البصرة في عيون اربعة اجانب

الاستاذ محمد صالح عبد الرضا

1 ـ فنشنسو

 ترجع رحلة الأب فنشنسو ماريه دي سانتاكا ترينا إلى القرن السابع عشر ، وفيها وصف الحياة الاجتماعية في العراق ، وهو ايطالي الأصل أرسل إلى العراق عام 1656 بمهمة دينية ، وقد ترجم رحلته إلى العربية الأب الدكتور بطرس حداد ، ونشر بعض فصولها التي تبحث عن مدن شمالي مابين النهرين في مجلة مجمع اللغة السريانية عام 1975 ، ونشر قسمها الأخر في مجلة المورد العراقية في عددها الثالث عام 1976 ، وقد حوى فصلها الثلاثون على حديث فنشنسو عن البصرة ومشاهدته فيها ، ولعل ابرز ما تناوله في هذا الفصل يمكن اختصاره في النقاط التالية :
 * تعد البصرة من أقدم المدن في المنطقة العربية ، وقد طبقت شهرتها الأفاق لأسباب كثيرة منها أنها موطن رجال مشهورين وقبلة الكثيرين من مختلف القوميات ، وأنها محطة مهمة على الخليج العربي ، تقع بالقرب من خط الاستواء وفي نهاية الأرض العربية الصحراوية وبدء الأرض العربية الصخرية ، خيراتها وافرة وحقولها شاسعة ، نخيلها وفيرة وتأتيها البضائع من مختلف بلاد العرب وفارس وتركيا والهند .
 على البصرة مأخذ واحد ، ألا وهو الحر الشديد الذي يعذب سكانها ، والرمال المحيطة بها التي تهجم عليها مع هبوب الرياح الشرقية ، فتعكر صفاء الجو فيها ، ويلجاء الكثيرون عند ذاك النهر ، ويرمون بأنفسهم فيه تخلصًا من الحر والرمال ، ويصرفون نهارهم في الماء .
 * لاتمطر السماء في البصرة الا نادرًا ، وقد تبلغ ثلاث مرات خلال أشهر الشتاء ، ولكن عندما تهطل فأنها قوية جارفة تهدم المنازل لان معظمها مشيد بالجص واللبن ، أما في الفصول الأخرى فأن النهر يسقي الحقول ، ولولاه لاحترقت الأرض .
 * إن لحاكم البصرة ( حسين باشا بن علي باشا ) إجراءات كثيرة في دعم مركزه وتقوية استقلاله ، وكان والي بغداد مرتضى باشا ، قد أشار عليه الباب العالي بان الفرصة سانحة للانقضاض على والي البصرة الذي اخذ البصريون يشتكون منه فأعد جيشًا قويًا ، وقام بحملة جارفة على البصرة ، فأسر الأمير وانتصر مرتضى باشا ، وقرر البقاء في البصرة ، والاحتفاظ بها تحت سلطته ، فشن الأمير القديم هجماته عليه فأنسحب يجر أذيال الخيبة .
 * أن سمعة أمير البصرة حينذاك ، أخذت تتدهور إذ فتح البيوت العامة في المدينة ، وهذا أمر يتنافى والتقاليد العربية ، وهي بيوت الغناء والطرب والرقص ، بينما كان يتذرع بالتقوى ، ويذهب إلى المسجد الكبير كل يوم ، وكان قد شيده على نفقته ، وهو واسع الأرجاء مزين بالنقوش والزخارف الفارسية ، وبذلك يحاول تغطية أعماله الشريرة بتقوى كاذبة .
 * تجمع البصرة أقوامًا من كل فج عميق ، ففيها الأتراك والفرس واليهود والأرمن والصابئة والنصارى ، ويمارس كل هؤلاء شعائرهم الدينية بحرية ، ويظهر أن الأمير يميل بنوع خاص إلى الأوربيين وقد اظهر شعوره هذا في مناسبات عديدة وكان ينظر إلى الآباء الكرمليين نظرة ود واحترام .
 * كان الأمير يعيش على أعصابه لأنه يخشى على الإمارة أن تنتزع منه ، وقد طلب أكثر من مرة وضع تخطيط للمدينة ، وطريقة تحصينها تحصينًا جيدًا ، على مثال ما تم تطبيقه في مالطة ، وكان يستفسر عن مدى مقاومة هذه التحصينات لعساكر السلطان ، كما يريد تحصين القرنة وتقويتها لكي يعيش في امن وسلام ، وقد باشر فع ً لا ببناء مخططين للمدينة بالقرب من النهر ، ثم توقف عن البناء بسبب قلة الجص والافتقار إلى الحطب الذي يشعل لفخر اللبن .
 * تصل إلى البصرة قوافل من الروسيين واليونانيين والمجريين والبولنديين لصبيان وفتيان جمعهم الأتراك في سوق النخاسة ، ويشاهد الكثيرون الذين يأتون إلى هذه السوق لرؤية هذه البضاعة ، ويشترون ما يريدون ويتساومون على الثمن ، وكأنهم في سوق الغنم .
 * طاب البقاء لهذا الرحالة في البصرة ، لكن الواجب كان يدعوه إلى الهند فقد ذهب بسفينة هولندية اسمها فليلا ند ، مودعًا بالطبول والزمارات والبيارق الخفاقة ، وقد أطلقت مدفعية السفينة بعض العيارات النارية تحية له ، وكانت تخطر بباله زيارة الكر مليين في البصرة الذي يعد من بيوتها الحديثة ، وفيه مختلف المرافق الضرورية الخاصة بالأديرة ، وهناك فناء تحيطه أروقة ، وفي وسطه حديقة عامرة ، وهناك في الطابق الأرضي غرف استقبال وفيه صوامع الرهبان تعلوها السطوح التي ينام فوقها الرهبان في الصيف ، لان الحر لا يحتمل داخل الغرف .
 * عندما عاد الى ايطاليا بعد سنوات ثلاث ألح عليه أصدقاؤه أن يدون مذكراته وينشرها ، فنزل عند رغبتهم ، وطبع الكتاب لأول مرة في سنة 1672 م وأعاده في طبعتين ثانية وثالثة ، وكان بعنوان (رحلة الهند الشرقية) مؤكدًا أن في الشرق قوى غنية تجذب المشاعر .

2 ـ باكنغهام

 ( بكنغهام ) رحالة انكليزي مشهور زار إيران في عام 1817 وأبحر من مياه بوشهر إلى الهند بمهمة خاصة كلفته شركة الهند الشرقية ، وأبحر من بومباي إلى موانئ الخليج العربي وصولا الى البصرة وقد كتب عن رحلته هذه كتابًا اسماه ( رحلات إلى ميديا وأشور ) طبع عام 1830 م ويصور فيه رحلاته تلك التي استغرقت أكثر من ثلاثة أشهر .
 وقد عقد فصلا من كتابه هذا عن البصرة واصفًا أهميتها التجارية كميناء رئيس في الخليج العربي ونشر جعفر الخياط موضوعًا حول هذا الفصل في العدد الثاني من مجلة المعلم في شباط (فبراير) 1967 م التي كانت تصدرها نقابة المعلمين في البصرة مشيرًا إلى وصف بكنغهام للبصرة بأنها محاطة بأسوارها المبنية باللبن غير المشوي في مربع متطاول طوله ما بين شرق الشمال الشرقي وغرب الجنوب الغربي ، لعل أهم النقاط التي يستفاد منها في ذلك الموضوع ما يلي : كانت أسوارها غير منيعة ومتناسقة في نظر الزائر الغربي ولهذه الأسوار خمسة أبواب كبيرة هي : باب المجموعة وباب ألسراجي وباب الزبير وباب الرباط بالقرب من المقام وباب بغداد المؤدي إلى مركز المدينة مباشرة حيث يزدحم السكان وتتكاتف البيوت.
 للمدينة ثلاثة جداول كبيرة تتفرع من شط العرب وتخترق أجزاءها المختلفة فيستفاد منها لري الأراضي المحيطة بالبلدة ونقل البضائع والسلع مع سد حاجة الناس وهي انهر ( الرباط والعشار والسراجي ) وصف بكنغهام ظاهرة المد والجزر المعروفة في تلك الأنهر والتنقل بواسطة الابلام الصغيرة فيها وأشار إلى وجود القفف التي عرفها العراقيون والى زورق خاص لشحن الأحمال الثقيلة فيه كان يطلق عليه ( الدونلق ) .
 * كان الداخل من شط العرب في العشار أو النهر الأوسط كما يسميه متجهًا إلى البصرة القديمة يمر من صدر ضيق للنهر تقوم في يساره قلعة مدورة الشكل ومسجد له منارة صغيرة من الجهة اليمنى بعد ذلك عدد من البيوت والأبنية في جهتي النهر الأبنية على الجهة اليسرى كانت عبارة عن سكلات الخشب والألواح في الغالب ومخازن كبيرة للحاجات المطلوبة لبناء السفن والزوارق وكان يوجد فيها جهة المقام مبنى دائرة الجمارك ومقهى مع عدد من المساكن وان الضفة اليمنى من صدر العشار سميت بالمقام لان قائم مقام البصرة كان يقيم فيها أما الضفة المقابلة أو اليسرى فكانت تسمى بالمناوي كانت البصرة في عهد حسين باشا بن علي باشا افرو سياب تبعد عن الشط مسافة ميلين وكانت المناوي قرية منعزلة تقوم مقام الميناء الذي ترسو فيه السفن غير ان حسين باشا عمد إلى تمديد سور البصرة الى حد شط العرب وادخل قرية المناوي ضمنه ثم حصنت بعد ذلك بسور حصين يدور حوله.
 * كان الداخل إلى البصرة القديمة من شط العشار يجد على طول الضفتين طريقين عامين يمتدان إلى المدينة نفسها وبجانب الطريق من الجهة الشمالية كانت تمتد البساتين المكتضه بالنخيل وغيرها من الأشجار إلى مسافة تزيد على نصف ميل ، وكانت بيوت البصرة القديمة تحتشد في الجهة الجنوبية وعلى مسافة ميل يقع المكتب التجاري البريطاني كأنه قلعة مدمرة تطل على النهر بشبابيكها المقوسة وبابها وحرسه وسارية علمها .
 * بعد دائرة الجمارك كان يمتد جسر يؤدي إلى باب بغداد وكانت هناك مساحات تزرع بالقمح والرز والنخيل ، وبالنظر لشدة الحاجة إلى الأحجار فأن أسوار البصرة ومعظم بيوتهم مبنية باللبن المجفف بحرارة الشمس أما الأبنية المبنية بالطابوق المفخور فهي لاتتجاوز أصابع اليد مثل بناية السراي والمكتب التجاري البريطاني والمسجد وبعض البيوت العائدة إلى الأثرياء .
 * عدد نفوس البصرة كان يختلف بأختلاف الأزمنة مابين 500 الف و 50 ألف نسمة وقد نزل العدد إلى الحد الأدنى على اثر الطاعون الذي داهم المدينة عام 1773 فذهب ضحيته 300 الف نسمة وكان من سكنه البصرة الأتراك والأرمن والإيرانيون واليهود والهنود والمسيحيون الكاثوليك والصابئة وبعض الكرد ، وتختص الطبقات العليا من السكان العرب بالإعمال التجارية والطبقات الدنيا كانت عمالا وفلاحين ، وكان اغلب الأتراك موظفين في دوائر الحكومة وكان مستلم البصرة من أهلها لكنه من أصل تركي ونظرًا لبقائه عدة سنين في اسطنبول ولاشتراكه في عدة حروب جرت مع الروس فكان يعد تركيًا لا عربيًا وكان الموظفون المحيطون به من أصل تركي في الغالب من المولودين في مدن أخرى مثل الموصل وبغداد وكركوك وكانوا يحتفظون بلباسهم التركي .
 وبالرغم من قلة عدد الأتراك فأنهم كانوا يسيطرون على المدينة بقوة بمساعدة عدد قليل من الجنود الكرج والكرد والعرب والإيرانيين ويقدر الخيالة منهم بحوالي 1500 خيال وكان المشاة يؤلفون خمس سرايا تتكون كل واحدة من 100 حامل بندقية وكان هناك خمسون من أحسن حملة البنادق اختيروا حرسًا خاصًا للمتسلم ويتميزون بلباس خاص يتألف من سترة حمراء وسراويل زرقاء وعمائم بيضاء لايتجاوز عدد الأرمن في البصرة حينذاك 50 اسرة وكانوا من قبل اكثر من هذا العدد وكانوا يمتهنون المهن المالية والتجارية في الغالب وهم أمناء ونشطاء في مهنتهم وكانت لهم كنيسة صغيرة ، أما اليهود فيقدرون ب 100 أسرة يمتهنون التجارة وأعمال السوق والنصارى والكاثوليك اقل منهم بحدود 20 اسرة بينهم نازحون من حلب وبغداد وكانوا يتعاطون التجارة أيضًا ولهم كنيسة ترتبط بمستشفى الكرملين في البصرة .
 * تتألف طائفة الصابئة من 30 أسرة وهم يلبسون لباس العرب ويتزينون بالزي العربي ومركزهم الرئيس القرنة التي كان يقيم فيها رئيسهم الديني مع 100 من أسرهم وكان قسم منها في سوق الشيوخ والاحواز وتستر ودزفول.
 * وكان الهنود المقيمون في البصرة من طائفة البانيال في الغالب ويشتغلون تجارًا ودلالين وكلاء استيراد وهم مثل اهل الارض يتمتعون بتقدير المقيم البريطاني فيها وحمايته ومعظمهم له علاقة بشركة الهند الشرقية ومكتبها التجاري البريطاني وان جنود السياه المستجلبين للمكتب المذكور كانوا من الهندوس ويبلغ مجموع الهنود كلهم حوالي 100 شخص .
 * أما المكاتب التجارية الأوربية في البصرة فلم يبق منها حينذاك سوى المكتب الفرنسي والمكتب البريطاني ، والمكتب الفرنسي لم يبق فيه سوى العلم الأبيض لان البارون فيكتور الذي كان مسؤولا عنه كان يقيم في بغداد ، وتوجهت باخرتان من جزيرة موريشيوس لتزويده بالبضائع لكن مصيرهما كان مفجعًا لهجوم القواسم (القراصنة) في رأس الحد عليها وقضوا عليها .
 * يرجع منشأ المكتب التجاري البريطاني إلى زيارة السفن الانكليزية إلى البصرة عام 1640 وان بنايته قد تبدلت عدة مرات بين وسط البصرة والمعقل والطرف الجنوبي من نهر العشار ، وكانت للمؤسسة العائدة لشركة الهند الشرقية نفقات تصرف عليها تصل إلى حوالي 5000 جنيه إسترليني في السنة من مهمتها تأمين إيصال البريد بسلامة خلال الحرب وحماية التجار القادمين من الهند .

3 ـ خورشيد أفندي

 احد أعضاء الوفد العثماني في لجنة تقصي الحقائق التي قامت برحلة على طول الخط الحدودي بين فارس والإمبراطورية العثمانية التي استغرق 1852 زارت خلالها ولايات البصرة وبغداد وشهر / عملها أربعة أعوام 1848 زور والموصل ووان ، وقدم خورشيد تقريرًا إلى حكومته تضمن معلومات حول المناطق التي زارتها اللجنة من النواحي الجغرافية والبشرية والاقتصادية ومعتقداتهم الدينية وعن القبائل العربية وبطونها وتقاليدها وعن الأهوار وشبكة الأنهار جاء فيه أن في عام 1862 قامت الحكومة العثمانية بطبع ذلك في التقرير في كتاب مستقل عنوانه (سياحة نامة حدود) بنسخ محدودة وقام الروس بترجمته إلى الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقد ترجم إلى العربية من الروسية القسم الأول الخاص بولاية البصرة الدكتور نوري عبد البخيت السامرائي أشار في مقدمته إلى أن المرحوم الأستاذ عباس العزاوي كان يشير في مؤلفاته إلى امتلاك نسخة نادرة من المخطوطة التركية وصدرت ترجمة الدكتور السامرائي عن مركز دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة عام 1981.
 وإذا أردنا أن نقدم خلاصة لأهم ما تحدث به خورشيد أفندي عن ولاية البصرة يمكن الإشارة إلى هذه النقاط مقرونة بزمانها أي قبل مائة وخمس وخمسين سنة.
 وجاء في التقرير ايضًا ان فيها أكثر من 2000 بيت من ضمنها 500 ـ 600 بيت مهدوم وقلة منها مبنية من الطابوق اذ ان معظمها مبني من سعف النخيل مقصب مطلي بالطين وتسمى بالصرائف ومن المباني المبنية بالطابوق سوق تمتد ل 600 خطوة مسقفة على شكل قبب وبجانبها مسجد طابوق أسسه متسلم البصرة عزير بيك احد مماليك الوالي داود باشا وهناك مدرسة من الطابوق داخل المسجد وهناك مسجد ومدرسة دينية اخرى في المدينة وكانت هناك سوق أخرى تضم أصحاب الحرف اليدوية والبقالين وباعة الأسماك والصاغة والحدادين وفيها معمل للصناعات الزجاجية كما يوجد في المدينة حمامان وعدد من الخانات المبنية بالطابوق وتحيط بالمدينة بساتين النخيل والفاكهة وقال التقرير : يستورد تجار البصرة الأقمشة الهندية والحلبية والدمشقية وتباع في أسواقها كميات كبيرة من الأسماك والتمور ومنها ما يباع في الأسواق ومنها ما يصدر إلى المقاطعات الفارسية عن طريق نهر كارون وعن طريق شط العرب وخليج البصرة إلى الهند ، وينمو في بساتين البصرة الليمون والنارنج والموز.
 يتعامل تجار البصرة بنوع واحد من العملة المعدنية المسماة بالشامي وهي عملة عثمانية قديمة ضربت في دمشق وتساوي ثماني بيزات عثمانية سكت زمن السلطان عبد الحميد وضربت الحكومة العثمانية ايضًا عملة (المجيدي) التي يعادل الواحد منها بيزة .
 وجاء ايضًا أن الأبلام والسفن الصغيرة لا تتأثر حركتها بعملية المد والجزر التي تلعب دورها الفعلي في زراعة الأراضي عن طريق رفع المياه بالآلات اليدوية.
 وجاء في التقرير أنه توجد في البصرة ثلاثة أنواع من السفن هي : البغلة البوم 18 إلف كغم وهي تصل إلى الكويت ـ والشواي وتتراوح حملة البغلة مابين 15 والإحساء وبومباي أما البوم والشواي فهما يبحران في شط العرب ونهري دجلة والفرات حتى سوق الشيوخ والحلة وبغداد وفي الكارون إلى مدينة شوشتر وديسبول في بلاد فارس وتقوم احيانًا بنقل المسافرين بجانب البضائع .
 وقال التقرير ملكت الحكومة في البصرة خمس سفن أو ستا كبيرة بحمولتها ولكن أسلحتها غير جيدة وهي تحت أشراف موظف كبير يسمى (قبطان باشي) أو قائد الأسطول في بناية تسمى قيادة قوة البحرية وتقع في منطقة المناوي .
 وجاء في التقرير تجلب الأخشاب من الهند وتصنع منها مختلف انواع السفن حسب الطلب والحاجة ، وقد أرسلت الحكومة العثمانية الى الولاية ضابطًا بحريًا كبيرًا معه ربابنة لقيادة السفن وبعض الضباط البحريين وجعلتهم تحت امرة حكومة ولاية البصرة .
 وأضاف التقرير أخذت مساحة المسطحات المائية في أوقات الفيضانات تمتد لمسافة 30 ـ 40 ميلا من قصبة الزبير وحتى أسوار مدينة البصرة نفسها ثم إلى الجنوب من مقاطعة الدواسر الواقعة على شط العرب وكانت هذه المياه سببًا لظهور الاهوار الكبيرة .
 وقال التقرير ان عددًا كبيرًا من الناس لايشرب ماء شط العرب مباشرة الا بعد ترشيحه وتصفيته عن طريق وضعه في أوعية كبيرة مصنوعة من الفخار ويوضع تحته أناء كبير يترشح فيه الماء من أناء الفخار ، وان تنقية الماء وتصفيته بهذا الأسلوب يجعله صالحًا للشرب .
 وأكد التقرير أن السكان الموجودين بعيدًا عن شط العرب لايمكنهم الحصول على مياهه لبعد المسافة عنهم و يعتمدون على مياه نهر العشار والترع المتفرعة منه ، وان عملية تنظيف قناة نهر العشار تمت بأهتمام في عهد داود باشا بعد انتشار وباء الطاعون .
 وكانت مياه شاطئ كريدلان على الضفة اليسرى من شط العرب أكثر نقاوة بسبب أن مياه هذا الجانب تندفع لمسافات بعيدة فتكون بعيدة عن مياه دجلة ويكون الفيضان هناك قليلا ولهذه الأسباب فأن مياه هذا الجانب من شط العرب تكون أحسن من مياه شاطئ مدينة البصرة .
 وجاء في التقرير انه منذ 18 أيار (مايو) تهب على المنطقة رياح تسمى البارح الكبير وتستمر لستين يومًا بعدها تهب رياح أخرى لعشرين يومًا تسمى البارح الصغير ويبدأ هبوبها من الساعة العاشرة صباحًا ويستمر حتى الغروب وهي محملة بذرات الرمل الذي يأتي من الصحراء ويتساقط هذا الغبار بالعيون ويختلط بالدموع ، وان معظم سكان المدينة من المسلمين ويوجد يهود ومسيحيون والمسلمون من شوافع ومالكية وحنابلة غير أن الشيعة يمثلون الأكثر من المسلمين وهناك من يتكلم الفارسية والتركية .
 وعند اشتداد الحرارة في الصيف يلتجئ الناس إلى السرداب أما في الليل فينامون فوق سطوح المنازل او في صحن الدار تحت العراء مباشرة .
 ويتكون لباس الرجل الاعتيادي من الرداء الطويل العريض ذي الردان الطويلة والعريضة من الجبة وفي فصل الصيف يلبسون فوق الجبة رداء من الصوف الخفيف المسمى بالعباءة وعادة تنسج من الصوف الأبيض وفي فصل الشتاء تكون العباءة من الصوف السميك ولونها اسود ويضع الرجال على رؤوسهم المنديل الأبيض (الكوفية ) وفوقها العقال .
 وترتدي المرأة في بيتها رداء واسعًا يسمى الهاشمي على شكل مربع مفتوح مخطط او غير مخطط وتغطي المرأة وجهها بشبكة من القماش الأسود تحيط بها شبكة من السلاسل الذهبية حول العنق والرأس والإذن والأصابع والرجلين ، ويستعمل الصيادون الصقر في صيد الطيور وكذلك الحيوانات الوحشية ويستعمل الصقر لصيد الدراج والوز وبعضها يباع بأثمان عالية وغالبًا ماتقدم كهدايا من بعضهم للبعض الأخر .
 ويقول التقرير آن المدينة تضم عددًا من المقاطعات التابعة إلى أدارة ولاية البصرة على ضفتي شط العرب وشمال البصرة وجنوبها وعدد سكان المقاطعة ومنها على سبيل المثال (ألسراجي تضم 1200 نسمة) .
 أن حديث خورشيد افندي عن ولاية البصرة قبل قرن ونصف القرن يفيد بلا شك القارئ والباحث معًا لما فيه من اشارات تخص الحياة الاجتماعية بمختلف جوانبها في الحياة في فترة قل الباحثون في تاريخها .

4 ـ وليامسون

 وليامسون شاب بريطاني ترك بيته في بريستول ببريطانيا حينما كان يافعًا أواخر القرن التاسع عشر في سبيل اعتناق الإسلام إذ مر بمغامرات عديدة وركب الأهوال.
 أدى فريضة الحج وعند إقامته بالبصرة تزوج من فتاة مسلمة وهناك سمع قصصًا كثيرة عن القبائل العربية المختلفة وتقاليدها بل عرفها جيدًا وخبرها حتى انه اطلع على جذورها وبات بإمكانه معرفة القبيلة التي ينتمي اليها كل من يزوره من الأعراب .
 اخذ وليامسون يتكلم العربية الفصحى بل وحتى العامية .
 كتب عنه في الخمسينات وستانتون هوب كتابًا اسماه ( الهارب إلى الله ) ترجمة اللبناني رضوان مولوي وصدر عن الدار المتحدة للنشر في بيروت عام 1974 وكان رضوان قد التقى وليامسون او الحاج عبد الله وليامسون او عبد الله المسلماني في مسكنه بمحلة (كوت الحجاج) بالبصرة ذلك البيت الذي كان في أخر طريق فرعية مؤدية إلى بستان مليء بأشجار النخيل فوجده يقرأ القرآن بصوت خفيف كان في الثمانين من عمره بخشوع وأيمان وقد ارتسمت على محياه علامات الهدوء بالرغم من العديد من الصعوبات الشاقة التي مرت به في حياته الطويلة التي استطاع الحاج عبد الله وليامسون ان يذللها جميعًا بقوة إيمانه وشدة إسلامه فقد خاض البحار وقطع ألصحارى وأخيرًا استقر به المقام في البصرة حيث شيد منزله المتواضع بنفسه وأحاطه بسور خشبي .
 أتاح مؤلف الكتاب (الهارب إلى الله) للقارئ أن يتعرف على سيرة شاملة لحياة وليامسون ومغامراته العديدة التي تميزت بالشجاعة والأيمان الراسخ وهي تنبض بالحيوية والنشاط وقد وقع نص الكتاب هذا باللغة الانكليزية أوائل الخمسينيات من القرن الماضي بيد رضوان مولوي الذي ترجمه إلى العربية أثناء أقامته آنذاك في فندق شط العرب في البصرة وامسك بالكتاب الذي وجده على الطاولة استعلامات الفندق وعندها خاطبه رجل منتصب القامة أمامه قائلا هل يعجبك هذا الكتاب وهو يروي قصة رائعة وفريدة لرجل ما يزال يعيش في هذه الديار وهنا انطلق مولوي لزيارة الحاج عبد الله وليامسون الذي كتب مشاهدات عديدة عن البصرة يقول فيها :
 لم يظهر في البصرة خلال تلك الأيام أوائل عام 1890 ألا القليل من النفوذ الغربي ، فالأتراك كانوا يحكمون العراق ولم يعد حكمهم بكثير من المنفعة على الاهالي .
 ثم تلت حربان عالميتان فيهما كان الوجود البريطاني في قوته العسكرية وقد أفادت البلاد كثيرًا من الطرقات المعبدة وغيرها من منافع الحياة وكثيرًا ماكانت الطرق المائية الموحلة التي تستخدمها الأبلام ، وهي مراكب أشبه بالجندول وغيرها من الأقنعة البعيدة تزدان في فصل الربيع بألوان شتى ومهما كان الامر فأنه وجد كثيرًا من الأجواء الشرقية قد تلاشت في كل من العشار وماركيل (المعقل) حيث حل محلها العديد من الأبنية والمكاتب العصرية ودور السينما والتكسيات والباصات ومراكز الشرطة والمقاهي التي يطلق أصحابها أصوات الراديو عاليًا ، وعندما أقام وليامسون في ضيافة البسام لم يكن هناك سوى ممر واسع واحد مواز لقناة العشار يؤدي إلى البصرة القديمة ، بدلا من طريق ممهدة معبدة وكان ذلك الممر أما يعج بالغبار أو يملأ بالأوحال وفقًا لأحوال الجو .
 وفي تجواله بالاقنية التي تفصل بساتين النخيل بعضها عن بعض شهد وسائل الري البدائية ، كما شاهد أوائل فصول الربيع وعمليات التلقيح التي يجريها الفلاحون لأشجار النخيل وطالما وجد فراغًا للتأمل في عوالم الدين الإسلامي بينما كان أصحاب رحلته يستريحون تحت مظله البلم الذي كان ينقله إلى تلك المناطق وكثيرًا ما كان يتأمل البدو الرحل وهم يرعون الخراف والماعز وكان يزور الزبير التي تبعد عن البصرة عدة أميال مارًا في طريقه بأطلال قديمة ممتعًا النظر في الأسواق المسقوفة حيث تعرض لبيع مستلزمات الإبل وكل ما تحتاجه حياة الصحراء .
 وكان يتحين الفرص للإقامة في خيم البدو السوداء الضرورية خارج البلدة وقد ساعدته معرفته المتزايدة بعادات العرب ولغتهم على الثقة بالنفس ورباطة الجأش وبعد وصوله الى البصرة دعي لحضور احتفال بمهرجان تركي جلس في منصة الشرف خلاله السيد احمد النقيب وكان بين الحضور جموع من المسلمين (سنة وشيعة) وبعض اليهود والصابئة واثنان من الإرساليات الأمريكية البروتستانية.
 في ذلك الاحتفال ارتفع صوت زوبمر من إرسالية مسيحية فجأة موجهًا كلامه لوليامسون (يا عبد الله لم أصبحت مسلمًا وتركت النصرانية) فتركزت العيون عليه فرد قائلا (أن الرد على سؤالك يحتاج إلى حوار ليس محله هنا وتمكن بعد نهاية الاحتفال من أن يقوم بعرض رائع في وجه خصمه مدافعًا عن حرية اختياره وحق كل إنسان في الاختيار ، غير أن أحدًا لم يشك بصدق وليامسون .
 لم يكن هناك مقيم في البصرة من الاوربين ألا القليل ومعظمهم كانوا وكلاء سفن إما البريطانيون فكانوا لسبب طبيعة انعزالهم يتجنبون أقامة علاقة اجتماعية مع السكان ، وأما الألمان وهم فئة قليلة فكانوا يتصرفون تصرفًا وديًا من اجل غايات سياسية .
 ويصف الزبير بأنها بلدة مسورة وفيها تجارة مزدهرة ، معظمها مع بدو الصحراء ويتذكر أسواقها المكشوفة التي كان يسير فيها الإنسان وهي تعج بالعمل فيتقي الجو الحار خلال ساعات القيلولة ويجري فيها المهرجان الحافل الذي يسبق الحج حيث الحجاج العازمون على أداء الفريضة من بقاع شتى في الزبير في مخيم كبير كان ينمو يوما بعد أخر في الصحراء المحيطة .
 ان كل حاجات الرحلة الطويلة معروضة في أسواق الزبير / أكياس وخيم وسجاد وأواني طبخ ودلاء جلدية ، إما الضجيج فيها فكان يصم الأذان حيث الدلالون يرفعون أصواتهم منادين لبيع الحيوانات والأمتعة والمأكل ، وشاهد الدنانير العثمانية والعملات الفضية الثقيلة بين النقود المتداولة ، وكان سعر سجادة الصلاة ستة ريالات فقط والفروة الجيدة بسبعة ريالات .
 ويجتمع خارج الأسوار حشد كبير حيث تباع الأحمال وجمال الركوب بعد مساومات لاذعة وكان هدير الجمال اشد صخبًا وضجيجًا مما جعلها تتغلب على جلبة البشر برغائها المتعالي ولا سيما عندما يأتي تاجر جديد بجماله فيساعده أصحابه وينصحونه بالاتجاه نحو الحشد ، وانتقى وليامسون بمساعدة اثنين من بطانة العرب سبعة جمال للأحمال واشتراها مع عدة كاملة لكل واحد منها مع خيمة طولها خمسة وعشرون قدمًا .
 كانت الخيام تصنع من القماش والأشرعة الخفيفة الوزن على طراز الخيم البدوية سهلة الطي والنشر والنصب وهي قادرة على الصمود في الحالات التي تهب فيها العواصف الرملية ، وكان وليامسون يملك طقم قهوة كاملا وفناجين صغيرة ومحمصة وهاونًا ومدقه واوان لحفظ البن حبًا ومسحوقًا وكانت هذه الأدوات تحفظ في كيس له جيوب .
 وفي واحة البرجسية التي تبعد قليلا عن الزبير كان أمير الحج يقيم فيها للانطلاق بالقوافل التي كانت تتحرك نحو الآبار للتزود بالماء وكان المخيم المضروب بجانب الواحة يعكس مشهدًا مهيبًا وبهيجًا حيث خيام الحجاج من نجد ومن البصرة والمحمرة والكويت تمتد بأنتظام وحيث الحجاج الفارسيون والهنود وخيمة الأمير تتميز بعلم الحج المصنوع من الحرير الأحمر والذي يبلغ عدة أقدام وطرز عليه ( لا اله ألا الله محمد رسول الله) .
 في الثامن والعشرين من شوال تبدأ مسيرة ركب الحجاج تموج فوق رمال الصحراء مع صوت الطبول والتهاليل ، وكان يحمل لواء الحج عربي على جمل ابيض ويأتي وراءه مباشرة الأمير ورجاله يتلوهم الشيوخ والرؤساء ثم عامة الحجاج على وسائل نقلهم الخاصة وكان هناك أكثر من عشرين كشافًا مدججين بالسلاح يتقدمون الركب .
 كان معظم عناصر القافلة من الرجال الذين يتبادلون الركوب على فترات متقطعة والراجلون منهم يسيرون ألهوينا ومن الراكبين نساء أحكمن القناع وكان يوضع على عدد من الجمال نوع من الهوادج المغطاة بالسجاد والستائر المصنوعة من القماش المقصب أو المطرز التي تحتوي في داخلها على المساند الناعمة.

BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET