• المقدمة
  • اولاً : البراءة من الامام علي ( ع )
  • ثانياً : اضطهاد اصحاب الامام علي ( ع )
  • ثالثاً : تقريب خصوم الامام علي ( ع )
  • رابعاً : افتعال فضائل للخليفة عثمان
  • خامساً : افتعال فضائل للخليفتين مقابل فضائل الامام علي ( ع )
  • اولاً : النبي محمد ( ص )
  • ثانياً : عتاب بن اسيد
  • ثالثاً : العباس بن عبد المطلب
  • رابعاً : أمير المؤمنين علياً ( ع )
  • خامساً : الامام الحسن بن علي ( ع )
  • سادساً : ام المؤمنين عائشة
  • سابعاً : ميثم التمار
  • ثامناً : جابر بن عبد الله الانصاري
  • تاسعاً : الامام زين العابدين ( ع )
  • عاشراً : سعيد بن جبير
  • حادي عشر : انس بن مالك
  • ثاني عشر : الامام جعفر الصادق ( ع )
  • ثالث عشر : أبو حمزة الثمالي
  • رابع عشر : موسى بن يسار
  • خامس عشر : يزيد بن قعنب
  • الهوامش
  • المصادر والمراجع

    فضائل الإمام علي عليه السلام تنسب لغيره

    ( الولادة في الكعبة )
    الحلقة الأولى

    الاستاذ جواد كاظم النصر الله

    المقدمة

    بسم الله الرحمن الرحيم
      ما أن استشهد امير المؤمنين ( ع ) حتى انتقل معاوية من حربه العسكرية ( 1 ) ضد الإمام علي ( عليه السلام ) إلى حربه الإعلامية حيث اتخذ سلسلة من الإجراءات بهذا الصدد ، منها :

    أولاً : البراءة من الإمام علي ( عليه السلام ) .

      كان معاوية قد أوجد سنة سب الإمام علي ( ع ) في حياة الإمام علي ( ع ) ( 2 ) ، ولذا كان من شروط الإمام الحسن ( ع ) على معاوية عدم سب الإمام علي ( ع ) ( 3 ) إلا إن معاوية لما تولى الحكم تجاوز الحد ليس فقط بسب الإمام علي ( ع ) بل جعل البراءة من الإمام من المسائل التي تزكي الفرد أو تتهمه ( 4 ) وكان هذا الأمر قد تنبأ به الإمام علي ( ع ) إذ قال لأصحابه ( أما انه سيظهر بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه ـ ولن تقتلوه إلا انه سيأمركم بسبي والبراءة مني ، فأما السب فسبوني ، فأنة لي زكاة ولكم نجاة وأما البراءة فلا تبرؤا مني ، فأني ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة ) . ( 5 )
     بعدما تولى معاوية الأمر كتب كتاباً إلى جميع الولايات جاء فيه : ( إن برئت الذمه ممن روى شيئا من فضل ابي تراب ( 6 ) وأهل البيت ) يقول ألمدائني ( 7 ) .
    ( فقامت الخطباء في كل كورة ، وعلى المنبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي اهل البيت ) ( 8 ) .

    ثانياً : اضطهاد أصحاب الإمام علي ( ع ) .

      كان من شروط الإمام الحسن ( ع ) على معاوية هو عدم تتبع اصحاب الإمام علي ( ع ) ( 9 ) ، إلا إن معاوية لم يف بهذا الشرط حيث كتب لولاته : ألا لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ( 10 ) .
     ويبدو ان الكتاب الأخير ترك اثراً سلبياً على اصحاب الإمام علي ( ع ) وكان اشده في الكوفة إذ يقول المدائني : ( وكان اشد الناس بلاء حينئذ اهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي ( ع ) ( 11 ) ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية ( 12 ) ، وضم إليه البصرة ، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم ايام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، واخافهم وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم ( 13 ) .
     يقول المدائني ان معاوية كتب كتاباً آخر جاء فيه : ( انظروا من قامت عليه البينة انه يحب علياً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه ) ( 14 ) .
     ولم يقتصر الأمر على اصحاب الإمام ( ع ) بل امتد إلى كل من يشتبه بموالاته للإمام ولأهل البيت ( ع ) واصحابه ، إذ جاء في احد كتبه ( ومن اتهمتموه بموالاته هؤلاء القوم ، فنكلوا به ، واهدموا داره ) ( 15 ) .
     ولنا ان نتصور كيف كان الحال بعد هذا المرسوم ( فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ، ولا سيما الكوفة ، حتى ان الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته ، فيلقي عليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، وليحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ، ليكتمن عليه ) ( 16 )  وفي حديث لأبان بن ابي عياش ( 17 ) أجاد الإمام محمد الباقر ( ع ) تصوير الحال وقتذاك بقوله : ( فقتلت شيعتنا بكل بلده ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ، ثم لم يزل الأمر يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد ( 18 ) قاتل الحسين عليه السلام ، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله وأخذهم بكل ظنه وتهمه ، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعه علي ) . ( 19 )

    ثالثاً : تقريب خصوم الإمام علي ( ع ) :

     بعد أن افرغ معاوية الساحة تماماً من أصحاب الإمام علي ( ع ) ، ملأها بخصوم الإمام علي ( ع ) ، حيث جاء في احد كتبه لولاته ( انظروا من قبلكم من شيعه عثمان ومحبيه أهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه ، فادنوا مجالسهم وقربوهم ، وأكرموهم ، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته ) ( 20 )

    رابعاً : افتعال فضائل للخليفة عثمان .

     لقد أحسن خصوم الإمام اداء المهمة التي اوكلت اليهم ( حتى كثروا في فضائل عثمان ومناقبه ( 21 ) ، لما كان يبعثه اليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجيء احد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه ) ( 22 )

    خامساً : افتعال فضائل للخليفتين ولسائر الصحابه مقابل فضائل الإمام علي ( ع ) .

     جاءت المرحلة الاخيرة حيث شكل معاوية لجنة من مجموعة من الصحابة ( 23 ) كعمر بن العاص ( 24 ) وأبو هريرة ( 25 ) ، والمغيرة بن شعبه ( 26 ) ، ومن التابعين ( 27 ) عروة بن الزبير . ( 28 ) وكانت مهمتها :
    1 ـ افتعال فضائل للصحابة .
    2 ـ وضع فضائل للصحابة مقابل فضائل الإمام علي ( ع ) .
    3 ـ افتعال مثالب للإمام علي ( ع ) .
      حيث جاء في احد كتب معاوية ( أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبراً يرويه احد من المسلمين في ابي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فأن هذا احب الي وأقر لعيني ، ادحض لحجة ابي تراب وشيعته وأشد اليهم من مناقب عثمان وفضله ) . ( 29 )
      لقد وجد هذا الكتاب اكله حيث ( رويت اخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى اشادوا بذكر ذلك على المنابر ، والقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونسائهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله . . . فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ) . ( 30 )
     وقد استغل ذلك متصنعه القبله ( الدجالين ) ( الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحقون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها الحق ، ولو علموا إنها باطله لما رووها ولا تدينوا بها ) ( 31 ) .
     هذا الواقع كان ماثلاً لدى الإمام الباقر ( ع ) إذ وصفه ( ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى اوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلده ، فحدثهم بالأحاديث الموضوعه الكذوبة ، ورووا عنا ما لم نقله ، وما لم نفعله ، ليبغضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام ) . ( 32 )  واستمر الأمر إلى أيام ولاية الحجاج الثقفي للعراق حيث ( تقرب إليه اهل النسك والصلاح والذين ببغض علي وموالاة اعدائه ، وموالاة من يدعي من الناس انهم ايضا اعداؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ، وأكثروا من الغض من علي عليه السلام والطعن فيه والشنان له ) . ( 33 )
     ان من يستقرئ ذلك الواقع بإمعان ليستغرب كيف وصلت إلينا فضائل الإمام علي ( ع ) ، إذ إن ذلك لم يزده إلا رفعه وسموا وكأنه كالمسك الذي كلما ستر أنتشر ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكأنه شمساً لا تستر بالراح ، وكضوء النهار الذي إن حجبت عنه عين واحده أدركته عيون كثيرة ، ( 34 ) .
     ولذا عد الشيخ المفيد ذلك من باب المعجزات الخارقه للعادة ( 35 ) ، وكيف لا يكون من باب المعجزات إذ إن أولياء الإمام ( ع ) كتموا فضائله خوفاً ، أما أعداؤه فكتموها حسداً ، ومع ذلك برز ما بين هذين ما ملأ الخافقين ، كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي والشافعي ( 36 ) .
     بعد كل تلك الإجراءات التي اتخذها معاوية في حملته الدعائية منهجاً ضد الإمام علي ( ع ) واستمرارها طيلة العصر الأموي ( 37 ) لذا لا نستغرب أن نجد الكرابيسي ( 38 ) يرى بأن الإمام علي ( ع ) لم ينفرد بأي فضيلة بل اشترك معه أحد من الصحابه ( 39 ) .
      وفعلاً فان كثيراً من فضائل أمير المؤمنين ( ع ) قد نسبت لغيره ( 40 ) ، وفي مقدمه هذه الفضائل الولادة الميمونة للإمام علي ( ع ) في الكعبة .
     الكعبة ( 41 ) هي بيت الله الحرام ، أقدس بيت في الوجود ، ورغم وجوده منذ القدم ( 42 ) ، ولكن المولى ـ تقدست آلاؤه ـ شاء أن يجعلها قبله للموحدين من شتى أصقاع الأرض في آخر الزمان .
     فقد أراد الله أن يضع منهجه في الأرض باتخاذ خليفة له ( 43 ) ، فأوجد الإنسان الذي ادخله في تجربه طويلة بعد ان تكفلت السماء برسم منهجه عن طريق ما عرف بسلسلة الأنبياء فكان هناك ( 124 ) ألف نبي كل أرسل إلى قومه ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) سوره الإسراء 15 .
     أما كيفية التعامل مع الطبيعة فتركت للإنسان حيث كان عليه الدخول في صراع معها ، وكان لذلك الصراع اثره في حصول الإنسان على المعرفة حيث اكتشف الزراعه ثم الصناعه ثم التجاره ثم العلاقات الدولية .
     وما كان ذلك ليتم إلا بعد صراع طويل وصلت به البشرية إلى درجة تؤهله ليكون خليفة الله في الأرض ، إذ المعروف إن الأنبياء السابقين كانوا قوميين ( 44 ) ، فكل ارسل إلى قومه وكانت الكتب السماوية خاضعة لعنصر الزمن فما تلبث أن تصبح غير ملائمة للمراحل اللاحقة بفعل تطور الإنسان ، فما تلبث ان تنسخ .
     أرادت السماء أن تكرم الإنسان بجعله موضع تطبيق الإرادة الإلهية القديمة في استخلافه في الأرض ، وذلك بإلغاء ذلك التعدد في الأنبياء والكتب والأديان ، فالدين الذي سيسود البشرية هو دين الإسلام ( إن الدين عند الله الإسلام ) سوره آل عمران الأيه 19 .
      والنبي الوحيد الذي سيكون للبشرية اجمع هو النبي محمد ( ص ) .
    ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) سوره الأحزاب الآية 40. ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) سورة سبأ الآية 28 .
     والدستور الذي ينظم حياة البشرية جمعاء إنما هو القران حيث إن احكامه تتناسب طردياً مع كل متغيرات الزمان والمكان ، وان على الكل التوجه نحو قبلة واحدة هي الكعبة المشرفةه فهي اليوم القبلة الوحيدة التي تحضى بقبول السماء ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) سوره البقرة الآية 144 .
     هذه القبلة كانت موضع اهتمام العرب عامة وأهل مكة خاصة حيث عدت رمزا لوحدته إذ تتجه جموع الحجيج من اصقاع الجزيرة وفي زمن واحد فشكلت اماناً للخائف ( 45 ) ، حيث يوضع السلاح جانباً ، وإذا ما وقعت حرباً في اشهر الحج عدت فجاراً ( 46 ) .
    ولقد أعظمت العرب عبد المطلب ( 47 ) الذي كان له أكبر الأثر في إفشال حملة أبرهة الحبشي على الكعبة ( 48 ) وأسموه إبراهيم الثاني ( 49 ) .
     تجدر الملاحظة انه لما تولى قصي إدارة مكة استحدث مجموعة من الوظائف كوظيفة الحجابة والعمارة ، وكانت مهمة الحاجب فتح الكعبة وغلقها ، وقد صارت لولده عبد الدار ثم تعاقبه اولاده على ادارتها حتى فتح مكة حيث اقرها النبي ( ص ) بيد عثمان بن طلحة بن عبد الدار ( 50 ) .
      وكانت الكعبة تفتح نهار الاثنين والخميس قبل الإسلام ، فكان الحجاب يجلسون على بابها ، لينظموا الدخول والخروج ، وإذا كرهوا دخول شخص منعوه من الدخول ( 51 ) ، أما في الليل فلا تفتح الكعبة مطلقاً ( 52 ) .
     أما وظيفة العمارة فمراعاة الأدب والوقار داخل الكعبة ، وكانت عند العباس بن عبد المطلب لما جاء الإسلام ( 53 ) إذاً لما كانت الكعبة بيت الله الحرام لذا كانت العرب تعرف مكانتها ، فأولت إدارة مكة اهمية خاصة بها حيث كانت لها إدارة منظمة للقيام بمهمتها الأساسية وهي الشعائر الدينية التي تدور حولها .
     هذا المكان المقدس منذ القدم والى ان يشاء الله شاءت الإرادة الإلهية ان تجعله موضعا لولادة أمير المؤمنين ( 54 ) ، تلك الولادة الميمونة والتي أطبق على صحتها المؤالف والمخالف والسلف والحلف ، وتناولتها كتب المسلمين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية ، وضمنتها كتب الحديث والتاريخ والترجمة ودواوين الشعر حتى غدت من الحقائق كالشمس في رابعة النهار .
    ( 55 )  الا ان احد أشهر رجالات معتزله بغداد ( 56 ) وهو ابن أبي الحديد المعتزلي ( 57 ) ت 656 هــ توقف في القطع بولادة الإمام ( ع ) في الكعبة المشرفة قائلاً ( وأختلف في مولد علي عليه السلام أين كان ؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة والمحدثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أن المولود في الكعبة هو حكيم بن حزام ) . ( 58 )  إن هذا الموقف من علامة المعتزلة والمعروف بدقته وتثبته ، يثير التساؤل إذ يلاحظ على كلامه .
    1 ـ يرى أن ولادة الإمام ( ع ) في الكعبة هو رأي أكثرية الشيعة و ليس كلهم .
    2 ـ إن غير الشيعة لم يرووا ولادة الإمام في الكعبة .
    3 ـ إن المحدثين ويقصد بهم المؤرخون وأصحاب التراجم ذكروا إن الولادة في الكعبة هي لحكيم بن حزام ، أي انه يريد القول إنهم لم يذكروا ولادة الإمام في الكعبة .
    4 ـ عدم قطعه بأي الولادتين أصح
     لنقف الآن متأملين في مصادرنا القديمة لنلاحظ إلى أي مدى يصدق كلام ابن أبي الحديد .

    أولاً :
      يرى ابن ابي الحديد أن ولادة الإمام علي ( ع ) في الكعبة هو رأي أكثرية الشيعة وليس كلهم .
      إن ما ينفي هذا الكلام هو الاستقراء التاريخي لمصادر الأمامية والتي وضعت من قبل فطاحل الامامية والذين أجمعوا على ولادة الأمير في الكعبة ، كما جاء لدى القمي ( 59 ) ( ق4 هـ ) ، والشيخ الصدوق ( 60 ) ت381 هـ ، وابن عياش ت401 هـ ( 61 ) والشريف الرضي ( 62 ) ت406 هـ ، والشيخ المفيد ( 63 ) ت 413 هـ ، والشريف المرتضى ت436 هـ ( 64 ) ، الشيخ حسين بن عبد الوهاب ( ق5هـ ) ( 65 ) ، وابن أبي الغنائم ( كان حيا في 441هـ ) ( 66 ) ، والكراكجي ت 449 هـ ( 67 ) ، والطوسي ت 460 هـ ( 68 ) ، والفتال النيسابوري ت508 هـ ( 69 ) ، والطبرسي ت548 هـ ( 70 ) ، وعماد الدين الطبرسي ت بعد 553هـ ( 71 ) ، والراوندي ت573هـ ( 72 ) ، وابن شهرآشوب ت588 هـ ( 73 ) ، وابن شاذان ( ق6هـ ) ( 74 ) ، وابن البطريق الحلي ت 600 هـ ( 75 ) ، والشهيد حميد بن أحمد المحلي ت652 هــ ( 76 ) ، وابن طاووس ت 664 هــ ( 77 ) ، والاربلي ت 693 هـ ( 78 ) ، وابن جبر ( ق 7هــ ) ( 79 ) ، والشامي ( ق 7هــ ) ( 80 ) ، والعلامة الحلي ت 726 هــ ( 81 ) ، والشهيد الأول ت 786 هــ ( 82 ) ، والحسيني الاملي ( ق8هــ ) ( 83 ) ، وابن عنبه ت 828 هــ ( 84 ) ، والديلمي ت 841 هــ ( 85 ) ، والشمس الحسيني ( ق9هـ ) ( 86 ) ، والبياضي ت877هــ ( 87 ) ، والكفعمي ت بعد 895 هــ ( 88 ) ، والتستري ت1019 هـــ ( 89 ) ، وألقمي ت 1098 هــ ( 90 ) ، والحسيني ألعاملي ( ق11هــ ) ( 91 ) ، ومحمد بن رضا القمي _ ( ق11 هــ ) ( 92 ) ، والبحراني ت1107 هــ ( 93 ) ، والمجلسي ت 1111 هــ ( 94 ) ، والشيرواني ( ق12هــ ) ( 95 ) ، وغيرهم .
     وإذا أضفنا لهؤلاء بعض من علماء الزيدية كالهاروني الحسني ت424هـ ( 96 ) ، وأبو محمد المنصور بالله ت 569 هــ ( 97 ) ، والحسني الزيدي ت908هــ ( 98 ) ، يتضح أن ما رآه ابن أبي الحديد ليس دقيقاً ، بل أن الشيخ النوري ذهب لاعتبار ولادة الإمام ( ع ) بالكعبة من ضروريات مذهب آل البيت ( ع ) ( 99 ) .

    ثانياً :
      يتضح من كلام ابن أبي الحديد أن غير الشيعة يرووا خبر الولادة بالكعبة .
     إن هذا الكلام أغرب من سابقه ، ولا ندري بأي عذر نعتذر عن ابن أبي الحديد وهو المعروف بتتبعه الدقيق وتثبته ، فهل إن الفاكهي ت 275 هــ والقائل ( أول من ولد في الكعبة من بني هاشم من المهاجرين علي بن أبي طالب ) ( 100 ) نعم . . . هل هو من الشيعة ؟ ! ! مع إننا نتحفظ على قوله ( أول من ولد في الكعبة من بني هاشم من المهاجرين ) .
     فهل هناك غير الإمام علي ( ع ) من بني هاشم ولد في الكعبة ؟ ! ! وهل هناك أنصارا من بني هاشم ؟ ! ! .
     أم أن المؤرخ الشهير المسعودي ت 346 هـ هو الآخر من الشيعة ، وهو صاحب التاريخ المشهور بمروج الذهب والذي يقول فيه ( وكان مولده في الكعبة ) ( 101 ) وهكذا يرسل كلامه وكأنه عنده من المسلمات .
      وكذلك في كتابه الآخر ـ أثبات الوصية ـ آذ يقول ( وروي أن فاطمة بنت أسد لما حملت بأمير المؤمنين عليه السلام كانت تطوف بالبيت فجاءها المخاض وهي في الطواف فلما أشتد بها دخلت الكعبة فولدته في جوف الكعبة على مثال ولادة آمنة النبي صلى الله علية واله وسلم ، ما ولد في الكعبة قبله ولا بعده غيره ) ( 102 ) وماذا يقول عن القفال الشاشي الشافعي ت365 هـ والقائل ( لم يولد في الكعبة إلا علي ) ( 103 ) ولا أدري هل يعقل أن ابن أبي الحديد لم يتصفح كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري الشافعي ت 405 هـ ، وهو أشهر من نار على علم في علم الحديث عند أهل السنة ، والملاحظ على الحاكم أنه أكد على مسألة مهمة جداً إلا وهي تواتر ولادة الإمام ( ع ) في الكعبة حيث قال ( تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ) ( 104 )
    .  إذا علمنا المكانة العلمية التي كان يتمتع بها الحاكم وخاصة في علم الحديث ، وهو يعلم ماذا تعني كلمة ( تواتر ) .
     ومن جانب آخر فان الحاكم يستخدم أسلوب الإسناد في كل كتابه ، ولكن في هذه الرواية يهمل الإسناد والظاهر ان ولادة الإمام ( ع ) كانت معروفة بشكل غير طبيعي في زمانه ولذلك خالف منهجه ، ولم يأت بسلسلة إسناد في هذه المسألة لكثرة الأسانيد التي بلغت التواتر .
     ولكن يا ترى ما لسبب في عدم إطلاع ابن أبي الحديد على مؤلفات أسلافه المعتزلة ، حيث جاء في كتاب المراتب للبستي ت420 هـ تحت عنوان ( أن المرء يشرف بولادته في بيت كبير ) حيث جاء ( أن فاطمة بنت أسد قالت : لما قرب ولادتي بعلي عليه السلام كانت العادة في نساء بني هاشم أن يدخلن البيت الحرام ويمسحن بطونهن بحيطانه ، فيخف عليهن الوضع ، فخرجت مع جنيني وقضيت حاجتي من البيت ، فلما أردت أن أخرج وإذا بعلي كأنه عمود من حديد . . . وولد من ساعته في الزاوية اليمنى من ناحية البيت ) . ( 105 )  وقال أيضاً ( وليس في الموضع أشرف من هذا والولد الطاهر مولود في أشرف البقاع ، من أكرم الفضائل ، وليس هذه للمشايخ ولا لأحد نعرفه ) ( 106 ) وقال أيضاً ( ثم له في المساجد خاصية ومزية لا يشاركه فيها أحد ، وهو أنه ولد في الكعبة ) ( 107 ) وهلا أطلع ابن أبي الحديد على ما ذكره ابن المغازلي المالكي ت 483 هـ حول ولادة الامام بالكعبة بسلسلة سند تنتهي عند الإمام زين العابدين ( ع ) وهو يتحدث عن ولادة جده ( ع ) بالكعبة .
    ( 108 )  وهل حالت معاصرة ابن أبي الحديد لابن طلحة الشافعي ت 652 هـ على عدم إطلاعه على رواه الأخير في تأكيده على ولادة الأمير في الكعبة ( 109 ) ، وكذا لحال بالنسبة إلى سبط ابن الجوي الحنفي ت 654هـ ، والقائل ( روي أن فاطمة بنت أسد كانت تطوف في البيت وهي حامل بعلي عليه السلام ، فضربها الطلق ، ففتح لها بابا الكعبة فدخلت فوضعت فيها ) ( 110 ) وأيضاً ما جاء لدى الكندي الشافعي ( استشهد في 658 هـ ) والذي قال ( ولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ، ليله الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل ، ولم يلد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه اكراماً له بذلك ، وإجلالاً لمحله في التعظيم ) ( 111 ) ، ومن المعاصرين أيضاً لابن أبي الحديد المصلي الشافعي الذي ذكر الولادة الشريفة في كتابه النعيم المقيم والذي ألفه سنة 646 هـ إذ قال ( ولد في الكعبة المعظمة ، ولم يولد بها سواه في طلقة واحدة ) ( 112 ) .
     المصادر ، أعلاه غير شيعية سبقت ابن أبي الحديد ، فكيف يا ترى نفسر قوله بأن ولادة الأمام في الكعبة ذكرت في مصادر الشيعة فقط ونستمر الان بذكر المصادر غير الشيعية والتي تلت عصر ابن أبي الحديد ، والتي منها ما جاء لدى النخجواني ( كان حياً في 724 هـ ) إذ قال ( أن عليا عليه السلام ولد في الكعبة . . ) ( 113 ) ، وأكد الجويني الشافعي ت 730هـ على انفراد الإمام بالولادة في الكعبة بقوله ( لم يولد في الكعبة إلا علي ) ( 114 ) .
     ان الذي يعرف الذهبي الشافعي سنة748 هـ وموقفه السلبي من آل البيت وشيعتهم لا يجد تفسيراً لتأكيد الذهبي على ولادة الإمام في الكعبة بقوله ( تواترت الأخبار ان فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ) ( 115 ) إلا على تواترها بما لا يقبل الشك والتضليل .
     وردد الزرندي الحنفي ت750 هـ خبر الولادة في الكعبة في كتابين له ، حيث قال في كتابه ـ نظم درر السمطين ـ ( وأمه ـ الإمام علي ـ فاطمة بنت أسد . . . روى أنها لما ضربها المخاض أدخلها أبو طالب الكعبة بعد العشاء فولدت فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) ( 116 ) ، أما في كتابه معراج الوصول فقال ( ولد كرم الله وجهه في جوف الكعبة ) ( 117 ) .
     وأسهب ابن الصباغ المالكي ت 855 هـ في سرد خبر الولادة قائلاً ( ولد علي عليه السلام بمكة المشرفة بداخل البيت الحرام . . . ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه ، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها اجلالاً له واعلاءاً لمرتبته وإظهارا لتكرمته ) ( 118 ) .
      إذ نلاحظ تأكيد ابن الصباغ على اختصاص الإمام بهذه الولادة وأنها فضيلة من الله لإعلاء مكانة الإمام ( ع ) .
     وأكد الصفوري الشافعي ت 894 هــ على أن ولادة الإمام ( ع ) في الكعبة كانت عن قصد من أمه إذ يقول ( ان علياً رضي الله عنه ولدته أمه بجوف الكعبة شرفها الله ، وهي فضيلة خصه الله بها ، ذلك ان فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ، أصابها شدة الطلق ، فأدخلها أبو طالب الكعبة ، فطلقت طلقه فولدته يوم الجمعة في رجب سنه ثلاثين من عام الفيل ) ( 119 ) .
     وقال ابن خاوند شاه ت 903 هـ ( كانت ولادته عليه السلام . . . في جوف الكعبة . . . ولم تتح هذه السعادة لأي احد منذ بدء الخليقة إلى الغاية ، وأن لصحة هذا الخبر بين المؤرخين المتحفظين على الفضائل حيث لا تشوبه شبهه ، وتجاوز عن أن يصحبه الشك والترديد ) ( 120 ) وفي استطراده لذكر حوادث سنوات عمر النبي ( ص ) قال الديار البكري ت 982 هـ ( وفي السنة الثلاثين من مولده صلى الله عليه واله وسلم ولد علي ابن أبي طالب عليه السلام في الكعبة . . . وفي شواهد النبوة كانت ولادة علي بمكة بعد عام الفيل بسبع ، وقيل كانت ولادته في الكعبة . . . انتهى كلام شواهد النبوة ) . ( 121 )
     والظاهر انه حصل سوا في نقل الديار بكري من كتاب شواهد النبوه في تاريخ ولادة الإمام بقوله ( بعد عام الفيل بسبع سنين ) .
     وربما الأصح بسبع وعشرين .
    إذ أن هناك روايات تشير لذلك مع إن المشهور في السنة الثلاثين .
      ومن مؤرخي القرن الحادي عشر ذكرها السكتواري ت 1007 هـ ( 122 ) .
    وعلي القارئ الحنفي ت 1014 هـ ( 123 ) .
     والشيخاني القادري الشافعي ( ق11 هـ ) الذي قال ( لم يولد قبله ولا بعده مولود في البيت الحرام سواه أكراماً له بذالك وإجلالاً لمحله في التعظيم ) ( 124 ) .
      وكذا الحلبي الشافعي ت 1044 هـ ( 125 ) وابن باكثير الحضرمي الشافعي ( ق11 هـ ) الذي اكد على انفراد الإمام ( ع ) بالولادة في الكعبة إذ قال ( كانت ولادته بالكعبة المشرفة وهو أول من ولد بها بل لم يعلم إن غيره ولد بها ) ( 126 ) .
     وذكرها الدهلوي الحنفي ت 1176 هـ ( 127 ) واللكهنوي الحنفي ت1225 هـ حيث قال ( ولادة معدن الكرامة في جوف الكعبة ولم يولد احد فيها غيره وقد خصه الله تعالى بهذه الفضيلة وشرف الكعبة بهذا الشرف ) ( 128 ) .
     وليس بخاف علينا ما جاء في قصيدة الشاعر الحنفي عبد الباقي العمري ت 1278 هـ :
    أنت العلي الذي فوق العلا رفعا ببطن مكة عند البيت إذ وضعا

    وقد شرح الالوسي هذه القصيدة في سنة 1270هـ فقال في شرح البيت أعلاه .
    ( وفي كون ـ الامير عليه السلام ـ ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا وذكر في كتب الفريقين السنة الشيعة . . . ولم يشتهر وضع غيره ـ كرم الله وجهه ـ كما اشتهر وضعه بل لم تتفق الكلمة عليه .
      وما أحرى بإمام الائمة ان يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين .
    وسبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو احكم الحاكمين ) ( 130 ) .
    ويلاحظ ما جاء لدى الالوسي :
    1 ـ إن ولادة الإمام مسالة مشهورة ومعروفة وليست مغمورة ومجهولة .
    2 ـ أنها لم تكن أحاديه المصدر وإنما جاءت لدى السنة الشيعة على عكس ما جاء به ابن أبي الحديد .
    3 ـ تضعيفه ولادة غيره في الكعبة لأنها غير مشهورة .
    4 ـ إن ولادة غيره لم يتفق عليها كما اتفق على ولادة الإمام ( ع ) .
    5 ـ إن ولادة الإمام في الكعبة هو وضع الشيء في موضعه من قبل الله وهو منتهى الحكمه .
    وفي شرحه لبيت ثان للعمري :
    وأنت أنت الذي حطت له قدم موضع يده الرحمن قد وضعا

    قال الالوسي ( قيل أحب عليه الصلاة والسلام أن يكافئ الكعبة حيث ولد في بطنها بوضع الصنم عن ظهرها ) ( 131 ) .
     أما من علماء القرن الثالث عشر فقد أكدها القنوجي ( 1248 ـ 1307 هـ ) الذي قال ( ولم يولد احد غيره في هذا المكان المقدس ) ( 123 ) .
      وأيضا الشبلنجي ( ق13 هـ ) ( 133 ) أما من علماء القرن الرابع عشر فنجد الشنقيطي والذي كان يتلظى غيظاً من الروافض فقد أكد الولادة الشريفة في الكعبة ( 134 ) .
     إذا نخلص للقول هل هذه المصادر هي مصادر شيعية أم هي مصادر كتبت من قبل حمله الحنفي أو المالكي أو الشافعي سواء كانوا أشاعرة أم معتزلة فكيف نفسر يا ترى ما جاء لدى ابن أبي الحديد  وإذا أضفنا لهؤلاء ما جاء لدى الشعراء واشهرهم السيد الحميري ت 173 هـ القائل .
    ولدته في حرم الإله وأمنه والبيت حيث فناؤه والمسجد ( 135 )

    وقال ايضاً :
    طبت كهــلا وغلامــا ورضيعــاً وجنينــا
    ولدى الميثاق طينــا ورضيعــاً وجنينــا
    وببطن البيت مولــودا وفي الرمــل دفينــا
    كنت مأموناً وجيهــا عند ذي العرش مكينــا

     ومن الشعراء الآخرين السرحي الاوالي ( ت حدود 750 ) ( 137 ) وعلاء الدين الحلي ( ق8 ) ( 138 ) وغيرهم كثير . ( 139 )

    ثالثاً :
    ومما يلاحظ على ما جاء لدى ابن أبي الحديد بان ولادة الإمام في الكعبة لم يشر لها المؤرخون وأصحاب التراجم وإنما أشاروا لولادة حكيم فقط .
     وقد لاحظنا عدم الدقة هذا الرأي في البندين أولا وثانيا أعلاه ، أما بالنسبة للإشارة لولادة حكيم فهذا ما سنتناوله تفصيلاً بعد .

    رابـعـاً :
    تبقى مسالة عدم قطع ابن أبي الحديد بولادة الإمام علي في الكعبة حيث لاحظنا بأنها ليست رواية شيعية كما أفاد ابن أبي الحديد بل لاحظنا ورودها وتأكيد صحتها لدى مختلف مصادر المسلمين فكيف لمفكر كابن أبي الحديد لم يطلع على ذلك
     إننا لا يمكن أن نتهم ابن أبي الحديد بكونه مغرظاً إذ إن معرفتنا بما يحمله للإمام من قدسية منقطعة النظير وما يلمسه المتصفح لكتابه شرح نهج البلاغة إذ يقول ( كان أمير المؤمنين عليه السلام في مصاص الشرف ومعدنه لاشك عدو ولا صديق انه اشرف خلق الله نسباً بعد ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 140 )
    وهو القائل :
    وخير خلق الله بعد المصطفى أعظمهم يوم الفخار شرفا
    السيد المعظم الوصي بعل البتول المرتضى علي

    وألا اكثر ما جاء في القصيدة السادسة من القصائد السبع العلويان ( 142 ) ومنها .

    يا برق إن جئت الغري فقل له أتراك تعلم من بأرضك مودع
    فيك ابن عمران الكليم وبعده عيسى يقفيه واحمد يتبع
    بل فيك نور الله جل جلاله لذوي البصائر يستشف ويلمع
    بل فيك نور الله جل جلاله لذوي البصائر يستشف ويلمع
    فيك الإمام المرتضى فيك الوصي المجتبى فيك البطين الانزع
    ويقول :
    يا قالع الباب الذي عن هزها عجزت أكفا أربعون وأربع
    لولا حدوثك قلت انك جاعل الأرواح في الأشباح والمنتزع
    لولا مماتك قلت انك باسط لولا مماتك قلت انك باسط

    ويقول :
    لي فيك معتقد سأكشف سره فليصغ أرباب النهى وليسمع
    هي نفثة المصدور يطفئ بردها حر الصبابة فاعذلوني أو ادعوا
    والله لولا حيدر ما كانت الدنيا ولا جمع البرية مجمع
    من اجله خلق الزمان وضوئت شهب كنسن وجن ليل أدرع
    علم الغيوب إليه غير مدافع والصبح ابيض مسفر لاندفع
    واليه يوم المعاد حسابنا وهو الملاذ لنا غدن والمفزع
    هذا اعتقادي قد كشفت غطاءه سيضر معتقدا غدا له أو ينفع
    يامن له في الأرض قلبي منزل نعم المراد الرحب والمستربع
    أهواك حتى في حشاشة مهجتي نارا تشب على هواك وتلذع

      فيا ترى بعد كل ذلك ، ما الحكم الذي نصدره بحق ابن أبي الحديد في رؤيته للولادة المباركة في الكعبة ، ولا نملك إلا ان نقول عفا الله عنه ، فلنحمله على محمل الحسن ، ولعل له عذراً نجهله
      الآن لنتوقف عند روايات الولادة الشريفة لنرى من هم رواتها فهل إن حادثة الولادة من روايات الآحاد أم من الروايات المتواترة وهل رواتها من الجاهل أم أنهم ممن شأو في المجتمع .
      من خلال تتبع الروايات أعلاه لوحظ إن الولادة الشريفة مما تواتر على روايتها جيلاً بعد جيل اعتباراً من الصدر الأول الإسلام ، وان رواة الولادة ممن لهم شان كبير في المجتمع وهم .

    أولاً : النبي محمد ( ص ) ت 11 هـ .

     هو النبي الأكرم والرسول المعظم ، أفضل خلق الله ، ابو القاسم محمد بن عبد الله صلى الله عليه واَله وسلم ، خاتم النبيين والمرسلين ، وخامس اولي العزم من الرسل . ( 143 )
     كان ( ص ) ذا علاقة وثيقة بأسرة عمه ابو طالب ، حيث تكفله الأخير بالرعاية بعد وفاة عبد المطلب ( 144 ) ، وقد أولته السيدة فاطمة بنت أسد زوج أبو طالب رعاية خاصة حتى كان النبي ( ص ) يدعوها : أمي بعد أمي ( 145 ) . ولما ولدت فاطمة الإمام علي ( ع ) أشارت بعض الروايات لحضور النبي ( ص ) ساعة الولادة ، ولذلك أصبح ( ص ) من رواة الولادة الشريفة .
    ( 146 )

    ثانياً : عتاب بن أسيد ـ 22 هـ .

     احد أفراد الاسرة الاموية ، اسلم في فتح مكة ، فأصبح من الطلقاء ( 147 ) ، ثم ولاه الرسول ( ص ) مكة .
      وقد روى المسور بن مخرمة إن الإمام علياً ( ع ) خطب جويرية بنت أبي جهل في حياة فاطمة ( 148 ) ، فقال عتاب بن أسيد لفاطمة : أنا اكفيها ، فتزوجها فولدت له عبد الرحمن بن عتاب الذي خرج مع أهل الجمل ضد الإمام ( ع ) فقتل ( 149 ) ، أما عتاب فكانت وفاته في خلافة عمر سنة 22هـ ( 150 ) .
      وكان عتاب من رواة ولادة الإمام في الكعبة ( 151 ) .

    ثالثاً : العباس بن عبد المطلب .

     احد أعمام الرسول ( ص ) والإمام علي ( ع ) ، كان يتولى مهمة عمارة البيت الحرام قبل الإسلام ، ( 152 ) اختلفت الروايات في موقفه من الدعوة الإسلامية ، حيث حضر يوم الإنذار ( 153 ) ولم يبد رأياً ، وشمله حصار الشعب مع بني هاشم ( 154 ) ولما أراد الرسول ( ص ) الهجره إلى المدينة قيل أن العباس اخذ العهود والمواثيق على الأنصار لنصرة النبي ( ص ) ( 155 ) .
      ولم يهاجر العباس مع من هاجر ، بل خرج مع المشركين في بدر ووقع أسيراً بيد الرسول ( ص ) فأطلقه بعد أن دفع الفداء ( 156 ) ، وقيل انه كتم إيمانه لمصلحة الإسلام فلم يهاجر ليكون عينا للرسول ( ص ) ، حيث ابلغ النبي ( ص ) بغزو المشركين في احد والخندق في المدينة .
      ولم يهاجر العباس إلا قبيل فتح مكة ، فكان آخر من هاجر وبه ختمت الهجرة .
    وقيل انه صاحب أقدم رواية أشارت لاول صلاة جماعة في الإسلام ضمت الرسول ( ص ) وعلي وخديجة ( ع ) .
    ( 157 ) كان العباس الوحيد الذي بقي من أعمام النبي ( ص ) على قيد الحياة بعد وفاة النبي ( ص ) ، حيث كان له موقفا ايجابيا في الدفاع عن حقوق آل البيت ( ع ) ، فكانت مواقفه المتشددة حيال الخلفاء الثلاثة .
    ( 158 ) ويعد العباس من الذين رووا خبر ولادة الإمام في الكعبة حيث كان يتولى عمارة البيت الحرام ، وصاحب هذه المهمة مسئول عن المحافظة على الأدب والوقار ، فجاءت فاطمة بنت أسد في وقت تواجد العباس قرب الكعبة فولدت علياً ( ع ) فيها .
    ( 159 )

    رابعاً : أمير المؤمنين عليا ( ع ) ت40هـ .

      هو أبو الحسن علي ابن أبي طالب ( ع ) ، فبعد ولادته الشريفة في الكعبة المعظمة ، انتقل من بيت الله إلى بيت رسول الله ( ص ) ، ولكن لا يعلم بالضبط كم كان عمره وقتذاك ( 160 ) ، والظاهر من كلامه ( ع ) انه كان في سنواته الأولى إذ يقول ( وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره ، وأنا وليد يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في القول ، ولا خطلة في عمل ) ( 161 ) .
      ولكن هناك رواية يشم منها رائحة الوضع مفادها إن تربية الإمام علي ( ع ) في بيت النبي ( ص ) جاءت لأغراض اقتصادية ، حيث روى كل من البلاذري وأبو الفرج ( 162 ) إن قريشاً إصابتها أزمة ، فدعا النبي ( ص ) عماه العباس وحمزة للتخفيف عن أبي طالب لأنه كثير العيال قليل المال ، فقال لهم أبو طالب : إذا تركتم لي عقيلاً فافعلوا ما شئتم ، فاخذ العباس طالباً واخذ الحمزة جعفراً ، بينما اخذ النبي ( ص ) علياً .

    إن الذي يلاحظ على هذه الرواية :

    1 ـ تشير الرواية إن طالباً هو اكبر أولاد أبو طالب فهو اكبر من عقيل بعشر سنوات ، وعقيل اكبر من جعفر بعشر سنوات ، وجعفر اكبر من علي بعشر سنوات . ( 163 )
      فإذا كان علياً ابن الست سنوات ، فلا مانع من أخذه من قبل النبي ( ص ) وتربيته ، ولكن هذا لا يصح بالنسبة لجعفر ابن الست عشر سنة ، ولا بالنسبة لعقيل ابن الست والعشرين سنة ، والأمر يبدو مستحيلاً بالنسبة لطالب الذي له من العمر ست وثلاثون سنة .
      مع إن عمر النبي ( ص ) والحمزة وقتذاك ست وثلاثون سنة أيضاً . ؟ ! !

    2 ـ إن السبب لدعوة النبي ( ص ) لعميه هو بسبب الازمة الاقتصادية التي حلت بقريش ، ولكن ما بال هذه الازمة شدت رحالها صوب بيت ابو طالب ، حيث لم نسمع بأثر هذه الازمة على باقي البيوت القرشية

    3 ـ ما السبب في ايثار ابي طالب لولده الأوسط عقيل وكان الأجدر أيثار عليا كونه الأصغر وبحاجة لرعاية والديه ! ! فهل يريد الرواة الربط ما بين المعتقد المستقبلي لأولاد أبو طالب ومعتقد من رباهم فعقيل بقي مشركاً لان أباه بقي مشركاً أما طالب فسلك مسلك مربيه العباس فلم يؤمن ثم خرج في بدر لمحاربة الرسول ( ص ) كما فعل العباس ! ! أما جعفر فاعتنق الإسلام لان الحمزة قد اسلم ، وكذا الحال بالنسبة لعلي ( ع ) فلم يعبد الأصنام لتربيته في بيت النبي ( ص ) .

    4 ـ يلاحظ على شخصية طالب انه شخصية لا أساس لها من الصحة ، إذ إن كتب التاريخ لم تقدم لنا أي معلومات عن شخصية طالب هذا إلا في هذه الرواية ، والإشارة لخروجه في بدر مشركاً فهل القول بوجود شخصية طالب لمقاصد ما أم إن البعض تصور إن لأبي طالب ولداً اسمه طالب من خلال اسمه أبي طالب ، إذ إن أبا طالب هو اسم وليس كنيه ، كما في اسم أبي لهب وأبي جهل .
      والظاهر ان ابا طالب عرف بذلك لكثرة استجابته للمطالب .

    5 ـ تقول الرواية إن أبا طالب كان كثير العيال قليل المال ، والحال غير ذلك ، فليس له من الأولاد إلا ثلاثة وبنت واحدة هي أم هاني ، إذ لاحظنا إن شخصية طالب لم تقو الأدلة على إثباتها ، وإذا استثنينا جعفراً وعقيلاً لانهما كبيران وقت الازمة ، فلا يبقى إلا علي وأم هانئ .
    6 ـ لم يبقى إلا القول إن الرواية وضعت للطعن في تربية الإمام لدى النبي ( ص ) ، وللقول أنها جاءت لاسباب مادية .
     لقد كان لتربية الإمام في بيت النبي ( ص ) اثر في تنشئته ، حيث كان قد ولد على دين الفطرة ( التوحيد ) ، واستمر على ذلك حيث كان أول من آمن بنبوة النبي ( ص ) ( 164 ) ، ثم كان نعم الوزير له منذ يوم الإنذار حتى وفاة النبي ( ص ) ، وفاز بشرف مصاهرة النبي ( ص ) بزواجه من الزهراء ( ع ) فكان إن تكون منهما ما عرف باسم البيت النبوي ، حيث جاء الحسن والحسين ( ع ) ثم باقي سلسلة الائمة المعصومين ( ع ) .
     وطول الدعوة الإسلامية كان ( ص ) يعد الإمام علي ( ع ) لاستكمال رسالته السماوية ، إلا إن عدم الفهم الصحيح لمبادئ الإسلام حال دون ذلك ، وكان سبباً في عدم استفادة الأمة من هذه الألطاف الإلهية .
     وبعد إن تعرض المجتمع الإسلامي لشتى أنواع الانحراف حاول الإمام إصلاحه في فترة خلافته القصيرة دون جدوى حتى ضربه الخارجي في مسجد الكوفة ، فدخل عليه صعصعة بن صوحان طالباً منه الإجابة على مجموعة من الأسئلة وكان ضمن جواباته إن أدلى الإمام بولادته الشريفة في الكعبة المعظمة. ( 165 )

    خامساً : الإمام الحسن بن علي ( ع ) ت 50هـ .

      هو السبط الأول للرسول ( ص ) ولد في السنة الثالثة للهجرة ، وتربى في كنف جده ( ص ) لسنوات ، ثم عاصر ورأى ما حل بالبيت النبوي بعد وفاة جده حيث شهد أحداث السقيفة والهجوم على بيت أبويه ووفاة والدته اثر هذا الهجوم ، ثم شهد ما شهده المجتمع الإسلامي بعد موجة الفتوحات وما تركته من آثار على كافة الأصعدة كان نتيجتها مقتل الخليفة عثمان ، وأعطيت الأمة لأول مرة الحرية في اختيار خليفتها فكان الإمام علياً ( ع ) ، إلا إن الإمام واجه تحداَ ممن ليس له رغبة بالإصلاح فاضطر الإمام إلى خوض ثلاث معارك حتى استشهاده على يد احد الخوارج في مسجد الكوفة ، فتولى الإمام الحسن ( ع ) من بعده ، إلا انه أدرك بان التيار يجري في اتجاه غير ما يريده المنهج الإسلامي فاثر حقن الدماء وعقد هدنة مع معاوية ( 166 ) ، ورأى معاوية انه ليمكنه نقض كل بنودها إلا بالتخلص من الإمام الحسن ( ع ) ، فكان استشهاد الإمام الحسن ( ع ) في سنة 50هـ .
      لما تولى الإمام الحسن ( ع ) الخلافة ألقى خطبة ذكر فيها فضائل أبيه أمير المؤمنين ( ع ) ، ومن بينها ولادته ( ع ) في الكعبة المشرفة. ( 167 )

    سادساً : أم المؤمنين عائشة .

      هي الثالثة من زوجات النبي ( ص ) ، والتي اختلف في أمرها هل كانت متزوجة قبل النبي ( ص ) أم لا ؟ ( 168 ) والظاهر إن صغر سنها جعلها تخلق متاعب للنبي ( ص ) حتى وصل الأمر إلى إن هددت من قبل القرآن . ( 169 )
      وحينما توفي النبي ( ص ) اختلفت الآراء هل دفن ( ص ) في بيتها أم في بيت فاطمة ( ع ) ؟ ( 170 ) وعلى اثر اختلافات السقيفة فاز أبوها بالحكم ، وما لبثت إن ازدادت مكانتها عند الخليفة عمر ابن الخطاب حيث أصبحت المفضلة في العطاء على سائر نساء النبي ( ص ) ( 171 ) ، إلا أن اختلافها مع الخليفة عثمان جعلها تشن حملة دعائية ضده حتى مقتله ، ولما علمت بتولي الإمام علي ( ع ) الخلافة تظاهرت بالندم على عثمان ، فقادت المعاديين للإمام نحو البصرة فكانت حرب الجمل والتي أسفرت عن هزيمة أهل الجمل وإرجاعها معزز إلى بيتها .
     ولكنها استمرت تذكر الامام بسوء حتى مقتل اخيها محمد بن أبي بكر على يد معاوية ثم استشهاد الإمام علي ( ع ) ، فبدأت تنشر فضائل الإمام ( ع ) ، وما لبثت إن ماتت في ظروف غامضة . ( 172 )
     إن الملاحظ إن عائشة تحمل الرقم الثاني بعد أبي هريرة في من يروي الأحاديث النبوية ، حيث روت 2210 حديثاً عن النبي ( ص ) ، ( 173 ) وهذه الأحاديث لم يثبت صحة أكثرها ، وكانت نسبة كثيرة منها رويت عن ابن أختها عروة ابن الزبير وخاصة الأحاديث التي ترفع من شان اَل العوام واَل حزام وتقلل من شان الإمام علي ( ع ) ، ولا نعلم على وجه الدقة هل حقاً أن هذه الأحاديث لام المؤمنين ؟ أو أنها افتعلت من قبل الزبيريين والأمويين !!.
     ورغم الموقف السلبي الكبير لعائشة من أمير المؤمنين ( ع ) فإنها كانت تشير لفضائله ، ومن بينها الولادة المباركة في الكعبة المشرفة . ( 174 )

    سابعاً : ميثم التمار .

     كان مولى الأمراء فاشتراه أمير المؤمنين ( ع ) واعتقه فأصبح من خواصه ( 175 ) وتنبأ الإمام بما سيحل به إذ قال : ( انك تؤخذ بعدي وتصلب ، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخرك وفمك دماً ، حتى تخضب لحيتك ، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربه يقضى عليك فانتظر ذلك ، والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو ابن حريث ( 176 ) ، انك لعاشر عشرة أقصرهم خشبة ، وأقربهم إلى المطهرة ـ الأرض ـ وارينك النخلة التي تصلب على جذعها ) ( 177 ) .
      وفعلاً قبض على ميثم في ولاية عبيد الله بن زياد للكوفة ، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب دار عمرو بن حريث ، فاخذ ميثم يحدثهم عن فضائل آل البيت ( ع ) ، فأمر ابن زياد بلجامه ، فكان أول مخلوق يلجم ، في الإسلام ، فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً ، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات قبل قدوم الحسين ( ع ) للعراق بعشرة أيام . ( 178 )
     روى ميثم رواية مفادها إن ولادة الإمام علي ( ع ) في الكعبة كانت من الاحداث الشائعة في زمان الإمام علي ( ع ) ( 179 )

    ثامناً : جابر بن عبد الله الأنصاري .

     احد أصحاب الكرامة الذين شاركوه في حروب الرسول ( ص ) ، وكان ممن التحق بصف أصحاب اَل البيت ( ع ) حتى أدرك الإمام الباقر ( ع ) ( 57 ـ 114 هـ ) ، وروي إن النبي ( ص ) ابلغه سلاماً إلى الإمام الباقر ( ع ) ، ( 181 ) ويظهر إن له قرباً من النبي ( ص ) حيث اخبره النبي ( ص ) بتفاصيل ولادة الإمام علي ( ع ) في الكعبة . ( 182 )

    تاسعاً : الإمام زين العابدين ( 38 ــ 95 هـ ) .

      هو الإمام الرابع من أئمة أهل البيت ( ع ) ، والوحيد الذي بقي من ذرية الحسين ( ع ) يوم كربلاء ، وهو الذي أشار على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بضرب السكة الإسلامية لأول مرة ، إذ إن هناك خطأ شائعاً مفاده إن الإمام الباقر ( ع ) هو الذي أشار بضرب النقود حسبما جاء لدى البيهقي وقد نقل منه الدميري ( 183 ) نصاً ( 184 ) .
    حيث يلاحظ :

    1 ـ إن مسالة ضرب النقود كانت في سنة 74هـ ( 185 ) ، أي في إمامة زين العابدين ( ع ) ، والباقر وقتها ابن ( 17 ) سنة فقط ، إذا فلماذا يرسل عبد الملك للباقر وليس لزين العابدين ( ع ) ؟ !
    2 ـ وحتى رواية البيهقي التي تذكر إن روح بن زنباغ قال لعبد الملك : انك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه . فقال عبد الملك : ويحك ! كيف ! فقال روح : الباقر من أهل بيت النبي ( ص ) ( 186 ) ، فإن هناك نسخة ثانية من كتاب المحاسن مرد فيها ان روح قال : الباقي من اهل بيت النبي ( ص ) ( 187 ) ، وفعلاً إن الذي بقي من آل البيت في مجزرة كربلاء هو الإمام زين العابدين ( ع ) ، أما الباقر فكان عمره يوم كربلاء أربع سنوات فنجاته من القتل كما نجا سائر الأطفال .
    3 ـ هناك مصادر تشير إلى أن زين العابدين ( ع ) هو صاحب الفكره كما ذكر ابن كثير ( 188 ) ، والشهيد الأول ( 189 ) ، والصعيدي ( 190 ) .
    كان الامام زين العابدين ( ع ) قد عاصر سنتين من حياة جده أمير المؤمنين ( ع ) ، وأثني عشر سنة من حياة عهمه الحسن ( ع ) ، وأثني وعشرين سنه من حياة ابيه الحسين ( ع ) ، ويعد من أهم رواة ولادة جده أمير المؤمنين ( ع ) في الكعبة المشرفة ( 191 ) .

    عاشراً : سعيد بن جبير .

      من كبار التابعين اشتهر بعلم التفسير ، ويعد من أصحاب الإمام زين العابدين ( ع ) ، وقد ثار على الأمويين مشتركاً في حركة القراء ، وبعد فشلها وقع بيد الحجاج فقتله ( 192 ) ، والظاهر انه خلال تلمذته على يد زين العابدين ( ع ) اخذ منه رواية ولادة جده أمير المؤمنين ( ع ) في الكعبة الشريفة ( 193 )

    حادي عشر : انس بن مالك ت93 أو 94 هـ .

      كان خادما للرسول ( ص ) ( 194 ) ، ولوحظ عليه انحرافاً عن الإمام علي ( ع ) حيث تجاهل حديث الغدير مما أدى إلى إصابته بالبرص اثر دعاء الإمام علي ( ع ) ( 195 ) إلا انه بعد ذلك اخذ يشيد بفضائل الإمام علي ( ع ) ، ومن بينها ولادة الإمام علي في الكعبة الشريفة ( 196 ) .

    ثاني عشر : الإمام جعفر الصادق ( ع ) ( 83 ـ 148هـ ) :

      هو الإمام السادس من ائمة اهل البيت ( ع ) والذي ينسب إليه مذهب ، ت ( ع ) ، لأنه عاصر نشوء المذاهب الإسلامية مع انه كان أستاذ مؤسسي تلك المذاهب ، وقد ساعده انحلال الدولة الأموية وبدا تأسيس الدولة العباسية على وضع أصول مذهب آل البيت ( ع ) ( 197 ) .
    والإمام الصادق عليه السلام في منتهى الثقة عند سائر المسلمين ( 198 ) ، ويعد ( ع ) احد رواة الولادة الشريفة لجده أمير المؤمنين ( ع ) . ( 199 )

    ثالث عشر : أبو حمزة الثمالي ت150هـ .

      ثابت بن أبي صفية دينار الازدي الثمالي ( 200 ) الكوفي ، استشهد أولاده مع زيد الشهيد ( ع ) ، ويعد من أصحاب السجاد والباقر والصادق والكاظم ( ع ) ، له كتاب تفسير القرآن ، والنوادر ، وروى رسالة الحقوق لزين العابدين ( ع ) ، ( 201 ) ، وقد اختلف في أمره ففي الوقت الذي وثقه البرقي ( 202 ) والنجاشي ( 203 ) والطوسي ( 204 ) وابن داود الحلي ( 205 ) ولكن طعن فيه ابن معين وابن حنبل وابن زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن عدي ، والظاهر إن السبب في تضعيفه هو الجانب الاعتقادي ، حيث قال احدهم في سبب تضعيفه لانه يؤمن بالرجعة ( 206 )
    روى أبو حمزة خبر الولادة عن طريقين : احدهم عن الإمام زين العابدين ( ع ) ( 207 ) والثاني عن سعيد بن جبير ( 208 )


    رابع عشر : موسى بن يسار .

     هو مولى قيس بن مخرمة القرشي ، وهو عم محمد بن إسحاق بن يسار صاحب أقدم سيرة كتبت عن النبي ( ص ) ، سمع من أبي هريرة ، وروى عنه ابن أخيه ابن إسحاق ، وداود بن قيس المدني ، يعد موسى بن يسار ثقة عند اصحاب الجرح والتعديل ( 209 ) .
    وعن طريقه اخذ ابن أخيه خبر ولادة الإمام في الكعبة ( 210 ) .

    خامس عشر : يزيد بن قعنب .

      وردة هذا الاسم في بعض الروايات تارة يروي بمفرده ( 211 ) ، وتارة مع العباس بن عبد المطلب ( 212 ) ، وتارة مع جابر بن عبد الله الأنصاري ( 213 ) وتارة ورد باسم يزيد بن قعيب الرياحي ، حيث جاء عند الشامي : ( حدثنا محمد بن علي العباسي ، قال : حدثنا علي بن علي البصري نزيل شيراز ، قال : حدثنا محمد بن احمد بن داود ، قال : حدثنا الحسين بن احمد بن علي ألرياحي ، عن الحسين بن زيد ، عن أبيه يزيد بن قعيب الرياحي . . . ) ( 214 )
     ولم يتضح هل الحسين بن زيد أم بن يزيد ؟ أم أنه هناك خلطاً من قبل الناسخ ، ونخلص للقول هل إن اسم يزيد بن قعيب قد أقحم في روايات ؟ أم انه شخص مغمور لذلك لم تدون كتب التاريخ والتراجم عنه شيء ؟!!
     وانفرد الراوندي بذكر نوفل بن قعنب ولم يتضح هل انه حدث التباس والمقصود به هو يزيد بن قعنب ؟ أم انه راو آخر ؟!! ( 215 )
     إذا نخلص للقول إن رواة ولادة الإمام أمير المؤمنين ( ع ) بالكعبة هم من لهم اثر كبير في المجتمع ، ومن الشخصيات الموثوق بها .
      ومن هنا غدة الولادة الشريفة من الحقائق كالشمس في رابعة النهار بعد أن ثبتت لدى المؤرخين والنسابين وأصحاب التراجم والشعراء على مختلف اتجاهاتهم الفكرية .

     طبقاً للبرنامج الذي وضعه معاوية في افتعال فضائل للصحابة مقابل فضائل أمير المؤمنين ( ع ) ، فان هذه الفضيلة قد نسبت لأحد الصحابة وهو حكيم بن حزام .
     فمن هو حكيم هذا ؟ وما ثقله في المجتمع العربي الإسلامي يوم ذاك ولماذا نسبت إليه هذه الفضيلة ؟ ( 216 )  هو أبو خالد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ، وأمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ( 217 ) .
     فهو ابن أخي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد ( رض ) من خلال استقراء روايات سيرة حكيم بن حزام ، نلاحظ مبالغة كبيرة في شخصيته ، ابتداءاً من ولادته ودخوله دار الندوة صغيراً ، وتوليه للرفادة وطريقة إسلامه وعمره الطويل .

    أولا : ولادته في الكعبة .

      أشارت خمس من المصادر المتقدمه لولادة حكيم بن حزام في الكعبة ألا وهي اخبار مكة للازرقي ، وجمهرة النسب لابن بكار ، والمحبر لابن حبيب ، واخبار مكة للفاكهي ، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ، أما المصادر الأخرى فهي مجرد ناقلة رواية ابن بكار أو الحاكم.
     وألان لنتناول هذه الروايات بالدراسة حسب علم الجرح والتعديل :

    اولاً : اخبار مكة اللازرقي .

     هو أبو الوليد محمد بن عبد الله بن احمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن عثمان الملقب الأزرق من أسرة أبي شمر الغساني ( 219 ) .
      قال بصدد ولادة حكيم : " حدثني محمد بن يحيى ، حدثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن أبي سليمان عن أبيه : إن فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن العزى وهي أم حكيم بن حزام دخلت الكعبة وهي حامل فأدركها المخاض ( 220 ) فيها فولدت حكيما في الكعبة ، فحملت في نطع ( 221 ) واخذ ما تحت مثبرها ( 222 ) فغسل عند حوض زمزم ، وأخذت ثيابها التي ولدت فيها فجعلت لقاً ـ واللقا انه لم يكن يطوف احد بالبيت إلا عرياناً إلا الحمس فإنهم كانوا يطوفون بالبيت وعليهم ـ الثياب ـ ( 223 )

     والآن لنلقي نظرة في مؤلفات الجرح والتعديل لنرى أحكامها في سلسلة السند :

    أولا : أبو غسان محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد بن عبيد الكناني .

    قال أبو حاتم : شيخ . ( 224 ) وقال السليماني : حديثه منكر ( 225 ) . وقال ابن حجر : " قال النسائي : ليس به باس . وذكره ابن حبان في الثقات وقال : ربما خالف ، وقال عمر بن شبه : كان كاتبا وأبوه وجداه كاتبين ، وكان عمه كاتباً ، وقال الحافظ أبو بكر بن مفوز الشاطبي : كان احد الثقات المشاهير يحمل الحديث ولأدب والتفسير ، ومن بيت علم ونباهة .
    قلت : هذا الكلام راد على ابن حزم في دعواه إن ابن غسان مجهول ، ولفظ ابن حزم : ( محمد بن يحيى الكتاني مجهول ) .
    فلعله ظنه آخر وقد قال السليماني : حديثه منكر ، ولم يتابع السليماني على هذا . وقال الدارقطني : ثقة " ( 226 )

    ثانياً : أبو ثابت عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني .

     قال فيه ابن أبي حاتم ( . . . قال انا عبد الله بن احمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلي .
     قال : سالت أبي عن عبد العزيز بن عمران . فقال : ما كتبت عنه شيء . . . انا اسحق بن يعقوب الهروي فيما كتب إلي.
     قال : أنا عثمان بن سعيد . فقال : يحيى بن معين : ابن أبي ثابت عبد العزيز بن عمران من ولد عبد الرحمن بن عوف . ما حاله ؟ قال ليس بثقة . إنما كان صاحب شعر . أنا عبد الرحمن . قال : سالت أبي عبد العزيز بن عمران الذي يروي عنه يعقوب الزهري وغيره . فقال : متروك الحديث ، ضعيف الحديث ، منكر الحديث جدا . قلت : يكتب حديثه ، قال : على الاعتبار . قال أبو محمد : كان في كتابنا عن أبي زرعة أحاديث لمحمد بن إسماعيل الجعفري عن عبد العزيز بن عمران ، فامتنع أبو زرعة من قراءته وترك الرواية عنه ) ( 227 )
     وقال ابن عدي : ( قلت ليحيى بن معين : فابن أبي ثابت عبد العزيز بن عمران . . . قال : ليس بثقة . إنما كان صاحب شعر . سمعت ابن حماد يقول : قال البخاري : عبد العزيز بن عمران أبو ثابت لا يكتب حديثه ، منكر الحديث ) ( 228 )
    .  وقال الذهبي : ( قال البخاري : لا يكتب حديثه ، وقال النسائي وغيره : متروك ( 229 ) ، وقال الهيثمي : ( عبد العزيز بن ثابت ضعيف جداً ) ، ( وقد ضعفه البخاري وجماعة وذكره ابن حبان في الثقات ) ( 230 ) .

     وقال ابن حجر : ( متروك ، احترقت كتبه ، فحدث من حفظه ، فاشتد غلطه ، وكان عارفاً بالأنساب ، مات سنة سبع وتسعين ومائة ) ( 231 ) وقال أيضا : ( قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين : كان صاحب نسب ولم يكن من أصحاب الحديث . وقال عثمان الدارمي عن يحيى : ليس بثقة ، إنما كان صاحب شعر . وقال الحسين بن حبان عن يحيى : قد رأيته ببغداد كان يشتم الناس ويطعن في احسابهم ، ليس حديثه بشيء ، وقال محمد بن يحيى الذهلي : علي بدنة إن حدثت عنه حديثاً ، وضعفه جدا ، وقال البخاري : منكر لا يكتب حديثه . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال مرة : لا يكتب حديثه . قال خليفة وغيره : مات سنة سبعة وتسعون ومائه . قلت : وقال : ابن حبان : يروي المناكير عن المشاهير . وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، منكر الحديث جداً . قيل له يكتب حديثه ، قال : على الاعتبار ، وقال ابن أبي حاتم : امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه ، وترك الرواية عنه . وقال الترمذي والدارقطني : وقال عمر بن شبه في إخبار المدينة : كان كثير الغلط في حديثه لأنه احترقت كتبه ، فكان يحدث من حفظه ) . ( 232 ) .


    ثالثاً : ابو ايوب عبد الله بن أبي سليمان

     الأموي بالولاء مولى الخليفة عثمان بن عفان ، ويقال إن اسمه سليمان . قال ابن أبي حاتم : ( روي عن أبي هريرة . . . وروي أبو سلمة عن خزرج بن عثمان السعدي عن ابي ايوب سليمان مولى عثمان عن أبي هريرة ، والصحيح عبد الله بن أبي سليمان كما قال حماد بن سلمة . قال : عبد الرحمن. . قال : سمعت أبي يقول ذلك .
     وسألته عنه فقال : كان من اكابر اصحاب حماد بن سلمة . قلت ايش حاله ؟ فقال : شيخ ) ( 233 ) .
     وقال ابن حجر : ( عبد الله بن أبي سليمان الأموي مولى عثمان ابو ايوب ، ويقال اسمه سليمان ، روي عن جبير بن مطعم حديث : ليس منا من دعا إلى عصبية . وعن أبي هريرة في تعظيم القطيعة . . . قال ابن أبي حاتم : سالت أبي عنه فقال : كان من أكابر أصحاب حماد بن سلمة يعني مشائخه . قلت ما حاله ؟ قال شيخ . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال أبو داود عقب حديثه : هذا مرسل عبد الله بن سليمان لم يسمع من جبير ) ( 234 ) .
     الملاحظ على السلسلة أعلاه : ان محمد بن يحيى قد اختلف في توثيقه والطعن فيه ، في الوقت الذي اجمع الكل على تجريح عبد العزيز بن عمران .
      أما الثالث فهو عبد الله بن أبي سليمان ، فقد اختلف في اسمه ، هل هو عبد الله أم سليمان ؟ ولا نعرف عنه سوى انه مولى للخليفة عثمان .
      فمن هو الذي اخبر عبد الله بخبر الولادة ؟ الرواية تشير انه أبيه ؟ هذا ما لم تشير إليه المصادر .
     ولا ننسى هنا الإشارة إلى إن حكيماً كان احد أربعة قاموا بدفن الخليفة عثمان ( 235 ) .


    ثانياً : جمهرة النسب للزبير ابن بكار ت 256هـ .

     لمؤلفه ابو عبد الله الزبير بن بكر ( بكار ) بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ثم لأكبر أولاده عبد الله الذي اعلن نفسه خليفة في الحجاز اثر وفاة الخليفة يزيد بن معاوية .
      وكان لعبد الله عدة أولاد منهم ثابت الذي ولد له نافع ومصعب ، وقد أشار علماء الجرح والتعديل لمكانته مصعب هذا باعتباره احد الرواة ، فقال فيه ابن أبي حاتم : ( . . . قال احمد بن حنبل : مصعب بن ثابت أراه ضعيف الحديث . . قال يحيى بن معين : أنا عبد الرحمن . قال : سألت أبي عن مصعب فقال : صدوق كثير الغلط ليس بالقوي . قال أبو زرعة : مصعب بن ثابت ليس بالقوي ) ( 236 ) .
     قال الذهبي ( ضعفه يحيى بن معين واحمد ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به ، وقال النسائي : ليس بالقوي . . . قيل : الزبير : وكان مصعب من اعبد أهل زمانه . قيل : كان يصوم الدهر ويصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ( 237 ) حتى يبس من العبادة ، وعاش إحدى وسبعين سنة ) ( 238 ) . وقال ابن حجر : ( لين الحديث ، وكان عابداً ) ( 239 ) .
     أما ولده عبد الله بن مصعب فكان على علاقة وثيقة بالخلافة العباسية حيث كان من أصحاب الخليفة محمد المهدي ( 240 ) ثم الهادي ثم الرشيد .
     يقول مصعب الزبيري : ( كان عبد الله بن المصعب بن ثابت في أصحابه المهدي ، صحبة سنتين حين قدم المهدي المدينة ، وجلس للناس يعطيهم الأموال ، يعطي الرجل من قريش ثلاثمائة دينار ويكسوه سبعة أثواب . فأصبح ذلك العام عبد الله بن المصعب ، فلم يزل في صحبته ، وصحابة هارون الرشيد ، حتى مات سنة أربع وثمانين ) ( 241 )
     وكان المهدي قد ولاه اليمامة ، في حين ولاه الرشيد المدينة ثم اليمن ، ولما جاء أمر توليه اليمن بعث عبد الله بن مصعب إمامه الضحاك بن عثمان بن خالد بن حزام ( 242 ) حتى يقدم اليمن ( 243 ) قال ابن النديم : وكان عبد الله من أشرار الناس متحاملاً على ولد علي عليه السلام ، وخبره مع يحيى بن عبد الله ( 244 ) معروف ( 245 ) . وكان متهماً في نسبه حتى إن مصعب بن ثابت نفاه عن نفسه مراراً ( 246 ) وقد خلف عبد الله من الأولاد مصعب المعروف بالزبير ، وأبي بكر ( بكار ) والد الزبير بن بكار ، فاما مصعب الزبيري فكان راوياً أديباً محدثاً شاعراً ، واستوطن بغداد حتى وفاته في 233 أو 236 هـ وله 96 سنة وله مؤلفات أهمها ( نسب قريش ) ( 247 ) .
     قال فيه ابن أبي حاتم ( روي عن مالك. . . روى عنه أبو زرعه ، كتب عنه يحيى بن معين ، وحدث عنه أبي ) ( 248 ) وقال الذهبي ) : قال ابن معين ثقة ، وقال الدارقطني : ثقة ( 249 ) وقال ابن حجر ( صدوق عالم بالنسب ) ( 250 )
     اما ابو بكر وهو بكار والد الزبير فقد خلف والده في ولاية المدينة أيام هارون الرشيد لمدة ثلاث عشر سنة ( 251 ) وكان قد تعرض لهجاء الشعراء هو وأخيه مصعب الزبيري وفي الشعر أدناه إشارة لتهمة عبد الله بن مصعب في نسبه :

    تعي حواري رسول الله تكذباً وأنت لوردان الحمير سليل
    ولو لا سعايات بال محمد لألفى أبوك العبد وهو ذليل
    ولكنه باع القلـيل بـدينه فطال له وسط الجحيم عويل
    فنال منه مالا وجاها ومنكحا وذلك خزي في المعاد طويل ( 252 )

     ونأتي الان لولده الزبير بن بكار : فكان من أهل المدينة ، وهو إخباري نسابة ، وشاعر صدوق ، وراوي نبيل القدر ، كان دائب السفر إلى بغداد ، وتولى قضاء مكة حتى وفاته سنة 256هـ ، وحضر جنازته محمد بن عيسى بن المنصور ، ودفن إلى جانب قبر علي بن عيسى الهاشمي ، وفي هذا دلالة على وثاقة علاقته بالخلافة العباسية ، وله من الكتب نسب قريش والذي لم يصل إلينا إلا قطعه عن آل الزبير نشر جاسم جمهرة نسب قريش ، وكتاب الموفقيات ( 253 ) ألفه للموفق العباسي .
     اخذ الزبير عن عمه مصعب الزبيري ، وعن محمد الضحاك بن عثمان من اَل حزام ( 254 ) ، وعن عبد العزيز بن عبد الله ( 255 ) . قال ابن أبي حاتم عن الزبير بن بكار : ( كتب عنه أبي بمكة ، ورايته ولم اكتب عنه ) ( 256 ) . ووصفه السليماني في عداد من يضع الحديث . وقال مرة: منكر الحديث ( 257 ) . وقال عنه الذهبي ( الإمام صاحب النسب قاضي مكة ، ثقة من أوعية العلم ، لا يلتفت إلى قول احمد بن علي السليماني ) ( ( 258 ) . وقال ابن حجر : ( قاضي المدينه ، ثقة ، اخطأ السليماني في تضعيفه ) ( ( 259 ) . وقال ابن أبي الحديد إن الزبير بن بكار لا ينسب للشيعة ( لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي عليه السلام والانحراف عنه ) ( 260 ) .
    روى الزبير خبر ولادة حكيم في الكعبة قائلاً : ( حدثني مصعب بن عثمان قال : دخلت ام حكيم بن حزام الكعبة مع نسوة من قريش ، وهي حامل متم بحكيم بن حزام فضربها المخاض في الكعبة ، فأتيت بنطع حيث أعجلها الولادة فولدت حكيم بن حزام في الكعبة على نطع ) ( 261 ) .
      ان مصدر الزبير اعلاه هو مصعب بن عروه بن الزبير بن العوام ، فسلسلة نسبه تعود للابن الأصغر للزبير وأخ عبد الله بن الزبير وهو عروة ابن الزبير الذي كان على علاقة ودية مع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ( 64 ـ 86 هـ ) خاصة بعد مقتل اخيه عبد الله ابن الزبير ( 262 ) .
      وقد ولد له عدة اولاد أصغرهم مصعب الذي كان صغيراً يوم مات والده فلم يأخذ عنه شيئا ( 263 ) .
    وأولد مصعباً ولداً اسمه عثمان الذي لم أجد له ترجمة .
     ثم ولد لعثمان مصعباً راوي ولادة حكيم أعلاه الذي لا نعرف عنه إلا انه كان ساعياً لدى أبي بكر بن عبد الله والد الزبير بن بكار ، حينما كان والياً على المدينة .
      والساعي هو الذي يجمع الصدقات والزكاة .
    وقد أشار إليه ـ ابن بكار ـ بكونه عالماً بإخبار قريش ( 264 ) ، لذا اعتمد الكثير من الروايات ( 265 ) ، ولم أجد لمصعب بن عثمان ذكر في كتب الجرح والتعديل ليتسنى لنا معرفة درجة وثاقته ، وقد اعتمده الطبري في روايتين مرسلتين من محمد ( 266 ) ذي النفس الزكية ( 267 ) .
     وتبقى المسالة الأهم وهي وجود إرسال بين مصعب بن عثمان وهو في النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، وبين ولادة حكيم التي كانت قبل الهجرة بنحو ست وستين سنة إذا صحت ولادته قبل الإسلام بستين سنة .

    ثالثاً : المحبر لابن حبيب .

     لمؤلفه جعفر محمد بن حبيب صاحب كتابي المحبر والمنمق المطبوعان ، كان إخباريا لذا نجد كتبه تخلو من الإسناد ( 268 ) .
     اشار ابن حبيب إلى ولادة حكيم في الكعبة حينما تحدث عن الندماء من قريش قال : ( كان الحارث بن هشام بن المغيرة ( 269 ) نديما لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ـ وحكيم هذا ولد في الكعبة ، وذلك إن امه دخلت الكعبة وهي حامل به ، فضربها المخاض فيه ، فولدته هناك ـ اسلما جميعا ) ( 270 ) .

    يلاحظ في لرواية أعلاه .
    1 ـ الرواية تأتي تحت عنوان ( الندماء من قريش ) فتشير الرواية إلى منادمة الحارث بن هشام لحكيم بن حزام ثم تأتي جملة عرضية الا وهي ( وحكيم هذا ولد في الكعبة . . . فولدته هناك ) .
      ثم بعد ذلك تأتي عبارة ( اسلما جميعا ) والتي يفترض إن تأتي مباشرة بعد ذكر الحارث وحكيم .
    2 ـ الملاحظ إن هذه الإضافة ترجع إلى راوي كتاب المحبر وهو ابو سعيد الحسن ابن الحسن السكري المولود سنة 112هـ ، والذي كان عارفاً بالنحو والأدب وتتلمذ على شيوخ منهم محمد بن حبيب الذي روى له كتاب المحبر ، وروى عنه كتاب النسب لابن الكلبي ، وقد وصف السكري من قبل الخطيب بأنه ثقة دينا صادقاً يقرئ القرآن ( 271 ) .
     وقال عنه الحموي بأنه الراوي الثقة المكثر ( 272 ) ، وقد اختلف في وفاته بين سنتي 275 ــ 290 هـ ، ( 273 ) والأخير أرجح .
     ومما يؤكد كلامنا أعلاه ما جاء لدى ابن حبيب في ذات فصل ( الندماء من قريش ) قوله : ( وكان حمزة بن عبد المطلب نديما لعبد الله بن السائب المخزومي ، اسلما جميعا ) ( 274 ) فهنا عبارة ( اسلما جميعا ) جاءت مباشرة بعد ذكر حمزة وعبد الله.
     ومما يزيد الأمر وضوحاً إن أبا سعيد السكري أحيانا يشير لإضافاته صراحة ، فعلى سبيل المثال في القول ابن حبيب لما تحدث عن أسلاف ( 275 ) النبي ( ص ) قال : ( وسالفه صلى الله عليه سعيد بن الاخنس ـ قال أبو سعيد السكري : سعيد هذا هو الذي قال النبي ( ص ) ( أبعده الله ) فانه كان يبغض قريشاً ـ ابن شريف بن وهب . . . ) ( 276 ) .
     فنلاحظ هنا الشبه بين قوله ( سعيد هذا ) بقوله السابق ( حكيم هذا ) والشبه بين الفاصلة هنا ( ابن الاخنس . . . بن شريف ) بالفاصلة هناك .
    3 ـ إن شهادات التوثيق الصادرة بحق السكري من الخطيب والحموي ، لا تعف السكري كم مسالة إضافة هذه الإضافات ، خاصة إذا علمنا إن السكري قد أضاف إضافة كثيرة لمتن كتاب المهجر ( 277 ) ، وقد أبدى محقق كتاب المحبر تعليلا لذلك ( 278 ) .
    4 ـ والاهم من ذلك إن الرواية مرسلة ما بين حبيب ت بعد 279هـ ، وما بين ولادة حكيم قبل الإسلام بست وستين سنة ، أي وجود فارق بين زمني مقداره ( 345 ) سنة !! .

    رابعاً : أخبار مكة للفاكهي .

      هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عباس الفاكهي ( 121 ـ 275 ) ( 279 ) وضع مؤلفاً عن مكة اسماه ( أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ) .
     وقد أشار لولادة حكيم في الكعبة في روايتين ، الأولى: ( حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف . قال حدثنا يحيى بن سليمان إسماعيل بن أميه . قال : سمعت عطاء بن أبي رباح . يقول : سمعت عبيد بن أبي عمير يقول : سمعت عمر بن الخطاب يقنت ها هنا في الفجر بمكة . وأول من شرب من ماء زمزم مسلماً ابو ذر الغفاري ( رض الله عنه ) . وأول بئر كانت بمكة زمزم ، وأول من أجرى عيناً بمكة معاوية . وأول من ولد بمكة حكيم بن حزام . وأول من احرق الكعبة الحصين بن نمير في زمن ابن الزبير . وأول من ولد في الكعبة من بني هاشم من المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) ( 280 ) .

    الملاحظ على الرواية .
    1 ـ ان الرواية خاصة بسماع عبيد بن عمير لعمر بن الخطاب ، يقنت في الفجر بمكة .
    2 ـ أما باقي الرواية فلا علاقة لها بالسند وبسماع عبيد بن عمر لعمر ابن الخطاب ، وإنما تتحدث عن موضوع الأوائل ، وبعض من هؤلاء الأوائل جاءوا متأخرين كما في ( وأول من أجرى عينا بمكة معاوية ، وأول من احرق الكعبة الحصين ابن نمير في زمن ابن الزبير ) فهذه من إضافات الرواة .
    3 ـ إن الرواية تشير إلى أول من ولد في الكعبة هو حكيم . فهل هناك من ولد في الكعبة غيره ؟؟
    4 ـ تشير الرواية إن المولود الأخر في الكعبة هو علي ابن أبي طالب ( ع ) ولكنها تعده أول مولود من بني هاشم فهل هناك من ولد في الكعبة من بني هاشم خلا الإمام علي ( ع ) ثم إنها تحدده بالمهاجرين ، فهل هناك أنصار من بني هاشم !!

     أما الرواية الثانية .
    ( حدثنا احمد بن حميد عن الأصمعي عن أبي الزناد عن أبي إبراهيم بن عقبة . قال سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ، تقول : كان أبي أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم ، وأول امرأة ضربها الطلق وهي متعلقة بأستار الكعبة أخت عمر ابن الخطاب ، وأول من ولد في الكعبة حكيم بن حزام ( 281 ) .

    يلاحظ على هذه الرواية : 1 ـ المعروف إن أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم هو النبي سليمان . سورة النمل الآية 30 .
    2 ـ الرواية تشير لأولوية حكيم في الولادة في الكعبة ، هذا يعني هناك من ولد في الكعبة غيره ( 282 ) .
    3 ـ لا يمكن القول إن أم خالد كانت تعدد الأوائل لان فكرة كتابة الأوائل جاءت متأخرة ، والظاهر أنها أشارت لأولوية أبيها ـ إن صحت ـ أما الباقي فهو إضافات .

    خامساً : المستدرك على الصحيحين ت405هـ .

     لمؤلفه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري المعروف بالحاكم ، يوصف بأنه صاحب التصانيف وانه إمام صدق ، ومن أكابر حفاظ الحديث .
      ولد في نيسابور سنة 321هـ ، ورحل إلى العراق وجال البلاد وسمع من ألفي شخص وتولى قضاء نيسابور ، وكان سفيراً بين البويهيين والسامانيين وأحسن السفارة ، وكانت له معرفة بصيغ الحديث ومعرفة صحيحة وسقيمة ، وصنف مؤلفات أهمها المستدرك على الصحيحين ( 283 ) .
     قال فيه الذهبي : ( إمام صادق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة ، ويكثر من ذلك ، فما ادري هل خفيت عليه ؟ فما هو من يجهل ذلك !! وان علم فهذه خيانة عظيمة !! ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين . وقد قال ابن طاهر : سالت أبا إسماعيل عبد الله الأنصاري عن الحاكم أبي عبد الله. فقال إمام في الحديث رافضي ( 284 ) .خبيث . قلت : الله يحب الانصاف .ما الرجل برافضي ! ! بل شيعي فقط.
      ومن شقاقاته قوله : أجمعت الامة أن الضبي كذاب .
    وقوله : ان المصطفى صلى الله عليه وسلم ولد مسروراً مختوناً ( ( 285 ) قد تواتر هذا . وقوله ان علياً وصي ( 286 ) .
    فأما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فأمر مجمع عليه ) ( 287 ) .

     تجدر الملاحظة إن الذهبي قام بتلخيص المستدرك وقد نشر التلخيص مع إحدى طبعات المستدرك وهي الكعبة التي استخدمناها

     لقد أشار الحاكم لولادة حكيما في الكعبة بروايتين .
    الأولى : ( سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب ، سمعت أبا احمد محمد عبد الوهاب ، يقول : سمعت علي بن عثام العامري ، يقول : ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، دخلت أمه الكعبة فمخضت فيها فولدت في البيت ) ( 288 ) .
     يلاحظ على الرواية أعلاه :
    1 ـ إن جميع الرواة اخذوا الرواية بطرق السماع .
    2 ـ لننظر الان في رواة الرواية :

     الأول : أبو الفضل الحسن بن يعقوب البخاري النيسابوري الشيخ الصدوق النبيل . قال الحاكم : هو أبو الفضل العدل ، كان هو وأبوه من ذوي اليسار والثروة . له خطة ومسجد وبساتين ، فانفق هذه الأموال على العلماء والصالحين ، وبقي يأوي إلى مسجد توفي سنة 342هـ ( ( 289 ) .

     الثاني : أبو احمد محمد بن عبد الوهاب بن حبيب بن مهران الفراء ألعبدي النيسابوري . روى عن احمد بن حنبل والازرقي والأصمعي وعلي بن عثام العامري وغيرهم . قال النسائي : ثقة وذكره ابن حبان في كتاب الثقات . وقال فيه الحاكم : الأديب الفقيه المحدث المعروف بالفراء ، وكان من اعقل مشايخنا وتوفي سنة 272هـ ( 290 ) .

     ثالثا : أبو الحسن علي بن عثام بن علي العامري الكلابي الكوفي . نزيل نيسابور روى عن احمد بن حنبل وسفيان بين عينيه وابن المبارك والأصمعي ومالك وروى عنه الكثير . وكان راويته محمد بن عبد الوهاب ـ انف الرازي : قال أبو الحاتم الرازي : ثقة . وقال الحاكم : أديب فقيه حافظ زاهد وأحد عصره ، وكان لا يحدث إلا بعد الجهد ، وأكثر ما اخذ عنه الحكايات والزهديات والأشعار والتفسير وأقاويله في الجرح والتعديل .
     وقد ذكر الحاكم بعضاً من هذه الروايات ، توفي بطرسوس ( 291 ) سنة 228 هـ ( 292 ) .

      يلاحظ على الأمر :
    1 ـ إن رواة الرواية موصوفون بالثقة .
    2 ـ إن وصف الشخص بالثقة لايعني صحة ما يرويه ، فالمعروف إن الكذب أكثر ما يوجد عند الصالحين الذين يرون إن هدفهم من الكذب لأغراض ايجابية ( 293 ) .
    3 ـ إن مصدر الرواية وهو علي بن عثام كان يهتم بالحكايات ، والمعروف إن من يهتم بذلك يكون لديه تساهل ومبالغة . فهل يا ترى الإشارة لولادة الحكيم من هذه الحكايات .
    4 ـ إن الذهبي ( ( 294 ) الذي لخص المستدرك أهمل هذه الرواية ولم يخرجها ، لان منهجه في التلخيص قائم على ما يراه موضوعا . 5 ـ الأهم من كل ذلك إن الرواية مرسلة فبين علي بن عثام ت228هـ ، وبين ولادة حكيم قبل الهجرة بست وسيتين سنة ما يقارب ( 296 ) سنة ، فمن هو مصدر علي بن عثام ؟ ! ! .

     الرواية الثانية : ( اخبرنا أبو بكر محمد بن احمد بن بالويه ، حدثنا إبراهيم بن اسحق الحربي ، حدثنا مصعب بن عبد الله فذكر نسب حكيم بن حزام . وزاد فيه : وأمه فاختة بنت زهير بن أسد بن عبد العزى ، وكانت ولدت حكيماً في الكعبة وهي حامل فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة ، فولدت فيها فحملت في نطع وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم ولم يولد قبله ولأبعده في الكعبة احد . قال الحاكم : وهم مصعب في الحرف الأخير ، فقد تواترت ( ( 295 ) الأخبار إن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ) ( 296 ) .

     لنرى الان ما يقوله علماء الجرح والتعديل في سند الرواية.
    الأول : ابو بكر محمد بن احمد بن بالويه النيسابوري ، يعد من أعيان المحدثين والرؤساء قال عنه البرقاني : ثقة توفي 340هـ ( 297 ) .
    الثاني : أبو اسحق إبراهيم بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم الحربي .
     ولد سنة 198هـ ، وكانت أمه تغلبية وأهلها يعتنقون النصرانية ( ( 298 ) ، وسمي بالحربي ، لأنه اجتاز قنطرة العتيقة في الكرخ ، ومن يجتاز هذه القنطرة يعد حربياً . سمع من مشايخ عدة ، وقد وصف الخطيب بأنه ( كان إماماً في العلم رأساً في الزهد عارفاً في الفقه بصيراً بالإحكام حافظا للحديث مميزا لعلله قيما بالأدب جماعا للغة. الثالث: 285 هـ ( 299 ) .

    الثالث : مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام . وقد لاحظنا انه صاحب كتاب ( نسب قريش ) ورأينا انه وصف بأنه ( كان راوياً أديبا محدثا شاعر ) . وقد استوطن بغداد حتى وفاته في 233 أو 236 هـ وله 96سنة ( 300 ) .

    يلاحظ على ما مر :
    1 ـ إن رواة الرواية يوصفون بالثقة .
    2 ـ قلنا إن وصف الشخص بالثقة لايعني صحة ما يرويه ، وخاصة وان المحدثين يتساهلون في الروايات التي لا تخص الأحكام الشرعية .
    3 ـ إن الحاكم كان هادئاً فيما يرويه عن الحكيم ، ولكنه رد على مصعب حينما أشار الأخير لانفراد حكيم بالولادة في الكعبة ، فرد عليه ، فرد الحاكم قائلا : ( وهم مصعب في الحرف الأخير ، فقد تواترت الأخبار إن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ) .

     إن الحاكم أعلاه لم يقدم لنا رواية تفيد ولادة الإمام علي ( ع ) بالكعبة ، وكأنه أمر شائع للخاص والعام لذا جاء بلفظة ( تواترت ) وهو نقل رواية لرواية يصعب تواطؤهم على الكذب .
     وإذا كان الحاكم في كتابه المستدرك اكتفى بذلك ، لكننا نجده في مناسبة أخرى ينفي ولادة الحكيم في الكعبة . إذ نقل الكنجي الشافعي ت658هـ قول الحاكم : ( ولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل ، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه ، إكراماً له بذلك ، وإجلالاً لمحله في التعظيم ) ( 301 ) .
    4 ـ إن الرواية تنتهي بمصعب بن عبد الله ت 233 أو 236 هـ أي إن هناك فارق زمني بين مصعب وبين ولادة حكيم مقداره ( 299 ) سنة ، حيث لم يشر مصعب لمصدره ، فهل هو مصعب بن عثمان ؟ أو أبيه عبد الله بن مصعب ، وكلاهما اشرنا لحالهم قبلاً !
    5 ـ أن مصعب له تأليفاً عن نسب قريش ذكر فيه حكيم بن حزام لكنه لم يشر إلى ولادته في الكعبة ، فهل هذا يعني عدم ثقته بالرواية . أم انه رواها حينما كبر سنه وبلغ التسعين .
    6 ـ هل جاءت هذه الرواية خضم في الصراع الفكري بين آل علي وآل الزبير ؟ وهل تأثر مصعب بهذا الصراع ، حيث كان اَل الزبير قد اتخذو موقفاً سلبياً من الإمام علي ( ع ) منذ معركة الجمل ، وقد اتخذت بعض الشخصيات الزبيرية موقفاً سلبياً من الإمام علي واَل بيته كعبد الله بن الزبير ( 302 ) وعبد الله بن مصعب ( 303 ) .
     ومن الأمثلة على تأثره بهذا الصراع انه حينما ألف كتاب نسب قريش قدم اَل العباس على آل أبي طالب ( ( 304 ) ، وهو أمر لا يطابق الواقع لان أبا طالب هو الأكبر .
     أما المصادر الباقية فهي مجرد ناقلة لرواية الزبير بن بكار أو الحاكم كابن عبد البر ( ( 305 ) ، وابن الجوزي ( 306 ) ، وابن الأثير ( 307 ) ، والمزي ( 308 ) والذهبي ( 309 ) وابن كثير ( 310 ) وابن حجر ( 311 ) وزين الدين العراقي ( 312 ) والصفوري ( 313 ) الذي اشار انها حدثت اتفاقاً وليس قصداً على العكس من ولادة الإمام علي ( ع ) حيث يرى الصفوري إن فاطمة بنت أسد أم الإمام علي ( ع ) قصدت الولادة في الكعبة ، والحلبي ( 314 ) .

     وقد شك ابن أبي الحديد ( 315 ) في ولادة حكيم في الكعبة ، فيما نفي الالوسي ( 316 ) ولادة حكيم في الكعبة حيث قال في معرض حديثه عن ولادة الإمام علي ( ع ) في الكعبة ( وفي كون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا وذكر في كتب الفريقين السنة والشيعة . . . ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه كما اشتهر وضعه ) .

     يتضح من كل ما مر :
    1 ـ إن روايات ولادة حكيم مرسلة بأكملها ، فلا توجد هناك رواية واحدة كاملة الإسناد .
    2 ـ لو قلنا صحة الولادة مع ضعف روايتها فإنها جاءت مصادفة وليست نتيجة قصد من أم حكيم بن حزام .

    ثانيا : الرفادة . إحدى الوظائف التي استحدثها قصي في مكة ، والتي صارت لولده عبد مناف ثم لهاشم بن عبد مناف . ومهمتها توفير الطعام للحاج في موسم الحج ، وكان هاشم أولاها اهتماماً حتى سمي بهاشم لتهشيمه الخبز ثريداً داعياً أهل مكة للاهتمام به ( 317 ) .
      أشارت بعض الروايات انه لما جاء الإسلام كانت الرفادة بيد حكيم ، ولا ندري كيف صارت لحكيم وهو من عبد العزى بينما هي كما لاحظننا لعبد مناف . ولكن الأمر يصبح واضحاً حينما نجد هذه الروايات لدى الزبير بن بكار والتي أخذها عن مصعب الزبيري ومحمد بن عبد الرحمن المرواني ( 318 ) .
     ولما كانت وظيفة الرفادة تتطلب نفقات كبيرة ، إذاً لابد لمن يقوم بها من سادات القوم ، لذا أصبح حكيم بن حزام حسب روايات الزبيري وابن بكار من سادات العرب ليس قبل الإسلام فحسب ، بل حتى بعده ( 319 ) .
     ومن الأمثلة على ذلك :
    1 ـ شراءه زيد بن الحارثة .
     من علائم غني حكيم بن حزام شراءه لزيد بن حارثة وإهداءه إلى عمته خديجة بنت خويلد التي وهبته للنبي ( ص ) فاعتقه وتبناه ( 320 ) .
     لكن ابن سعيد يجعل من حكيم مجرد من قام بعملية الشراء إذ يقول : ( وهو الذي اشترى زيد بن حارثة في سوق عكاظ لعمته خديجة بأربع مئة درهم ) ( 321 ) في حين تجاهل ابن حبيب أي دور لحكيم في مسالة زيد قائلاً : ( زيد بن حارث بن شراحيل الكلبي ، وكان أصابه سباء ، فاشتراه صلى الله عليه واله قبل مبعثه واعتقه وتبناه ) ( 322 ) .
      بينما كان ابن بكار يقول : ( وله كان زيد بن حارث وهبه لخديجة بنت خويلد ، فوهبته للنبي ( ص ) فاعتقه وتبناه ) ( 323 ) .

    2 ـ حصار الشعب. ( 324 )
     لما عجزت قريش عن ثني النبي ( ص ) عن عزمه فقررت مقاطعة بني هاشم جميعاً ما خلا أبي لهب .
     وهنا تظهر مصادر الزبير بن بكار دوراً متميزاً لحكيم بن حزام ، حيث كان يأتي بالقافلة محملة بالحنطة ( فيقبلها الشعب ، ثم يضرب أعجازها فتدخل عليهم فياخدون ما عليها من حنطة ) ( 325 ) ويذكر ابن كثير إن القافلة ليست بالأصل لحكيم بل انه يشتريها بكمالها ثم يضرب أدبارها فتدخل الشعب حاملة الطعام والكسوة إكراماً للرسول ( ص ) ولعمته خديجة ( 326 ) .
      إن الذي يثير التأمل ان لا نجد لكبار المسلمين من أصحاب الأموال الذين لم تشملهم المقاطعة كابي بكر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ، أي دور في المقاطعة لبني هاشم ولكننا نجد الدور الأكبر لحكيم بن حزام وهو من اكابر رجالات المشركين ؟!!
    3 ـ من المطعمين في بدر .
     خرجت قريش بخيلائها إلى بدر فتنافس أغنياء قريش على الإطعام .
    فأشارت المصادر لعدد من أولئك المطعمين ، وقد ذكر ابن اسحق ( 327 ) وابن بكار ( 328 ) إن حكيماً كان من المطعمين يوم بدر ، لكن ابن حبيب ( 329 ) لم يذكره في المطعمين .
    4 ـ يوم عرفة .
      وفي يوم عرفة ( 330 ) نشهد حكيماً متميزاً عن غيره حيث يذكر له ابن بكار ما يؤيد كونه من الأغنياء والوجهاء ، فيخرج إلى مكة ومعه مئة وصيف في أعناقهم اطوقة الفضة قد نقش في رؤؤسها ( عتقاء الله عن حكيم بن حزام ) .
    فيعتقهم ليلة عرفة . ويخرج معه مئة بدنة ، ينحرها يوم النحر ، ويهدي ألف شاة ( 331 ) .
    إن المسلم به إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في الصدور ، فان كانت الـ ( مئة وصيف ) لله ، فالله ليس بحاجة لمعرفة ذلك إن ينقش عليها عبارة ( عتقاء الله عن حكيم بن حزام ) وإذا صح ذلك فماذا يعني ؟!!.
    5 ـ دين الزبير بن العوام .
     لما قتل الزبير بن العوام وجد ابنه عبد الله إن هناك ديناً كبيراً على والده بلغ ( ألفي ألف ومائتي ألف دينار ) .
    فجاء حكيم بن حزام وسأله عن دين والده ، فلم يخبره إلا بمأتي ألف ، فقال حكيم : ما أراكم تطيقون ذلك ، فقال عبد الله : افرايتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف .
      قال حكيم ما أراكم تطيقون هذا فان عجزتم عن شيء فاستعينوا بي ( 332 ) .
    إن من يقرأ سيرة الزبير ، وملاحظة انه كان يعمل بالزراعة والتجارة وكانت له خطط بالإسكندرية والكوفة والبصرة وغلات بالمدينة .
     ولما توفي ترك ما يكسر بالفؤوس ذهباً حتى كانت الواحدة من زوجاته من الميراث ألف ألف ومائة ألف ( 1100000 ) وكانت مجموع أمواله خمس وثلاثين ألف ألف ومائتا ألف ( 35200000 ) ( 333 ) إذاً فما المبرر لهذا الدين ( 2200000 ) يا ترى ؟ وما السر في هذا المبلغ الهائل من الدين ؟ ومن هم الدائنون ؟ إذ لم نقرأ عنهم في كتب التاريخ .
      إن المعروف من سيرة الصحابة إنفاق أموالهم في موارد الإنفاق المعروفة كالأنفاق على الفقراء والمساكين وحقوق الأقارب ، وفي الجهاد في سبيل الله ، وعتق الرقاب وغيرها . ولا يصح إن يشار إلى هذه التركة الهائلة وكلها ديناً ، وكان الزبير من رأسمالي عصره المفرغين للأموال ، وكأنه ليس بذلك المجاهد في سبيل الله !.

    ثالثاً : دار الندوة .

    وهي بمثابة مقر الحكومة في مكة ، حيث أنشاها قصي بن كلاب ، فكانت تناقش فيها مختلف القضايا السلمية والحربية ( 334 ) : ومن أهم شروطها أن لا يدخلها الا من بلغ الأربعين ، إلا إن حكيماً شذ عن هذه القاعدة فدخلها وهو ابن الخمس عشر سنة فقط ( 335 ) .
     أصبحت دار الندوة بعد قصي لبني عبد الدار ، وقد أشار مصعب الزبير إن حكيماً اشترى دار الندوة من منصور بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قبل الإسلام ( 336 ) .
      فلما تولى معاوية الحكم اشتراها من حكيم بمئة ألف درهم فقال عبد الله بن الزبير لحكيم : بعت مكرمة قريش !! فقال حكيم ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي ، أني اشتريت بها داراً في الجنة ، أشهدك أني قد جعلتها في سبيل الله ( 337 ) .

    وهنا نطرح ملاحظات :
    أ : في مسالة دخوله دار الندوة يلاحظ .

    1 ـ إن مسالة دخوله وهو ابن الخمس عشر سنة لدار الندوة لا نجدها الا في روايات الزبير بن بكار والتي أخذها من مصعب بن عثمان بن عروة بن الزبير ـ السالف الذكر وعن محمد بن الضحاك الخزامي .
    2 ـ ما الدليل على رجحان عقلية حكيم بن حزام والتي أهلته للدخول في دار الندوة وهو ابن الخمس عشر سنة فهل هناك من مواقف تشير لذلك سابقة لدخوله وماذا كان دوره في دار الندوة بعد الدخول ولكن الذي نعلمه إن حكيماً استمر على الشرك وكان ضمن المجتمعين ليلة الهجرة والذين تامرو على اغتيال الرسول ( ص ) ( 338 ) .
    ثم انه لاحق النبي ( ص ) شانه شان باقي المشركين فشارك في معركة بدر ضد الرسول ( ص ) ونجا من الموت بصعوبة .
      ولم يدخل الإسلام إلا بعد فتح مكة حين نال وسامين جعلاه في مكانه وضيعه في إطار الإسلام وهما انه أصبح من الطلقاء والمؤلفة قلوبهم الذين منحهم الرسول ( ص ) بعضاً من الغنائم ليتألف قلوبهم وليكسر شره نفوسهم .

    ب : مسالة شرائه دار الندوة يلاحظ عليها .

    1 ـ يجدر بنا التساؤل عن السبب الذي دفع حكيماً لبيع دار الندوة ؟ فبالنسبة إلى معاوية هناك حاجة في نفسه لشرائها ، فهو يحن إلى مجد قديم ينبغي إرجاعه ؟ لكن ما الذي دفع حكيماً لذلك ، فهل هو بحاجة للأموال ؟ إذ أن روايات ابن بكار تجعله من رأسمالي عصره أم انه وقع تحت الإكراه ؟ فهنا البيع لا يصح ، وليتركها لمعاوية يأخذها عنوة
    2 ـ ما وجه العلاقة بين بيعها والتصدق بالمال لغرض شراء بيت في الجنة ؟ وكأنه لا يوجد منفذ لشراء ذلك البيت إلا ببيع دار الندوة فأين يا ترى أمواله الكثيرة ثم ما السبب في أشهاده لعبد الله بن الزبير على تصدقه هذا .
      والصدقة لوجه الله لاحتاج لمن يشهد عليها
    3 ـ ما قيمة دار الندوة في الإسلام حتى نجد لها ذلك الصدى في نفس عبد الله بن الزبير ؟ فما هي إلا اثر من اَثار الجاهلية ( 339 ) .
      والملاحظ إن النبي ( ص ) لما فتح مكة لم يهتم بها ، ولم يدخلها أو يسال عنها ، وكذا لم يهتم بها أي من الخلفاء قبل معاوية ، ولما جاء معاوية اهتم بها لحاجة في نفسه .
    4 ـ مع كل ذلك ، فهناك روايات تشير إن معاوية لم يشتر دار الندوة من حكيم وإنما اشتراها من ابن رهين العبدري ـ وهو عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بمائة ألف ( 340 ) .
      هذا يعني إن دار الندوة بقيت لدى عبد الدار حتى عصر معاوية ، وقد أكد ذلك الازرقي الذي أشار إلى أنها كانت عند عبد الدار ثم انتقلت لولده عبد مناف ثم لولديه عمير والد مصعب بن عمير ، وعامر ولدي هاشم بن عبد مناف ، واستمرت حتى أيام معاوية فاشتراها الأخير من ابن الرهين العبدري بمائة ألف درهم ( 341 ) .

    رابعاً : إسلامه .

    تقدم لنا روايات الزبير بن بكار حكيماً على انه ذا علاقة ودية بالرسول ( ص ) قبل الإسلام ( 342 ) ، ثم انه لما خرج إلى بدر خرج مكرهاً ، وانه حاول صرف الناس عن الحرب بإقناعه عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة إلا أن موقف أبي جهل افشل ذلك ( 343 ) .
      ونجى من القتل بصعوبة فراراً على راحلة عبد الرحمن بن العوام بن خويلد ( 344 ) ، ولذلك كان قسمه فيما بعد ( لا والذي أنجاني يوم بدر ) وله يقول حسان بن ثابت :
    نجى حكيما يوم بدر شده كنجاء مهر من بنات الأعوج ( 345 )

     من علائم مودته للنبي ( ص ) حسب تصوير رواة ابن بكار ، إن حكيماً أهدى للنبي ( ص ) بعد صلح الحديبية حلة ذي يزن اشتراها بثلاثمائة دينار ، لكن النبي ( ص ) أبى قبولها لأنها من مشرك ، فباعها حكيم فلما علم النبي ( ص ) دس من يشتريها له ، فلبسها ( ص ) ثم أهداها لإسامة ( 346 ) .
     ان استقراء طبيعة العلاقة بين النبي ( ص ) والمشركين يجد إن المشركين لم يألوا جهداً في ملاحقته سواء كان في مكة أو بعد هجرته إلى المدينة ، لذا فمما يثير الاستغراب صدور هذا الفعل من حكيم وهو من كبار رجالات المشركين ولو تنزلنا وقلنا بصحة ذلك فما معنى إرسال النبي ( ص ) من يشتريها له بعد علمه ببيع حكيم لها ويا ترى لماذا باعها حكيم بعد شرائها ومتى باع وفي أي سوق ولمن وبكم ، وهم في صلح الحديبية إذ لا سوق ولا ناس سوى عدد من المسلمين جاءوا لأداء العمرة ، وعدد من المشركين جاءوا لعقد الصلح .
      ثم من الذي اشتراها للنبي ( ص ) ؟ وبكم ؟ وممن ولماذا أعطاها النبي ( ص ) لإسامة دون غيره
     ولا تقتصر رواة ابن بكار على جعل حكيماً يحمل مودة للنبي ( ص ) ، بل إن النبي ( ص ) يبادله ذات المودة فهو ( ص ) يتمنى إسلامه حيث حينما خرج النبي ( ص ) لفتح مكة ، كان يصرح ( ص ) برغبته إسلام أربعة من كبار مشركي قريش وهم أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وعتاب بن أسيد ( 347 ) وبديل بن ورقاء ( 348 ) .
      ولأجل هذه الرغبة فعلى هؤلاء الخروج واستقبال النبي ( ص ) في مر الظهران ( 349 ) معلنين إسلامهم وبيعهم ، ثم أوفدهم النبي ( ص ) إلى مكة ليدعوا أهلها للإسلام ، لذا منحهم ( ص ) امتيازاً خاصاً ، وهو من دخل دار أبو سفيان وحكيم فهو اَمن ، اما عتاب فامتيازه ان ولاه النبي ( ص ) مكة بعد الفتح ، في حين نسي النبي أو بالاحرى الراوي ان يضع امتيازاً لبديل بن ورقاء .
      هذه الرواية قدمها عروة بن الزبير ( 350 ) للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ( 64 ــ 86هـ ) ( 351 ) .
     إذا كان النبي ( ص ) بمنحه لأبي سفيان الامتياز أعلاه يرمي من ورائه إلى قتل الروح المعنوية لدى أبي سفيان بصفته زعيم مكة حيث جعله النبي ( ص ) بين فكي كماشة هل يجند أهل مكة للحرب فربما يخسر الحرب أم يستفيد من هذا الامتياز الذي منحه له النبي ( ص ) وبعد قراءة متفحصة أدرك إن الاستفادة من الامتياز ، فدخل مكة معلناً انه قد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به ثم دخل داره ، وكان ذلك سبباً مهماً لدخول النبي ( ص ) مكة بلا قتال .
    ولكن ما معنى أعطاء النبي ( ص ) هذا الامتياز لحكيم أيضاً
     ولكننا نجد حكيماً قد حصل على وسامين بعد الفتح ، وهما من أوسمة الامتهان والانتقاص الا وهما ـ الطلقاء والمؤلفة قلوبهم ـ ( 352 ) .
     وتجدر الملاحظة أن النبي ( ص ) بتوزيعه الأموال على هؤلاء المؤلفة قلوبهم اخذ بنظر الاعتبار مدى خطورة الشخص على الإسلام ومدى ضعف إيمانه فكلما كان اشد خطراً واضعف إيمانا كان له النصيب الأوفر من الأموال ( 353 ) .
      وقد أشارت الروايات أعلاه إن حكيماً كان من الفئة الأولى حيث حصل على مائة بعير .
    ومن اجل إضفاء بعض القداسة على تاريخ حكيم قبل الإسلام نجد عروة بن الزبير يروي لنا إن حكيماً سال النبي ( ص ) : يا رسول الله ! أرأيت اشياء أتحنث ( 354 ) بها في الجاهلية من صدقة وعتاق ، وصلة رحم ، وهل فيها من اجر فقال ( ص ) : أسلمت على ما سلف من خير . قال حكيم : فو الله لا ادع شيء صنعته في الجاهلية الا فعلته في الإسلام ( 355 ) .
      وهنا يفسر لنا عروة ابن الزبير السبب الذي دعا حكيماً ان يعتق مئة رقبة ، وينحر مئة بعير في الحج كما ذكرنا سابقا ، والسبب لان حكيماً ( اعتق في الجاهلية مئة رقبة وحمل على مئة بعير ثم اعتق في الإسلام مئة رقبة وحصل على مئة بعير ) ( 356 ) .
      يلاحظ هنا ان اعمال حكيم قد تكررت بتكرار سنوات عمره الستون قبل الإسلام مع الستون بعد الإسلام ، ولكن لم يتضح لنا أي سنة من الستون قبل الإسلام الذي اعتنق بها حكيم ليتسنى لنا معرفة ما يقابلها من السنين الستين بعد الإسلام
     وبعد فتح مكة لانجد لحكيم دوراً ما خلا مشاركته في معركة حنين وانهزامه مع من انهزم ( 357 ) ، ثم لانجد له دوراً لا في حروب الردة ولا في الفتوحات الإسلامية ، وأول ما يصادفنا في نهاية عام 35هـ حيث قام مع ثلاث أشخاص وهم جبير بن مطعم ( 358 ) ، وأبو جهم بن حذيفة العدوي ( 359 ) ونيار بن مكرم ( 360 ) ، بمهمة دفن الخليفة عثمان بن عفان ( 361 ) .
      ثم نجد حكيماً اعتزل خلافة الإمام علي ( ع ) في الوقت الذي كان أولاده بجانب خصوم الإمام علي ( ع ) فنجد ولده ـ عبد الله ـ وأمه زينب بنت العوام أخت الزبير بن العوام ـ اشترك في حرب الجمل ضد الإمام علي ( ع ) وقد قتل في المعركة ( 362 ) .
      وكذلك ابن ابنته فاختة وهو عبد الله بن معبد بن حميد بن زهير الذي اشترك في معركة الجمل ضد الإمام علي ( ع ) وقتل أيضاً فيها ( 363 ) .
      وكذلك الابن الثاني لحكيم وهو عثمان الذي قتل هو الأخر في معركة الجمل ضد الإمام علي ( ع ) ( 364 ) .

    خامساً : وفاته .

    ان آخر ما يمكن مناقشته في المبالغات التي أضفناها رواة الزبير بن بكار على شخصية حكيم بن حزام هو عمره الطويل والذي ناهز المئة والعشرين سنة .
      ولكن الغرابة في تلك المضاعفة لعمر حكيم بن حزام ، إذ انه من حسن المصادفة إن انقسمت هذه المئة والعشرون مناصفة ( 365 ) ، إلى فترتين متقاربتين : فستون سنة قبل الإسلام وستون أخرى بعد الإسلام ( 366 ) .
      فقد ولد برواية ـ الزبير بن بكار ـ قبل الفيل باثنتي عشر سنة ( 367 ) ، أو بثلاث عشر سنة برواية حبيبة مولى اَل الزبير ( 368 ) .
      أما رواية مناصفة عمره فقد رواها ـ ابن بكار ـ عن عمه الزبيري ، وعن محمد بن عثمان بن الضحاك الحزمي ( 369 ) ، أما وفاته سنة 54هـ أي في حكم معاوية بن أبي سفيان ( 370 ) .
      ان ملاحظة بعض وقائع التاريخ الإسلامي لا تتناسب مع تلك المناصفة لعمر حكيم بن حزام ت54هـ حيث إن المناصفة لا تصح إذا كان الإسلام يبدأ ببعثة النبي ( ص ) أو هجرته ( ص ) للمدينة أو بفتح مكة ، كما في الجدول الأتي :
    ولقد رجح ابن حجر الحالة الأخيرة قائلا: ( وصحب وله أربع وسبعون سنة ) ( 371 ) .

    بدء الاسلام
    قبل الاسلام
    بعد الاسلام
    المجموع
    بعثة النبي ( ص )
    13 ( قبل مولد النبي ) + 40 إلى مبعث النبي= 53
    13 ( الدعوة المكية ) +54 = 67
    120
    الهجرة إلى المدينة
    13 + 40 + 13 = 66
    54 ( باقي عمره ) = 54
    120
    إسلام حكيم في فتح مكة
    13 + 40 + 13 + 8 ( من الهجرة إلى الفتح ) = 74
    46 ( باقي عمره من الفتح ) = 46
    120

     ويبقى السؤال : لماذا هذه المناصفة في عمر حكيم ، فهل تكون كل سنة في الإسلام ناسخة لنضيرتها قبل الإسلام ان استقراء الروايات التاريخية ينبئ عن تقارب بين اَل حزام واَل الزبير هذا التقارب مبعثه الأصل الواحد حيث ينتسبون لأسد بن عبد العزى ، وازداد التقارب منذ معركة الجمل حيث نجد الاثنان في صف واحد ضد الإمام علي ( ع ) ، حيث قتل عبد الله بن الحكيم وابن ابنته عبد الله بن معبد كما لاحظنا ، فيما وجدنا عبد الرحمن بن العوام فقد في صفين إلى جانب معاوية وقتل فيها ضد الإمام علي ( ع ) ( 372 ) .
    وفيما أعلن عبد الله بن الزبير خلافته في الحجاز ( 64 ـ 72هـ ) ولى المغيرة بن عبد الله بن خالد بن الحزام على اليمن ( 373 ) ، فيما كان معه محاصراً عثمان بن عبد الله بن حكيم الذي قتل في حصار ابن الزبير الأول ( 374 ) ، ولما تولى عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير على اليمن للخليفة العباسي هارون الرشيد ، فقد وجه بدله الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام ( 375 ) .
      إن اخذ هذا التقارب بنضر الاعتبار ، والملاحظة إن مصدر معلوماتنا عن حكيم بن حزام تعود لرواة من اَل الزبير واَل العوام تفسر لنا ما لوحظ حل شخصية الحكيم من المبالغات .
      وقد يكون ما ذهب إليه ـ الشرهاوي ـ في حديثة عن عروة بن الزبير مطابقاً لما ذكرنا ، إذ يقول ( إن الفترة التي عاش فيها عروة كانت مرحلة قلقة بالنسبة له ، فقد خسرت عائلته طموحاً للوصول إلى الحكم ، فتقرب للأمويين من اجل أن يعيش حيات مستقرة ، فاشغل نفسه بروايات السيرة في محاولة لإبراز دور عائلته فيها وما قدمته للإسلام من خدمات كموروث اجتماعي يعتز به ... وفي هذه الرواية يبرز عروة دور للسيدة خديجه ( ع ) ودور ورقة بن نوفل في بدء الوحي ويجعلها الأساس الذي قامت عليه الدعوة في الوقت الذي يصور الرسول ( ص ) خائفاً مذعوراً من هول المفاجأة وهذا دليل على إن روايته جاءت لتخدم عائلته وتركز على دورها الأساسي في بداية الدعوة حتى لو كانت تسيء إلى رسول ( ص ) ( 376 ) .
      ان هذا الكلام في غاية الصحة إذا علمنا إن تلك الروايات تجعل من السيدة خديجه وورقة بن نوفل وحكيم بن حزام عماد الدعوة وهم من بني أسد بن عبد العزى .
      والى هذا يشير سهيل بن زكار قائلا : ( انه بعد أن انتصر الإسلام وقامت أحداث الفتوحات وحروب التحرير وما رافق ذلك من هجرة القبائل العربية إلى الأقاليم المحررة والمفتوحة شهد المجتمع العربي تغييرات جذرية وتشكلت مع الأيام عناصر الاستقراطية الجديدة أو الإشراق ، وحيث أن الناظم الأساس للحياة هو الإسلام لذا فقد عمدت كل أسرة من اسر الطبقة الجديدة إلى الاهتمام بتاريخ مؤسسها في الإسلام ضمن إطار خاص ثم أوسع ثم عام وتم تطوير هذا الإطار حسب الحاجة التي فرضها الزمان والمكان ) ( 377 ) .
      إن من يستقرئ سيرة عروة ابن الزبير سيجده مصدر الاَلاف من الروايات الخاصة بإحداث الإسلام الأولى ، ولما كان عروة ضمن اللجنة التي شكلها معاوية لاختلاق فضائل الإمام علي ( ع ) ، فكان إن أصبح مصدر لاختلاق ولادة حكيم بن حزام في الكعبة مقابل ولادة الإمام علي ( ع ) .  ولقد كان للعداء الذي شربه عروة ضد الإمام علي ( ع ) وأهل بيته سواء من خالته أم المؤمنين أو من أحداث حرب الجمل اثر في هذا الاختلاق .

    الهوامش

    ( 1 ) قاد معاوية القاسطين في معركة صفين ضد الإمام علي ( ع ) ، والتي انتهت بالتحكيم السلبي ، ثم اخذ بشن الغارات على المدن التابعة لسيطرة الإمام ( ع ) ، انظر تحليل ذلك : النصر الله: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد رؤية اعتزالية عن الإمام علي ( ع ) ص190ـ 246 .
    ( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 16/137 .
    ( 3 ) أبو الفرج : مقاتل الطالبين ص75 ، ابن أبي الحديد 16/44 .
    ( 4 ) ابن أبي الحديد : شرح ، 4 / 56 ـ 58 .
    ( 5 ) البلاذري : انساب الأشراف 2 /32 . الثقفي : الغارات 2 /84 ، العياشي : تفسيره 2 / 271 ، الشريف الرضي نهج البلاغة ص92 ، ابن شهر اَشوب : مناقب 2 / 107 ، ابن الأثير : النهاية 2 / 105 ، ابن ميثم البحراني : شرح ماءة كلمة للإمام علي ( ع ) ص237 ، الزبيدي : تاج العروس 6 / 342 ، القندوزي : ينابيع المودة 1 / 205 ـ 206 .
    ( 6 ) من أحب كنى الإمام علي ( ع ) إليه لان النبي ( ص ) كناه بها ، ووضفها بني أمية للطعن بالإمام ( ع ) . البلاذري : انساب الأشراف 2 / 5 ـ 6 ، الماوردي : اعلام النبوة ص118 . الخوارزمي : المناقب ص38 . ابن أبي الحديد : شرح 1 / 11 ـ 12 .
    ( 7 ) هو احد الإخباريين ت224هـ ، وله مؤلفات عدة فقد أكثرها ومن بينها كتاب الأحداث الذي اعتمده ابن أبي الحديد في هذا الموضوع ، انظر ترجمة حياته : ابن النديم : الفهرست ص 147 ـ 152 .
    ( 8 ) ابن أبي الحديد : 11 / 44 ، وانظر قريباً من ذلك ، سليم بن قيس الكوفي : كتاب السقيفة ص270 .
    ( 9 ) البلاذري : انساب الأشراف 3/ 44 ، 52 ، أبو الفرج : مقاتل الطالبين ص75 . ابن أبي الحديد : شرح 16 / 44 .
    ( 10 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص271 ـ 272 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 44 .
    ( 11 ) ليس المقصود بلفظ الشيعة هنا من يعتقد بولاية أمير المؤمنين ( ع ) ، وإنما يقصد من ناصر الإمام علي ( ع ) أيام خلافته ، بدليل ذكره زياداً ، لأنه كان من أنصار الإمام علي ( ع ) أيام خلافته ثم أصبح من أعدائه فيما بعد .
    ( 12 ) نسب لامه لأنها كانت من البغايا فولد زياد على فراش زوجها عبيد ، وعرف زياد بالمقدرة الإدارية فتولى عدة مناصب في خلافة الإمام علي ( ع ) ، ولما تولى معاوية الحكم ستلحقه بابيه أبي سفيان ، وولاه البصرة والكوفة حتى وفاته بالطاعون ، ابن أبي الحديد : شرح 16 / 179 ـ 204 .
    ( 13 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 271 ، ابن أبي الحديد : 11 / 44 .
    ( 14 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 273 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 45 .
    ( 15 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 273 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 45 .
    ( 16 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 273 ، ابن أبي الجديد : شرح 11 / 45 .
    ( 17 ) أبو إسماعيل البصري مولى عبد القيس ، روى عن سعيد بن جبير . ويعد من أصحاب الإمام السجاد والباقر والصادق ( ع ) ، ابن سعيد : الطبقات 7 / 254 ، الطوسي : رجال الطوسي ص 83 ، 106 ، 152 .
    ( 18 ) هو ابن زياد السالف الذكر تولى البصرة بعد وفاة أبيه ثم ضم يزيد إليه الكوفة اثر ثورة الإمام الحسين ( ع ) ، وبعد وفاة يزيد طمع عبد الله بالخلافة ورشح نفسه لها باعتبار انه من الأسرة الأموية ، إلا انه فشل في ذلك وقد قتل على يد قوات المختار الثقفي بقيادة إبراهيم بن مالك الاشتر .
    ( 19 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 147 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 44 .
    ( 20 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 272 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 44 .
    ( 21 ) من تلك المناقب فضيلة ( ذو النورين ) أي زواجه من ابنتين للنبي ( ص ) ، وبتوفيق من الله ضمن خطتنا في دراسة السيرة النبوية العطرة سنلقي الضوء على مسألة اختلاق بنات النبي ( ص ) غير الزهراء ( ع ) مبينين أسباب اختلاقها .
    ( 22 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 272 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 44 ـ 45 .
    ( 23 ) وهم المسلمون الأوائل اعتنقوا الإسلام في زمن الرسول ( ص ) فنالو شرف صحبته ( ص ) ، إلا إن أولئك الصحابة لم يكونوا على درجة واحدة ، فمنهم المهاجرين الأولون الذين اسلموا في مكة ثم هاجروا إلى الحبشة أو المدينة ، وهناك البدرين وهم مزيج من المهاجرين والأنصار اشتركوا في معركة بدر وهي أول معركة مع المشركين ، وهناك مسلمة الفتح ، وقد اختلف في هذا الفتح : هل هو صلح الحديبية إذ انه لأول مرة تعترف قريش بالنبي ( ص ) والمسلمين كطرف مقابل لهم ، ثم إن هذا الصلح اتاح للنبي ( ص ) فرصة نشر الإسلام بعد ان امن جانب قريش فكان فتح خيبر اكبر معاقل اليهود في الجزيرة ، وأعقبه دخول اعداد كبيرة في الإسلام ، ثم ان هذا الصلح مهد لفتح مكة ، إذ أخفقت قريش في تطبيق بعض بنوده .
      أم أن الفتح هو فتح مكة حيث دخل أهل مكة في الإسلام وكانوا اكبر قوة في الجزيرة مناهضة للنبي ( ص ) وسرعان ما انتشر الإسلام في الجزيرة ، إلا إن أهل مكة عرفوا بالطلقاء ، وكان لبعضهم ثقل في مكة ، ولكي يسلب منه النبي ( ص ) رد الفعل ضد الإسلام اخذ بمؤالفة قلبه بإعطائه شيئا من الغنائم ، فعرف هؤلاء بالمؤلفة قلوبهم .
     ولما كان الإسلام يعد السبق إليه الميزة الأهم لذا انحسر دور من دخل في الإسلام بعد الفتح سواء كان بعد صلح الحديبية أم فتح مكة لذا حاول هؤلاء اللحاق بالأوائل بان يقدموا أدوارا في الفتوحات الإسلامية ، فيما تكفل الرواة للبعض الأخر فخلقوا لهم مجداً لم يكن له وجود في الواقع ، كما هو الحال في حكيم بن حزام ، كما سنرى .
      بل إن الرواة ولأهواء شتى اختلقوا أسماء واعطوا لها ادوار كما اثبت ذلك المحقق العسكري في كتابه ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) .
    ( 24 ) احد الذين ولدوا من زواج الرهط وهو اجتماع عدة رجال على امرأة واحدة ، فإذا ولدت ألحقت الوليد بايهم شاءت .
      وكانت أم عمرو بن العاص تدعى النابغة من تلك النساء ، فلما ولدت عمروا ألحقته بالعاص بن وائل ، وفي عمرو نزلت سورة الكوثر حيث سمي بالابتر ، ولما رأى واقع الجزيرة يتجه لصالح الإسلام أعلن دخوله الإسلام بعد صلح الحديبية ، وأصبح من قادة الفتوحات في عهد الشيخين ، ولكنه اتخذ موقفاً سلبياً من الخليفة عثمان لعزل الأخير له عن مصر ، فأصبح من اشد المناهضين له ، ثم وقف بجانب معاوية ضد الإمام علي ( ع ) لقاء إعطائه مصر طعمه ، وفعلاً لما استولى معاوية على مصر أعطاها لعمرو فتولها حتى وفاته سنة ( 43هـ ) ، ابن أبي الحديد : شرح 2 / 61 ـ 73 ، 6 / 64 ، 281 ـ 326 ، 10 / 56 ـ 57 .
    ( 25 ) من أهل البحرين اسلم في السنة السابعة للهجرة وأمضى مع النبي ( ص ) عاماً ونصف العام ، وبعد ذلك ذهب للبحرين عاماً ونصف العام ، ومع قصر المدة التي قضاها مع النبي ( ص ) فقد جاء في المرتبة الأولى في مقدار الأحاديث التي رويت عن النبي ( ص ) ، ولمعرفة السر في ذلك راجع أهم كتابين تناولا شخصية أبو هريرة وهما :
    أبو هريرة لعبد الحسين الموسوي ص 5 ـ 220 ، وشيخ المضيرة لمحمود أبو ربة ص35 ـ 273 ، وانظر الروايات التي اختلقها أبو هريرة في الإمام علي ( ع ) : ابن أبي الحديد : شرح 4 / 64 ـ 69 .
    ( 26 ) احد الصحابة الذين أثيرت حولهم الكثير من الإشكالات ، حيث كان إسلامه اثر غدره غدرها بأصحابه ، وولاه الخليفة عمر على البصرة فارتكب فاحشة الزنا وكاد أن يرجم وأصبح في عهد معاوية احد أركانه الأربعة مع ابن زياد وعمرو بن العاص حيث ولاه الكوفة حتى وفاته ، انظر ترجمة ابن سعد : الطبقات 4 / 248 ـ 286 ، ابن كثير : أسد الغابة 4 / 406 ـ 407 .
    ( 27 ) هو الابن الأصغر للصحابي الزبير بن العوام ، والظاهر انه كان على خلاف مع أخيه الأكبر ففي الوقت الذي كان عبد الله بن الزبير يقاتل الأمويين في الكعبة كان عمرو نديماً للخليفة الأموي عبد الملك ، وما لبث إن وجدناه وكأنه الوريث الفكري لام المؤمنين عائشة إذ هناك نسبة كبيرة من الأحاديث المنسوبة لها تمر عن طريق عمرو ، إن دراسة أكاديمية عن شخصية عروة ستلقي ضوءاً على حقائق كثيرة ، انظر الروايات التي اختلقها عروة على الإمام علي ( ع ) عند ابن أبي الحديد : شرح 4 / 63 ـ 64 ، 69 ، 102 .
    ( 28 ) ابن أبي الحديد : شرح 4 / 63 .
    ( 29 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 272 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 45 .
    ( 30 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 273 ، أبو جعفر الاسكافي : المعيار والموازنة ص 19 ، ابن أبي الحديد : شرح 11/ 45 .
    ( 31 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 274 ، ابن أبي الحديد : شرح 11 / 45 ـ 46 .
    ( 32 ) الكوفي : كتاب السقيفة ص 147 . ابن أبي الحديد : شرح 11 / 43 .
    ( 33 ) ابن أبي الحديد : شرح 11 / 46 .
    ( 34 ) ابن أبي الحديد : شرح 1 /16 ـ 17 .
    ( 35 ) الإرشاد ص 116 .
    ( 36 ) الداماد : الرواشح السماوية ص 203 ، البحراني : حلية الأبرار 2 / 136 ، كاشف الغطاء : كشف الغطاء 1 / 13 ، عباس ألقمي : الأنوار البهية ص 71 .
    ( 37 ) استمرت حتى خلافة عمر بن عبد العزيز ( 99 ـ101هـ ) والذي أبطل سب الإمام علي ( ع ) ، ولذلك مدحه الشريف الرضي ، انظر : ابن شهر أشوب : مناقب اَل أبي طالب 3 / 23 ، ابن أبي الحديد : شرح 4 / 56 ، 60 .
    ( 38 ) هو أبو الحسن علي بن علي الكرابيسي كان من المجبره ، وله إلمام بالحديث والفقه ، وكان من المنحرفين عن الإمام علي ( ع ) ، واتهمه الشريف المرتضى بافتعاله رواية خطبة الإمام علي ( ع ) لجويرية بنت أبي جهل في حياة الزهراء ( ع ) انظر : ابن النديم : الفهرس ص 256 . الشريف المرتضى : تنزيه الأنبياء والأئمة ص 190 ، ابن أبي الحديد 4 / 46 ـ 65 .
    ( 39 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ، دار الكتب العلمية ، بيروت 8 / 66 .
    ( 40 ) إن شاء الله نتتبع هذه الفضائل المفتعلة ونقارنها بفضائل الإمام علي ( ع ) لبيان زيفها .
    ( 41 ) الكعبة لغة كعبت الشيء أي ربعته ، والكعبة : البيت المربع ، وسمي البيت الحرام بالكعبة لتكعيبه أي تربيعه ، والعرب تسمي المكان المرتفع كعبة ، ابن منظور : لسان العرب 2 / 213 .
    ( 42 ) لمزيد من التفاصيل حول الكعبة : الازرقي : أخبار مكة 1 / 31 وما بعدها ، 2 / 3 وما بعدها ، الخربوطلي : تاريخ الكعبة ص 5 وما بعدها .
    ( 43 ) قال تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة ) البقرة / 30 .
    ( 44 ) في إشارته للأقوام السابقة أكد القران على هذه المسالة ، سورة الأعراف 59 ، 65 ، 73 .
    ( 45 ) قال تعالى ( واَمنهم من خوف ) قريش / 4 ، انظر الزمخرشري : الكشاف 4 / 801 .
    ( 46 ) ابن هشام : السيرة 1 / 134 ـ 135 ، اليعقوبي : تاريخ 2 / 14 ـ 15 .
    ( 47 ) يمكن إن يكون قوله ( ص ) :
       أنا النبي لا اكذب         أنا عبد المطلب
    بداية للباحث في دراسة شخصية عبد المطلب التي لازالت لم تسلط حولها الأضواء كاملة .
    ( 48 ) عن هذه الحملة انظر : العسلي : عام الفيل صورة من صور الصراع العربي الحبشي ، ص 171 ـ 192 .
    ( 49 ) النصر الله: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد رؤية اعتزالية عن الإمام علي ( ع ) ص 33 ـ 36 .
    ( 50 ) الازرقي : أخبار مكة 1 / 174 ، 256 ـ 8 ، ابن عبد ربة : العقد الفريد 3 / 314 ، 317 الزمخشري : ربيع الأبرار 2 / 144 .
    ( 51 ) ابن سعد : الطبقات 1 / 147 ، الازرقي : إخبار مكة 1 / 174 .
    ( 52 ) الازرقي : أخبار مكة 1 / 315 .
    ( 53 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد 3 / 315 ، يقال إن العباس افتخر على الإمام علي ( ع ) بعمارة البيت فنزل قول الله تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن امن بالله واليوم الأخر ) التوبة /19 ، انظر الطبري : جامع البيان 10 / 95 ، الزمخشري : الكشاف 1 / 156 .
    ( 54 ) هذا اللقب حمله كل من حمل قيادة الدولة بعد الرسول ( صِ ) منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب وحتى اَخر خليفة في الدولة العثمانية .
     ولكننا نجد المفكرين إذا ما ذكروا أي خليفة فإنهم يردفون هذا اللقب باسم الخليفة ، أما إذا اقتصروا على اللقب فهذا يعني أنهم يقصدون الإمام علي ( ع ) ، كما جاء لدى المسعودي والقاضي عبد الجبار وابن أبي الحديد وغيرهم .
     وقد ألف النسائي احد أصحاب الصحاح الستة كتاباً باسم ( خصائص أمير المؤمنين ) ، وكان مضمونه فضائل الإمام علي ( ع ) ، وكان النسائي يريد القول أن هذا اللقب مختص بالإمام علي ( ع ) ، وكان هذا الكتاب سبباً في استشهاد النسائي .
    ( 55 ) لقد تناول عدد من الباحثين مسالة ولادة الإمام علي ( ع ) بالكعبة ككتاب ( علي وليد الكعبة ) للاردوبادي ، ومقال للسيد شاكر شبع ، ومقال للسيد علي بن موسى الكعبي وقد جمعها السيد محمد رضا الحسيني الجلالي ونشرها في كتاب ( وليد الكعبة ) .
    ( 56 ) المعتزلة فرقة كلامية ينسب تأسيسها إلى واصل بن عطاء في البصرة ومن اشهر رجالاتها أبو الهذيل العلاف والجاحظ والنظام وغيرهم وقد عرفوا باسم معتزلة البصرة ، ثم ظهر تيار اَخر للمعتزلة في بغداد عرف باسم معتزلة بغداد ينسب تأسيسه إلى بشر بن المعتمر ومن اشهر رجالاتها الاسكافي والخياط والكعبي وابن أبي الحديد .
      وتميزت معتزلة بغداد عن البصرة بميل الأولى إلى تفضيل الإمام علي ( ع ) على سائر الائمة بعد الرسول ( ص ) ، ومحاولة معتزلة بغداد وضع الأصول الاعتزالية بصورة علمية فكانت محنة خلق القران . انظر التفاصيل : النصر الله: شرح نهج البلاغة ص 13 ـ 31 .
    ( 57 ) احد اشهر رجالات معتزلة بغداد وقد برز في عدة فنون أهمها الأدب والكلام ، وله عدة مؤلفات أهمها شرح نهج البلاغة والذي شرحه حسب الرؤية الاعتزالية . ويعد ابن أبي الحديد من القلائل الذين حاولوا التجرد من الهوى وإنصاف الإمام علي ( ع ) ، انظر ترجمته : الحوادث الجامعة المنسوبة لابن ألفوطي ص 366 ، الكتبي : فوات الوفيات 2 / 259 ـ 262 ، ابن كثير : البداية والنهاية 13 / 199 ـ 200 ، محي الدين : ابن أبي الحديد سيرته واَثاره .
    ( 58 ) شرح 1 /14 .
    ( 59 ) تاريخ قم ص 191 ، نقلاً عن الجلالي : وليد الكعبة ص 62 .
    ( 60 ) الامالي : ص 116 ، علل الشرائع 1 / 135 ، معاني الأخبار ص 62 .
    ( 61 ) الطوسي : مصباح المتهجد ص 805 ، المجلسي : بحار الأنوار 35 / 7 .
    ( 62 ) خصائص الائمة ص 39 .
    ( 63 ) الإرشاد ص7 ، مسار الشيعة ص 59 ، المقنعة ص 461 .
    ( 64 ) القصيدة المذهبة ص 119 .
    ( 65 ) عيون المعجزات ص 28 .
    ( 66 ) المجدي في انساب الطالبيين ص 11 .
    ( 67 ) كنز الفوائد 1 / 255 .
    ( 68 ) الامالي ص 980 ـ 983 ، تهذيب الأحكام 6 / 19 ، مصباح المتهجد ص 805 ، 819 .
    ( 69 ) روضة الواعظين 1 / 192 ـ 200 .
    ( 70 ) أعلام الورى ص 153 ، تاج المواليد ص 12 .
    ( 71 ) بشار المصطفى ص 26 ـ 27 .
    ( 72 ) الخرائج والجرائح 1 / 171 ، 2 / 888 .
    ( 73 ) مناقب آل أبي طالب 2 / 21 ـ 24 .
    ( 74 ) الفضائل ص 36 ، 125 .
    ( 75 ) العمدة ص 24 .
    ( 76 ) الحدائق الوردية ؛ نقلا من : الجلالي : وليد الكعبة ص 341 .
    ( 77 ) إقبال الأعمال ص 655 .
    ( 78 ) كشف الغمة 1 /60 ـ 62 .
    ( 79 ) نهج الأيمان ص 660 .
    ( 80 ) الدر النظيم ص 225 ـ 235 .
    ( 81 ) كشف اليقين ص 17 . نهج الحق وكشف الصدق ص 232 ـ 233 .
    ( 82 ) المزار ص 89 ـ 91 ، 95 .
    ( 83 ) الكشكول فيما جرى على اَل الرسول ص 189 ، نقلاً من : الجلالي : وليد الكعبة ص 188 .
    ( 84 ) عمدة الطالب ص 58 .
    ( 85 ) إرشاد القلوب ص 2 / 211 .
    ( 86 ) البياضي : الصراط المستقيم 2 / 215 .
    ( 87 ) البياضي : الصراط المستقيم 2 / 215 .
    ( 88 ) المصباح ص 512 .
    ( 89 ) إحقاق الحق ص 198 .
    ( 90 ) له قصيدة لامية ذكرها الاميني : الغدير 11 / 421 ـ 422 .
    ( 91 ) التتمة في تواريخ الائمة ص 47 . نقلاً من : الجلالي : وليد الكعبة .
    ( 92 ) كاشف الغمة ص422 . نقلاً من : الجلالي : وليد الكعبة ص 189 .
    ( 93 ) غاية المرام ص13 . نقلاً من : الجلالي : وليد الكعبة 233 .
    ( 94 ) بحار الأنوار 35 / 7 ـ 23 . وله كتاب اَخر باسم جلاء العيون ذكر الولادة 1 / 232 . انظر الجلالي : وليد الكعبة ص 67 ، 235 ـ 236 .
    ( 95 ) بستان السياحة ص 543 ، نقلاً من : الجلالي : وليد الكعبة ص190 .
    ( 96 ) ذكرها في كتاب : الإفادة في تاريخ الائمة السادة : انظر الجلالي : وليد الكعبة ص 341 . ( 97 ) له قصيدة ذكرها الاميني : الغدير 5 / 653 .
    ( 98 ) ذكرها في كتابه : نهاية السؤل في مناقب وصي الرسول . انظر الجلالي : وليد الكعبة ص 342 ـ 345 .<