
 ـ البشاري المقدسي ، ابو عبد الله محمد بن احمد ( ت سنة 375 هـ / 985 م ) .
 2 ـ احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم ( وضع مقدمته وهوامشه وفهارسه ، د. محمد مخزوم ، بيروت ، دار احياء التراث العربي ، 1987 م ) .
 ـ ابن حزم ، ابو محمد علي بن احمد بن سعيد الاندلسي ( ت سنة 456 هـ / 1063 م ) .
 3 ـ جمهرة انساب العرب ( ط 3 ، بيروت ، منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ، 2003 م ) .
 ـ ابن حوقل ، ابو القاسم محمد بن علي النصيبي ( ت سنة 367 هـ / 977 م ) .
 4 ـ صورة الارض ( بيروت ، منشورات دار مكتبة الحياة ، 1992 م ) .
 ـ الطبري ، ابو جعفر محمد بن جرير ( ت سنة 310 هـ / 922 م ) .
 5 ـ تاريخ الرسل والملوك ( تحقيق وتعليق ، الاستاذ ، عبدأ علي مهنا ، بيروت ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، 1998 م ) .
 ـ ناجي ، د. عبد الجبار
 6 ـ دراسات في تاريخ المدن العربية الاسلامية ( مطبعة جامعة البصرة ، 1986 م ) .
 ـ ناصر خسرو ، ابو معين الدين القباذياني ( ت سنة 438 هـ / 1046 م ) .
 7 ـ سفرنامة ( نقلها الى العربية ، د. يحيى الخشاب ، ط 3 ، بيروت ، دار الكتاب الجديد ، 1983 م).
 ـ هنتس ، فالمر .
 8 ـ المكاييل والاوزان الاسلامية (ترجمة ، د. كامل العسلي ، عمان ، مطبعة القوات المسلحة الاردنية ، 1970 م ) .

BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET