لا تهدأ ليلا ولا نهارا ، ولا تقضيكم (1) علفا ولا ماء ، وكفاكم بالرياح مؤونة تسييرها بقواكم التي كانت لا تقوم لها لو ركدت عنها الرياح لتمام مصالحكم ومنافعكم وبلوغكم الحوائج لانفسكم .
  (وما أنزل الله من السماء من ماء) وابلا وهطلا ورذاذا لا ينزل عليكم دفعة واحدة فيغرقكم ويهلك معايشكم ، لكنه ينزل متفرقا من علا حتى يعم الاوهاد والتلال والقلاع (2) .
  (فأحيا به الارض بعد موتها) فيخرج نباتها وحبوبها وثمارها .
  (وبث فيها من كل دابة) منها ماهو لاكلكم ومعايشكم ، ومنها سباع ضارية حافظة عليكم ولانعامكم ، لئلا تشد (3) عليكم خوفا من افتراسها .
  (وتصريف الرياح) المربية لحبوبكم ، المبلغة لثماركم ، النافية لركد الهواء والاقتار (4) عنكم (والسحاب) الواقف (المسخر) المذلل (5) (بين السماء والارض) يحمل أمطارها ، ويجري باذن الله ويصبها حين يؤمر .
  (لايات) دلائل واضحات (لقوم يعقلون) يتفكرون بعقولهم أن من هذه العجائب من آثار قدرته ، قادر على نصرة محمد وعلي وآلهما (عليهما السلام) على من تأذاهما (6) وجعل العاقبة الحميدة لمن يواليه ، فان المجازاة ليست على الدنيا ، وانما هي ـ على ـ

--------------------
(1) انقضى وتقضى الشئ : ذهب وفنى ، ( تقضيكم ) ق ، د ، والبحار .
(2) القلاع ـ بضم القاف ـ : الطين الذى ينشق اذا نضب عنه الماء ، أو الحجارة ، ( التلاع ) البحار ، وهى ما ارتفع من الارض وما انهبط منها (من الاضداد) ، أقول : وتقدم مثله ص 143 ذ ح 72 .
(3) ( تشذ ) س ، ص ، والبحار ، شذ عن الجماعة : خالفها ، شد على العدو ، حمل عليه .
(4) كأنه جمع القترة بمعنى الغبرة ، أى يذهب الاغبرة والابخرة المجتمعة في الهواء الموجبة لكثافتها وتعفنها ، قاله المجلسى ره .
(5) في ( أ ) : ( المذلل ) بدل ( الواقف ) وبالعكس .
(6) ( ناواهما ) ص ، ( من يشاء ) البحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام)_ 577 _

  الاخرة التي يدوم نعيمها ولا يبيد عذابها (1) .
  339 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : عجبا للعبد المؤمن من شيعة محمد وعلي (عليهما السلام) أن ينصر (2) في الدنيا على أعدائه ، فقد جمع له خير الدارين ، وان ما امتحن في الدنيا ذخر له في الاخرة ، ما ـ لا ـ يكون لمحنته في الدنيا قدر عند اضافتها إلى نعيم الاخرة ، وكذلك عجبا للعبد المخالف لنا أهل البيت ، ان خذل في الدنيا وغلب بأيدي المؤمنين ، فقد جمع له (3) عذاب الدارين ، وان امهل في الدنيا ، واخر عنه عذابها كان له في الاخرة من عجائب العذاب ، وضروب العقاب ، مايود لو كان في الدنيا مسلما ، وما لا قدر لنعم الدنيا التي كانت له عند الاضافة إلى تلك البلايا .
  فلو أن أحسن الناس نعيما في الدنيا ، وأطولهم فيها عمرا من مخالفينا ، غمس يوم القيامة في النار غمسة ، ثم سئل هل لقيت نعيما قط ؟ لقال : لا .
  ولو أن أشد الناس عيشا في الدنيا ، وأعظمهم بلاء من موافقينا وشيعتنا ، غمس يوم القيامة في الجنة غمسة ، ثم سئل هل لقيت بؤسا ـ قط ـ ؟ لقال : لا .
  فما ظنكم بنعيم وبؤس هذه صفتهما ، فذلك النعيم فاطلبوه ، ذلك العذاب فاتقوه (4) .
  قوله عزوجل : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا اذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وان الله شديد العذاب اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرا منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم وماهم بخارجين من النار ) : 165 ـ 167 .

--------------------
(1) عنه البحار : 3/ 54 ح 26 إلى قوله : على من يشاء (تأذاهما) .
(2) كذا استظهرها في ( ط ) ، ( يصبر (ما) بما ( أ ، ص ، ط ) يصير ( ب ، س ، ق ، د ) .
(3) ( عليه ) ب ، س ، ق ، والبحار .
(4) عنه البحار : 67/ 234 ح 49 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 578 _
  340 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل لما آمن المؤمنون ، وقبل ولاية محمد وعلي (عليهما السلام) العاقلون ، وصد عنها المعاندون (ومن الناس ـ يا محمد ـ من يتخذ من دون الله أندادا) أعداء يجعلونهم لله أمثالا (يحبونهم كحب الله) يحبون تلك الانداد من الاصنام كحبهم لله (والذين آمنوا أشد حبا لله) من هؤلاء المتخذين الانداد مع الله، لان المؤمنين يرون الربوبية لله وحده لا يشركون ـ به ـ .
  ثم قال : يا محمد (ولو يرى الذين ظلموا) باتخاذ الاصنام أندادا واتخاذ الكفار والفجار أمثالا لمحمد وعلي (عليهما السلام) (اذ يرون العذاب) حبن يرون العذاب الواقع بهم لكفرهم وعنادهم (أن القوه لله جميعا) يعلمون أن القوة لله يعذب من يشاء ، ويكرم من يشاء ، لا قوة للكفار يمتنعون بها من عذابه (وأن الله شديد العذاب) ويعلمون أن الله شديد العقاب (1) لمن تخذ الانداد مع الله.
   ثم قال : (اذ تبرأ الذين اتبعوا) لو رأى هؤلاء الكفار الذين اتخذوا الانداد حين تبرأ اتبعوا الرؤساء (من الذين اتبعوا) الرعايا والاتباع (وتقطعت بهم الاسباب) فنيت حيلهم ، ولا يقدرون على النجاة من عذاب الله بشئ (وقال الذين اتبعوا) الاتباع (لو أن لناكرة) يتمنون لو كان لهم كرة : رجعة إلى الدنيا (فنتبرأ منهم) هناك (كما تبرءوا منا) ههنا .
  قال الله عزوجل : (كذلك) ـ كما ـ تبرأ بعضهم من بعض (يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم) وذلك أنهم عملوا في الدنيا لغير الله، فيرون أعمال غيرهم التي كانت لله قد عظم الله ثواب أهلها ، ورأوا أعمال أنفسهم لا ثواب لها اذ كانت لغير الله، أو كانت على غير الوجه الذي أمر الله به .
  قال الله تعالى (وما هم بخارجين من النار) كان عذابهم سرمدا دائما ،

--------------------
(1) ( العذاب ) ب ، س ، ق ، د . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 579 _
  وكانت ذنوبهم كفرا ، لا تلحقهم شفاعة نبي ، ولا وصي ، ولا خير من خيار شيعتهم (1) .
  341 ـ قال على بن الحسين (عليه السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما من عند ولا أمة زال عن ولايتنا ، وخالف طريقتنا ، وسمى غيرنا بأسمائنا وأسماء خيار أهلنا الذي اختاره الله للقيام بدينه ودنياه ، ولقبه بألقابنا وهو لذلك يلقبه معتقدا ، لا يحمله على ذلك تقية خوف ، ولا تدبير مصلحة دين ، الا بعثه الله يوم القيامة ومن كان قد اتخذه من دون الله وليا ، وحشر اليه الشياطين الذين كانوا يغوونه .
  فقال ـ له ـ : يا عبدي أربا معي ، هؤلاء كنت تعبد ؟ واياهم كنت تطلب ؟ فمنهم فاطلب ثواب ماكنت تعمل ، لك معهم عقاب اجرائك (2) .
  ثم يأمر الله تعالى أن يحشر الشيعة الموالون لمحمد وعلي وآلهما (عليهم السلام) ممن كان في تقية لا يظهر ما يعتقده ، وممن لم يكن عليه تقية ، وكان يظهر ما يعتقده .
  فيقول الله تعالى : انظروا حسنات شيعة محمد وعلي فضاعفوها .
  قال : فيضاعفون (3) حسناتهم أضعافا مضاعفة .
  ثم يقول الله تعالى : انظروا ذنوب شيعة محمد وعلي .
  فينظرون : فمنعم من قلت ذنوبه فكانت مغمورة في طاعاته ، فهؤلاء السعداء مع الاولياء والاصفياء .
  ومنهم من كثرت ذنوبه وعظمت ، فيقول الله تعالى : قدموا الذين كانوا لا تقية عليهم من أولياء محمد وعلي ، فيقدمون .
  فيقول الله تعالى : انظروا حسنات عبادي هؤلاء النصاب الذين اتخذوا الانداد من دون محمد وعلي ومن دون خلفائهم ، فاجعلوها لهؤلاء المؤمنين ، لما كان

--------------------
(1) عنه البحار : 7/ 188 صدر ح 51 ، وج 9/ 186 ح 16 .
(2) ( اجرامك ) س ، ق ، د والبحار .
(3) ( فتضاعف ) س ، والبحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _580 _
  من اغتيابهم (1) لهم بوقيعتهم فيهم ، وقصدهم إلى أذاهم فيفعلون ذلك ، فتصير حسنات النواصب لشيعتنا الذين لم يكن عليهم تقية .
  ثم يقول : انظروا إلى سيئات شيعة محمد وعلي ، فان بقيت لهم علي هؤلاء النصاب بوقيعتهم فيهم زيادات ، فاحملوا على اولئك النصاب بقدرها من الذنوب التي لهؤلاء الشيعة .
  فيفعل ذلك .
  ثم يقول الله عزوجل : ائتوا بالشيعة المتقين لخوف الاعداء ، فافعلوا في حسناتهم وسيئاتهم ، وحسنات هؤلاء النصاب وسيئاتهم ما فعلتم بالاولين .
  فيقول النواصب : يا ربنا هؤلاء كانوا معنا في مشاهدنا حاضرين ، وبأقاويلنا قائلين ، ولمذاهبنا معتقدين! فيقال : كلا والله يا أيها النصاب ماكانوا لمذاهبكم معتقدين ، بل كانوا بقلوبهم لكم إلى الله مخالفين ، وان كانوا بأقوالكم قائلين ، وبأعمالكم عاملين للتقية منكم معاشر الكافرين ، قد اعتددنا لهم بأقاويلهم وأفاعيلهم اعتدادنا بأقاويل المطيعين وأفاعيل المحسنين ، اذ كانوا بأمرنا عاملين : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فعند ذلك تعظم حسرات النصاب اذا رأوا حسناتهم في موازين شيعتنا أهل البيت ، ورأوا سيئات شيعتنا على ظهور معاشر النصاب ، وذلك قوله عزوجل (كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم) (2) .
  قوله عزوجل : ( يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين * انما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ما لا تعلمون :) 168 ـ 169 .
  342 ـ قال الامام (عليه السلام) قال الله عزوجل : (يا أيها الناس كلوا مما في

--------------------
(1) ( اغتيالهم ) س ، ق ، د ، والبحار .
(2) عنه البحار : 7/ 189 ذ ح 51 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 581_
الارض) من أنواع ثمارها وأطعمتها (حلالا طيبا) لكم اذا أطعتم ربكم في تعظيم من عظمه ، والاستخفاف بمن أهانه وصغره (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ما يخطو بكم اليه ، ويغركم به من مخالفة من جعله الله رسولا أفضل المرسلين ، وأمره بنصب من جعله الله أفضل الوصيين ، وسائر من جعل خلفاءه وأولياءه .
  (انه لكم عدو مبين) يبين لكم العداوة ، ويأمركم إلى مخالفة أفضل النبيين ومعاندة أشرف الوصيين .
  (انما يأمركم) الشيطان (بالسوء) بسوء المذهب والاعتقاد في خير خلق الله ـ محمد رسول الله ـ وجحود ولاية أفضل أولياء الله بعد محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) بامامة (1) من لم يجعل الله له في الامامة حظا ، ومن جعله من أراذل أعدائه وأعظمهم كفرا ـ به ـ (2) .
  343 ـ قال على بن الحسين (عليهما السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فضلت على الخلق أجمعين ، وشرفت على جميع النبيين ، واختصصت بالقرآن العظيم ، واكرمت بعلي سيد الوصيين ، وعظمت بشيعته خير شيعة النبيين والوصيين .
  وقيل لي : يا محمد قايل نعمائي عليك بالشكر الممتري (3) للمزيد .
  فقلت : يا ربي وما أفضل ما اشكرك به ؟ فقال لي : يا محمد أفضل ذلك بثك (4) فضل أخيك علي ، وبعثك (5) سائر عبادي على تعظيمه وتعظيم شيعته ، وأمرك اياهم أن لا يتوادوا الا في ، ولا يتباغضوا

--------------------
(1) ( باقامة ) ب ، س ، ق ، د .
(2) عنه البحار : 24/ 379 صدر ح 106 ، وج 65/ 156 ح 27 قطعة ، مستدرك الوسائل : 3/ 103 باب 1 ح 1 قطعة .
(3) امترى الشئ : استخرجه .
(4) بث الخبر : أذاعه ، ونشره .
(5) بعثه على الشئ : حمله على فعله ، واستظهرها في ( ص ) حثك : حث الرجل على الامر : نشطه على فعله . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _582 _
  الا في ، ولا يوالوا ولا يعادوا الا في ، وأن ينصبوا الحرب لابليس وعتاة مردته الداعين إلى مخالفتي وأن يجعلوا جنتهم (1) منهم العداوة لاعداء محمد وعلي ، وأن يجعلوا أفضل سلاحهم على ابليس وجنوده تفضيل محمد على جميع النبيين ، وتفضيل علي على سائر امته أجمعين ، واعتقادهم بأنه الصادق لا يكذب ، والحكيم لا يجهل ، والمصيب لا يغفل ، والذي بمحبته تثقل موازين المؤمنين ، وبمخالفته تخف موازين الناصبين ، فاذا هم فعلوا ذلك كان ابليس وجنوده المردة أخسا المهزومين وأضعف الضعيفين (2) .
  قوله عزوجل : ( واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون : ) 170 .
  344 ـ قال الامام (عليه السلام) : وصف الله هؤلاء المتبعين لخطوات الشيطان فقال (واذا قيل لهم) تعالوا إلى ما أنزل الله في كتابه من وصف محمد (صلى الله عليه وآله) ، وحلية علي (عليه السلام) ، ووصف فضائله ، وذكر مناقبه والى الرسول ، وتعالوا إلى الرسول لتقبلوا منه ما يأمركم به قالوا : ( حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمذهب ) فاقتدوا بآبائهم (3) في مخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنابذة علي ولي الله، قال الله عزوجل : (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون) ـ لا يعلمون ـ (شيئا ولا يهتدون) إلى شئ من الصواب (4) .
  345 ـ قال على بن الحسين (عليهما السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا عباد الله اتبعوا أخي ووصيي علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأمر الله، ولا تكونوا كالذين اتخذوا

--------------------
(1) الجنة ـ بالضم ـ : كل ما وقى من السلاح ، الترس .
(2) عنه البحار : 24/ 279 ذ ح 106 ، واثبات الهداة : 3/ 577 ح 669) قطعة .
(3) ( بدين آبائهم ) البحار .
(4) عنه البحار : 24/ 380 صدر ح 107 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 583_
  أربابا من دون الله تقليدا لجهال آبائهم الكافرين بالله ، فان المقلد دينه ممن لا يعلم دين الله، يبوء بغضب من الله، ويكون من اسراء ابليس لعنه الله، واعلموا أن الله عزوجل جعل أخي عليا أفضل زينة عترتي ، فقال ـ الله ـ : من والاه وصافاه ووالى أولياءه وعادى أعداءه جعلته ـ من ـ أفضل زينة جناني ، ومن أشرف أوليائي وخلصائي ، ومن أدمن (1) محبتنا أهل البيت فتح الله عزوجل له من الجنة ثمانية أبوابها (2) ، وأباحه جميعها ، يدخل مما شاء منها ، وكل أبواب الجنان تناديه : يا ولي الله ألم تدخلني ؟ ألم تخصني من بيننا ؟ (3) .
  قوله عزوجل : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون ) : 171 .
  346 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل (ومثل الذين كفروا) في عبادتهم للاصنام ، واتخاذهم للانداد من دون محمد وعلي ـ صلوات الله عليهما ـ (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع) ـ يصوت بما لا يسمع ـ (الا دعاء ونداء) لا يفهم مايراد منه فيغيث المستغيث ، ويعين من استعانه (صم بكم عمي) عن الهدى في اتباعهم الانداد من دون الله، والاضداد لاولياء الله الذين سموهم بأسماء خيار خلائف الله، ولقبوهم بألقاب أفاضل الائمة الذين نصبهم الله لاقامة دين الله

--------------------
(1) أى أدام ، ( زاد من ) أ ، ص .
(2) استظهرها في ( ط ) من أبوابها ، أقول : روى الصدوق ره في الخصال : 2/ 407 ح 6 باسناده عن على (عليه السلام) أن للجنة ثمانية أبواب : باب يدخل منه النبيون والصديقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ... الحديث .
(3) عنه البحار : 24/ 380 ذ ح 107 ، ج 27/ 101 ح 62 قطعة ، واثبات الهداة : 3/ 577 ح 670 قطعة . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 584 _
  (فهم لا يعقلون) أمر الله عزوجل .
  قال علي بن الحسين (عليهما السلام) : هذا في عباد الاصنام ، وفي النصاب لاهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) نبي الله، هم أتباع ابليس وعتاة مردته ، سوف يصيرون إلى الهاوية (1) .
  347 ـ ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فان من تعوذ بالله منه أعاذه الله ـ وتعوذوا ـ من همزاته ونفخاته ونفثاته .
  أتدرون ماهي ؟ أما همزاته : فما يلقيه في قلوبكم من بغضنا أهل البيت .
  قالوا : يا رسول الله وكيف نبغضكم بعد ما عرفنا محلكم من الله ومنزلتكم؟ قال (صلى الله عليه وآله) : بأن تبغضوا أولياءنا وتحبوا أعداءنا ، فاستعيذوا بالله من محبة أعدائنا وعداوة أوليائنا ، فتعاذوا من بغضنا وعداوتنا ، فان من أحب أعداءنا فقد عادانا ونحن منه براء ، والله عزوجل منه برئ (2) .
  قوله عزوجل : ( يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ان كنتم اياه تعبدون * انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم ) 172 ـ 173 .
  348 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل : (يا أيها الذين آمنوا) بتوحيد الله، ونبوة محمد (صلى الله عليه وآله) رسول الله، وبامامة علي ولي الله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) على مارزقكم منها بالمقام على ولاية محمد وعلي ليقيكم الله تعالى بذلك شرور الشياطين المتمردة على ربها عزوجل ، فانكم كلما جددتم على أنفسكم ولاية محمد وعلي (عليهما السلام) تجدد على مردة الشياطين لعائن الله، وأعاذكم الله من نفخاتهم ونفثاتهم .

--------------------
(1) عنه البحار : 9/ 187 ح 18 ، وج 27/ 59 صدر ح 20 .
(2) عنه البحار : 27/ 59 ذ ح 20 ، ج 63/ 24 صدر ح 29 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 585_
  فلما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) قيل : يا رسول الله وما نفخاتهم ؟ قال : هي ما يتفخون به عند الغضب في الانسان الذي يحملونه على هلاكه في دينه ودنياه ، وقد ينفخون في غير حال الغضب بما يهلكون به .
  أتدرون ما أشد ما ينفخون به ؟ هو ما ينفخون بأن (1) يوهموه أن أحدا من هذه الامة فاضل علينا ، أو عدل لنا أهل البيت ، كلا ـ والله ـ بل جعل الله تعالى محمدا (صلى الله عليه وآله) ثم آل محمد فوق جميع هذه الامة ، كما جعل الله تعالى السماء فوق الارض وكما زاد نور الشمس والقمر على السهى (2) .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : وأما نفثاته : فأن يرى أحدكم أن شيئا بعد القرآن أشقى له من ذكرنا أهل البيت ومن الصلاة علينا ، فان الله عزوجل جعل ذكرنا أهل البيت شفاء للصدور ، وجعل الصلوات علينا ماحية للاوزار والذنوب ، ومطهرة من العيوب ومضاعفة للحسنات (3) .
  349 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل : (إن كنتم إياه تعبدون) ـ أي إن كنتم إياه تعبدون ـ فاشكروا نعمة الله بطاعة من أمركم بطاعته من محمد وعلي وخلفائهم الطيبين .
  ثم قال عزوجل : (إنما حرم عليكم الميتة) التي ماتت حتف أنفها بلا ذباحة من حيث أذن الله فيها (والدم ولحم الخنزير) أن تأكلوه (وما أهل به لغير الله) ما ذكر إسم غير الله عليه من الذبائح ، وهي التي يتقرب بها الكفار بأسامي أندادهم التي اتخذوها من دون الله.
  ثم قال عزوجل : (فمن اضطر) إلى شئ من هذه المحرمات (غير باغ) وهو غير باغ ـ عند الضرورة ـ على إمام هدى (ولا عاد) ولا معتد قوال بالباطل في نبوة من ليس بنبي ، أو إمامة من ليس بامام (فلا إثم عليه) في تناول هذه الاشياء (4) (إن الله غفور رحيم) ستار لعيوبكم أيها المؤمنون ، رحيم بكم حين أباح لكم

--------------------
(1) ( باذنه ) البحار : 26 .
(2) السها والسهى : كوكب خفى من بنات نعش ، ( السماء ) أ ، ص .
(3) عنه البحار : 26/ 232 صدر ح 1 ، وج 63/ 204 ذ ح 29 قطعة . وج 65/ 156 ح 28 قطعة ، ومستدرك الوسائل 2/ 404 باب 23 ح 1 .
(4) راجع الفقيه : 3/ 345 ح 4214 ، عنه الوسائل : 16/ 389 ح 3 وفى البحار : 65/ 158 ـ 161 بيان (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 586 _
  في الضرورة ما حرمه في الرخاء (1) .
  350 ـ قال علي بن الحسين (عليهما السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا عباد الله اتقوا المحرمات كلها واعلموا أن غيبتكم لاخيكم المؤمن من شيعة آل محمد أعظم في التحريم من الميتة ، قال الله جل وعلا : ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) (2) وإن الدم أخف عليكم ـ في تحريم أكله ـ من أن يشي أحدكم بأخيه المؤمن من شيعة محمد (3) (صلى الله عليه وآله) إلى سلطان جائر ، فانه حينئذ قد أهلك نفسه وأخاه المؤمن والسلطان الذي وشى به إليه .
  وإن لحم الخنزير أخف تحريما من تعظيمكم من صغره الله، وتسميتكم بأسمائنا أهل البيت ، وتلقبكم بألقابنا من سماه الله بأسماء الفاسقين ، ولقبه بألقاب الفاجرين وإن ما اهل به لغير الله أخف تحريما عليكم من أن تعقدوا (4) نكاحا أو صلاة جماعة بأسماء أعدائنا الغاصبين لحقوقنا إذا لم يكن عليكم منهم تقية ، قال الله عزوجل : (فمن اضطر) إلى شئ من هذه المحرمات (غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) من اضطره اللهو إلى تناول شئ من هذه المحرمات وهو معتقد لطاعة الله تعالى إذا زالت التقية فلا إثم عليه .
  وكذلك من اضطر إلى الوقيعة في بعض المؤمنين ، ليدفع عنه أو عن نفسه بذلك الهلاك من الكافرين الناصبين ، ومن وشى به أخوه المؤمن أو وشى بجماعة من المسلمين ليهلكهم ، فانتصر لنفسه ووشى به وحده بما يعرفه من عيوبه التي لا يكذب فيها ، ومن عظم مهانا في حكم الله، أو أوهم الازراء على عظيم في دين الله للتقية عليه وعلى نفسه ، ومن سماه بالاسماء الشريفة خوفا على نفسه ، ومن تقبل أحكامهم تقية ، فلا إثم عليه في ذلك ، لان الله تعالى وسع لهم في التقية ، (5) .

--------------------
(1) عنه البحار : 26/ 233 ضمن ح 1 ، و 65/ 158 ح 36 وص 325 ح 34 ، ومستدرك الوسائل : 2/ 80 باب 40 ح 5 قطعة .
(2) الحجرات : 12 .
(3) ( آل محمد ) البحار .
(4) كذا استظهرها في ( ط ) ، ( تعتقدوا ) الاصل والبحار .
(5) عنه البحار : 26/ 234 ضمن ح 1 ، وج 75/ 258 ح 52 ، ومستدرك الوسائل : 2/ 105 باب 132 ح 1 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 587_
  351 ـ نظر الباقر (عليه السلام) إلى بعض شيعته وقد دخل خلف بعض لمخالفين (1) إلى الصلاة وأحسن الشيعي بأن الباقر (عليه السلام) قد عرف ذلك منه ، فقصده وقال : أعتذر إليك يابن رسول الله من صلاتي خلف فلان ، فاني أتقيه ، ولو لا ذلك لصليت وحدي .
  قال له الباقر (عليه السلام) : يا أخي إنما كنت تحتاج أن تعتذر لو تركت ، يا عبدالله المؤمن مازالت ملائكة السماوات السبع والارضين السبع تصلي عليك ، وتلعن إمامك ذاك وإن الله تعالى أمر أن تحسب لك صلاتك خلفه للتقية بسبعمائة صلاة لو صليتها وحدك فعليك بالتقية ، واعلم أن الله تعالى يمقت تاركها كما يمقت المتقي منه ، فلا ترض لنفسك أن تكون منزلتك عند الله كمنزلة أعدائه .
  (2) قوله عزوجل : ( ان الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا اولئك ما يأكلون في بطونهم الا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم * اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار * ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وان الذين اختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد ) : 174 ـ 176 .

في عقاب من كتم شيئا من فضائلهم (عليهم السلام) :

  352 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل في صفة الكاتمين لفضلنا أهل البيت : (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) المشتمل على ذكر فضل محمد (صلى الله عليه وآله) على جميع النبيين ، وفضل علي (عليه السلام) على جميع الوصيين (ويشترون به ـ بالكتمان ـ ثمنا قليلا) يكتمونه ليأخذوا عليه عرضا من الدنيا يسيرا ، وينالوا به في الدنيا عند

--------------------
(1) ( المنافقين ) ب ، س ، ط ، ق ، د .
(2) عنه البحار : 26/ 235 ذ ح 1 ، وج 88/ 89 ح 52 قطعة ، ومستدرك الوسائل : 1/ 489 باب 5 ح 1 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _588_
  جهال عباد الله رياسة .
  قال الله تعالى : ( اولئك ما يأكلون في بطونهم ـ يوم القيامة ـ الا النار ) بدلا من ـ إصابتهم ـ (1) اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق .
  (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) بكلام خير بل يكلمهم بأن يلعنهم ويخزيهم ويقول : بئس العباد أنتم ، غيرتم ترتيبي ، وأخرتم من قدمته ، وقدمتم من أخرته وواليتم من عاديته ، وعاديتم من واليته .
  (ولا يزكيهم) من ذنوبهم ، لان الذنوب إنما تذوب وتضمحل إذا قرن بها موالاة محمد وعلي وآلهما الطيبين (عليهم السلام) فأما ما يقرن بها الزوال عن موالاة محمد وآله ، فتلك ذنوب تتضاعف ، وأجرام تتزايد ، وعقوباتها تتعاظم .
  (ولهم عذاب أليم) موجع في النار .
  (اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) أخذوا الضلالة عوضا عن الهدى والردى في دار البوار بدلا من السعادة في دار القرار ومحل الابرار .
  (والعذاب بالمغفرة) اشتروا العذاب الذي استحقوه بموالاتهم لاعداء الله بدلا من المغفرة التي كانت تكون لهم لو والوا أولياء الله (فما أصبرهم على النار) ما أجرأهم على عمل يوجب عليهم عذاب النار .
  (ذلك) يعني ذلك العذاب الذي وجب على هولاء بآثامهم وإجرامهم لمخالفتهم لامامهم ، وزوالهم عن موالاة سيد خلق الله بعد محمد نبيه ، أخيه وصفيه .
  (بأن الله نزل الكتاب بالحق) نزل الكتاب الذي توعد فيه من مخالف المحقين وجانب الصادقين ، وشرع في طاعة الفاسقين ، نزل الكتاب بالحق أن ما يوعدون به يصيبهم ولا يخطئهم .
  (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) فلم يؤمنوا به ، قال بعضهم : إنه سحر ، بعضهم :

--------------------
(1) أصاب من الشئ : أخذ وتناول . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 589 _
  إنه شعر ، وبعضهم : إنه كهانة (لفي شقاق بعيد) مخالفة بعيدة عن الحق ، كأن الحق في شق وهم في شق غيره يخالفه .
  قال على بن الحسين (عليهما السلام) : هذه أحوال من كتم فضائلنا ، وجحد حقوقنا وسمى (1) بأسمائنا ، ولقب (2) بألقابنا وأعان ظالمنا على (3) غضب حقوقنا ، ومالا (4) علينا أعداءنا ، والتقية ـ عليكم ـ لا تزعجه ، والمخافة على نفسه وماله وحاله (5) لا تبعثه فاتقوا الله معاشر شيعتنا ، لا تستعملوا الهوينا (6) ولا تقية عليكم ، ولا تستعملوا المهاجرة والتقية تمنعكم ، وساحدثكم في ذلك بما يردعكم ويعظكم : دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان من أصحابه ، فوطئ أحدهما على حية فلدغته ، ووقع على الآخر في طريقه من حائط عقرب فلسعته (7) وسقطا جميعا فكأنهما لما بهما يتضرعان ويبكيان ، فقيل لامير المؤمنين (عليه السلام) .
  فقال : دعوهما فانه لم يحن حينهما ، ولم تتم محنتهما ، فحملا إلى منزليهما ، فبقيا عليلين أليمين في عذاب شديد شهرين .
  ثم إن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعث إليهما ، فحملا إليه ، والناس يقولون : سيموتان على أيدي الحاملين لهما .
  فقال لهما : كيف حالكما ؟ قالا : نحن بألم عظيم ، وفي عذاب شديد .
  قال لهما : استغفرا الله من ـ كل ـ ذنب أداكما إلى هذا ، وتعوذا بالله مما يحبط أجركما ، ويعظم وزركما ، قالا : وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ؟

--------------------
(1) ( تسمى ) ب ، س ، ق ، د والبحار .
(2) ( تلقب ) ب ، س ، ق ، د ، والبحار .
(3) ( و ) أ .
(4) مالاه على الامر : ساعده وعاونه .
(5) ( اخوانه ) البحار .
(6) الهوينا : تصغير الهونى ، تأنيث الاهون ، وهو الرفق واللين في أمرالدين .
(7) ( فلذعته ) أ ، اللذع واللسع سواء ، قيل : اللدغ بالفم واللسع بالذنب ، قال الازهرى : المسموع من العرب أن اللسع لذوات الابر من العقارب والزنابير وأما الحيات فانها تنهش وتعض وتجذب وتنشط ، (لسان العرب : 8/ 318 وص 447) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _590 _
  فقال ـ علي ـ (عليه السلام) : ما اصيب واحد منكما إلا بذنبه : أما أنت يا فلان ـ وأقبل على أجدهما ـ فتذكر يوم غمز على سلمان الفارسي ـ رحمه الله ـ فلان وطعن عليه لموالاته لنا ، فلم يمنعك من الرد والاستخفاف به خوف على نفسك ولا على أهلك ولا على ولدك ومالك ، أكثر من أنك استحييته ، فلذلك أصابك .
  فان أردت أن يزيل الله مابك ، فاعتقد أن لا ترى مزرئا (1) على ولي لنا تقدرعلى نصرته بظهر الغيب إلا نصرته ، إلا أن تخاف على نفسك أو أهلك أو ولدك أو مالك .
  وقال للاخر : فأنت ، أفتدري لما أصابك ما أصابك ؟ قال : لا .
  قال أما تذكر حيث أقبل قنبر خادمي وأنت بحضرة فلان العاتي (2) ، فقمت إجلالا له لا جلالك لي ؟ فقال لك : وتقوم لهذا بحضرتي ؟! فقلت له : ومابالي لا أقوم وملائكة الله تضع له أجنحتها في طريقه ، فعليها يمشي .
  فلما قلت هذا له ، قام إلى قنبر وضربه ، وشتمه ، وآذاه ، وتهدده وتهددني ، وألزمني الاغضاء على قذى (3) ، فلهذا سقطت عليك هذه الحية .
  فان ، أردت أن يعافيك الله تعالى من هذا ، فاعتقد أن لاتفعل بنا ، ولا بأحد من موالينا بحضرة أعدائنا ما يخاف علينا وعليهم منه .
  اما ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مع تفضيله لي لم يكن يقوم لي عن مجلسه إذا حضرته كما ـ كان ـ يفعله ببعض من لايعشر (4) معشار جزء من مائة ألف جزء من إيجابه (5) لي لانه علم أن ذلك يحمل بعض أعداء الله على ما يغمه ، ويغمني

--------------------
(1) أى معيبا .
(2) أى الجبار .
(3) يقال ( فلان يغضى على القذى ) أى يحتمل الضيم ولا يشكو ، أغضى عينه : طبق جفنيها حتى لا يبصر شيئا ، والقذى : ما يقع في العين ، قال المجلسى (ره) : وهو كناية عن الصبر على الشدائد : وفى بعض النسخ ( وألزمنى (لزمنى) على اغضاء فلهذا القذى ) وفى اخرى ( ألزمنى الاغضاء على قلبى ) .
(4) ( يقيس ) البحار .
(5) ( اجابة ) أ ، ص . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 591_
  ويغم المؤمنين ، وقد كان يقوم لقوم لايخاف على نفسه ولا عليهم مثل ما خاف علي لو فعل ذلك بي (1) .
  قوله عزوجل : ( ليس البران تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكوة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون ) : 177 .
  353 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال علي بن الحيسن (عليهما السلام) : (ليس البر أن تولوا) الآية قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فضل عليا (عليه السلام) وأخبر عن جلالته عند ربه عزوجل ، وأبان عن فضائل شيعته وأنصار دعوته ، ووبخ اليهود والنصارى على كفرهم ، وكتمانهم لذكر محمد وعلي وآلهما (عليهم السلام) في كتبهم بفضائلهم ومحاسنهم ، فخرت اليهود والنصارى عليهم .
  فقالت اليهود ( : قد صلينا إلى قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة ، وفينا من يحيي الليل صلاة إليها ، وهي قبلة موسى التي أمرنا بها .
  وقالت النصارى : قد صلينا إلى قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة ، وفينا من يحيي الليل صلاة إليها ، وهي قبلة عيسى التي أمرنا بها .
  وقال كل واحد من الفريقين : أترى ربنا يبطل أعمالنا هذه الكثيرة ، صلواتنا إلى قبلتنا لانا لانتبع محمدا على هواه في نفسه وأخيه ؟ !

--------------------
(1) عنه البحار : 7/ 213 ح 115 قطعة ، وح 26/ 235 ح 2 ، ومستدرك الوسائل : 2/ 392 باب 40 ح 1 من قوله ( دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام)... ) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 592 _
  فأنزل الله تعالى : قل يا محمد (صلى الله عليه وآله) (ليس البر) الطاعة التي تنالون بها الجنان وتستحقون بها الغفران والرضوان .
  (أن تولوا وجوهكم) بصلاتكم (قبل المشرق) أيها النصارى ، (و) قبل (المغرب) أيها اليهود ، وأنتم لامر الله مخالفون وعلى ولي الله مغتاظون .
  (ولكن البر من آمن بالله) بأنه (1) الواحد الاحد ، الفرد الصمد ، يعظم من يشاء ويكرم من يشاء ، ويهين من يشاء ويذله ، لا راد لامره ، ولا معقب لحكمه وآمن ب (اليوم الآخر) يوم القيامة التي أفضل من يوافيها (2) محمد سيد المرسلين (3) وبعده علي أخوه ووصيه (4) سيد الوصيين ، والتي لا يحضرها من شيعة محمد أحد إلا أضاءت فيها أنواره ، فسار فيها إلى جنات النعيم ، هو وإخوانه وأزواجه وذرياته والمحسنون إليه ، والدافعون في الدنيا عنه ، ولا يحضرها من أعداء محمد أحد إلا غشيته ظلماتها فيسير فيها إلى العذاب الاليم هو وشركاؤه في عقده ودينه ومذهبه ، والمتقربون كانوا في الدنيا إليه لغير تقية لحقتهم ـ منه ـ .
  والتي تنادي الجنان فيها: إلينا ، إلينا أولياء محمد وعلي وشيعتهما ، وعنا عنا أعداء محمد وعلي وأهل مخالفتهما .
  وتنادي النيران : عنا عنا أولياء محمد وعلي وشيعتهما ، وإلينا إلينا أعداء محمد وعلي وشيتهما .
  يوم تقول الجنان : يا محمد ويا علي إن الله تعالى أمرنا بطاعتكما ، وأن تأذنا في الدخول إلينا من تدخلانه ، فاملا انا بشيعتكما ، مرحبا بهم وأهلا وسهلا .
  وتقول النيران : يا محمد ويا علي إن الله تعالى أمرنا بطاعتكما ، وأن يحرق بنا

--------------------
(1) ( يعنى بأنه ) ق ، د ، ط .
(2) ( بوء فيها ) ، أو في المكان : أتاه ، بوأ المكان : حل فيه .
(3) ( النبيين ) ق ، د .
(4) ( صفيه ) البحار : ق ، د 9 و 26 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 593_
  من تأمراننا بحرقه ، فاملا انا بأعدائكما .
  (والملائكة) ومن آمن بالملائكة بأنهم عباد معصومون ، لا يعصون الله عزوجل ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، وإن أشرف أعمالهم في مراتبهم التي قد رتبوا فيها من الثرى إلى العرش الصلاة على محمد وآله الطيبين ، واستدعاء رحمة الله ورضوانه لشيعتهم المتقين ، واللعن للمتابعين لاعدائهم المجاهرين والمنافقين .
  (والكتاب) ويؤمنون بالكتاب الذي أنزل الله، مشتملا على ذكر فضل محمد وعلي (عليهما السلام) سيد (المسلمين والوصيين) (1) والمخصوصين بمالم يخص به أحدا من العالمين ، وعلى ذكر فضل من تبعهما وأطاعهما من المؤمنين ، وبغض من خالفهما من المعاندين والمنافقين .
  (والنبيين) ـ ومن ـ آمن بالنبيين أنهم أفضل خلق الله أجمعين ، وأنهم كلهم دلوا على فضل محمد سيد المرسلين ، وفضل علي سيد الوصيين ، وفضل شيعتهما على سائر المؤمنين بالنبيين ؟ وبأنهم كانوا بفضل محمد وعلي (2) معترفين ولهما بما خصهما ـ الله ـ به مسلمين ، وإن الله تعالى أعطى محمدا (صلى الله عليه وآله) من الشرف والفضل مالم تسم إليه نفس أحد من النبيين إلا نهاه الله تعالى عن ذلك وزجره وأمره أن يسلم لمحمد وعلي وآلهما الطيبين فضلهم ، وأن الله قد فضل محمدا بفاتحة الكتاب على جميع النبيين ، وما أعطاها أحدا قبله إلا ما أعطى سليمان بن داود (عليه السلام) منها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فرآها أشرف من جميع ممالكه التي أعطيها .
  فقال : يارب ما أشرفها من كلمات إنها لآثر عندي من جميع ممالكي التي وهبتها لي .
  قال الله تعالى : يا سليمان وكيف لا يكون كذلك وما من عبد ولا أمة سماني بها إلا أوجبت له من الثواب ألف ضعف ما أوجب لمن تصدق بألف ضعف ممالكك .

--------------------
(1) ( المرسلين ) ص ، ( المسلمين وعلى ) ق ، د .
(2) زاد في بعض النسخ ( وآلهما ) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 594 _
  يا سليمان ، هذه سبع ما أهبه (1) لمحمد سيد النبيين ، تمام فاتحة الكتاب إلى آخرها .
  فقال : يا رب أتأذن لي أن أسألك تمامها ؟ قال الله تعالى : يا سليمان اقنع بما أعطيتك ، فلن تبلغ شرف محمد ، وإياك أن تقترح علي درجة محمد وفضله وجلاله ، فاخرجك عن ملكك كما أخرجت آدم عن تلك الجنان (2) لما اقترح درجة محمد في الشجرة التي أمرته أن لا يقربها ، يروم أن يكون له فضلهما ، وهي شجرة أصلها محمد ، وأكبر أغصانها علي ، وسائر أغصانها آل محمد على قدر مراتبهم ، وقضبانها شيعته وأمته على ـ قدر ـ مراتبهم وأحوالهم ، إنه ليس لاحد (يا سليمان من درجات الفضائل عندي ما لمحمد) (3) .
  فعند ذلك قال سليمان : يا رب قنعني بما رزقتني .
  فأقنعه .
  فقال : يا رب سلمت ورضيت ، وقنعت وعلمت أن ليس لاحد مثل درجات محمد .
  (وآتى المال على حبه) أعطى في الله المستحقين من المؤمنين على حبه للمال وشدة حاجته إليه ، يأمل الحياة ويخشى الفقر ، لانه صحيح شحيح .
  (ذوي القربى) أعطى لقرابة النبي الفقراء هدية أوبرا لا صدقة ، فان الله عزوجل قد أجلهم عن الصدقة ، وآتى قرابة نفسه صدقة وبرا وعلى أي سبيل أراد .
  (واليتامى) وآتى اليتامى من بني هاشم الفقراء برا ، لا صدقة ، وآتى يتامى غيرهم صدقة وصلة .
  (والمساكين) مساكين الناس .
  (وابن السبيل) المجتاز المنقطع به لا نفقة معه .
  (والسائلين) الذين يتكففون ويسألون الصدقات .

--------------------
(1) ( أوهبه ) أ ، أوهب لك الشئ ، أمكنك أن تأخذه وتناله .
(2) ( ملك التيجان ) البحار : 24 .
(3) ( مثل درجات محمد ) ب ، س ، ق ، د ، والبحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 595 _
  (وفى الرقاب) المكاتبين يعينهم (1) ليؤدوا فيعتقوا .
  قال : فان لم يكن له مال يحتمل المواساة ، فليجدد الاقرار بتوحيد الله، ونبوة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وليجهر بتفضيلنا ، والاعتراف بواجب حقوقنا أهل البيت وبتفضيلنا على سائر ـ آل ـ (2) النبيين وتفضيل محمد على سائر النبيين ، وموالاة أوليائنا ، ومعاداة أعدائنا ، والبراءة منهم كائنا من كان ، آباءهم وأمهاتهم وذوي قراباتهم وموداتهم ، فان ولاية الله لا تنال إلا بولاية أوليائه ومعاداة أعدائه .
  (وأقام الصلوة) قال : والبر ، بر من أقام الصلاة بحدودها ، وعلم أن أكبر حدودها الدخول فيها ، والخروج منها معترفا بفضل محمد (صلى الله عليه وآله) سيد عبيده وإمائه والموالاة لسيد الاوصياء وأفضل الاتقياء علي سيد الابرار ، وقائد الاخيار ، وأفضل أهل دار القرار بعد النبي الزكي (3) المختار .
  (وآتى الزكوة) الواجبة عليه لا خوانه المؤمنين ، فان لم يكن له مال يزكيه فزكاة بدنه وعقله ، وهو أن يجهر بفضل علي والطيبين من آله إذا قدر ، ويستعمل التقية عند البلايا إذا عمت ، والمحن إذا نزلت ، والاعداء إذا غلبوا ، ويعاشر عباد الله بما لا يثلم دينه ، ولا يقدح في عرضه .
  وبما يسلم معه دينه ودنياه ، فهو باستعمال التقية يوفر نفسه على طاعة مولاه ، ويصون عرضه الذي فرض الله ـ عليه ـ صيانته ، ويحفظ على نفسه أمواله التي قد جعلها الله له قياما ، ولدينه وعرضه وبدنه قواما ، ولعن المغضوب عليهم الآخذين من الخصال بأرذلها ، ومن الخلال بأسخطها لدفعهم الحقوق عن أهلها وتسليمهم الولايات إلى غير مستحقها .
  ثم قال : (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) قال : ومن أعظم عهودهم أن لا يستروا ما يعلمون من شرف من شرفه الله، وفضل من فضله الله، وأن لا يضعوا الاسماء الشريفة على من لا يستحقها من المقصرين والمسرفين الضالين الذين ضلوا عمن دل الله

--------------------
(1) ( يغنيهم ) أ ، ص .
(2) من البحار : 96 .
(3) ( الولى ) أ ، ص . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 596_
  عليه بدلالته واختصه بكراماته ، الواصفين له بخلاف صفاته ، والمنكرين لما عرفوا من دلالاته وعلاماته ، الذين سموا بأسمائهم من ليسوا بأكفائهم من المقصرين المتمردين .
  ثم قال : (والصابرين في البأساء) يعني في محاربة الاعداء ، ولا عدو يحاربه أعدى من إبليس ومردته ، يهتف (1) به ، ويدفعه وإياهم بالصلاة على محمد وآله الطيبين (عليهم السلام) .
  (والضراء) الفقر والشدة ، ولا فقر أشد من فقر المؤمن ، يلجأ إلى التكفف (2) من أعداء آل محمد ، يصبر على ذلك ، ويرى ما يأخذه من ماله مغنما يلعنهم به ، ويستعين بما يأخذه على تجدد ذكر ولاية الطيبين الطاهرين .
  (وحين البأس) عند شدة القتال يذكر الله، ويصلى على محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي ولي الله، ويوالي بقلبه ولسانه أولياء الله، ويعادي كذلك أعداء الله.
  قال الله عزوجل : (اولئك) أهل هذه الصفات التي ذكرها ، والموصوفون بها الذين صدقوا) في إيمانهم فصدقوا أقاويلهم بأفاعيلهم .
  (وأولئك هم المتقون) لما أمروا باتقائه من عذاب النار ، ولما أمروا باتقائه من شرور النواصب الكفار (3) .
  قوله عزوجل : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء اليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حيوة يا اولى الالباب لعلكم تتقون ) : 178 ـ 179

--------------------
(1) الهتف : الصوت الجافى العالى .
(2) تكفف الناس : مد كفه اليهم .
(3) عنه البحار : 8/ 55 ح 63 ، ج 9/ 187 ح 19 : وج 24/ 381 ح 108 ، وج 84/ 45 وج 92/ 8257 ح 49 ، وج 94/ 62 و 50 وج 96/ 69 ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 1/ 390 باب 31 ح 36 وص 391 ح 37 قطعات . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 597_
  354 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال على بن الحسين (عليهما السلام) .
  (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) يعني المساواة ، وأن يسلك بالقاتل طريق المقتول الذي سلكه به لما قتله (الحر بالحر والعبد بالعبد والاثنى بالانثى) تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها .
  (فمن عفي له من أخيه شئ) فمن عفى له ـ القاتل ـ ورضي هو وولي المقتول أن يدفع الدية وعفى عنه بها (فاتباع) من الولي (المطالبة و) تقاص (بالمعروف وأداء) من (المعفو له) القاتل (باحسان) لا يضاره ولا يماطله ـ لقضائها ـ (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) إذا أجاز أن يعفو ولي المقتول عن القاتل على دية يأخذها ، فانه لو لم يكن له إلا القتل أو العفو لقلما طاب نفس ولي المقتول بالعفو بلا عوض يأخذه فكان قلما يسلم القاتل من القتل .
  (فمن اعتدى بعد ذلك) من اعتدى بعد العفو عن القتل بما يأخذه من الدية فقتل القاتل بعد عفوه عنه بالدية التي بذلها ورضي هو بها (فله عذاب أليم) في الآخرة عند الله عزوجل ، وفي الدنيا القتل بالقصاص لقتله من لا يحل له قتله .
  قال الله عزوجل : (ولكم) يا أمة محمد (في القصاص حيوة) لان من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه ، فكف لذلك عن القتل كان حياة للذي ـ كان ـ هم بقتله ، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل ، وحياة لغيرهما من الناس ، إذا علموا أن القصاص واجب لا يجرأون على القتل مخافة القصاص (يا أولي الالباب) أولي العقول ( لعلكم تتقون ) (1) .
  355 ـ قال على الحسين (عليهما السلام) : عباد الله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا

--------------------
(1) عنه الوسائل : 19/ 38 ح 8 والبحار : 104/ 388 ح 12 ، ورواه في الاحتجاج : 2/ 50 باسناده عن على بن الحسين (عليهما السلام) (من قوله : ولكم يا امة محمد) الوسائل المذكور ص 38 ح 6 والبحار المذكور ص 370 ح 4 وج 72/ 220 ح 7 والبرهان : 1/ 177 ح 1 (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _598_
  وتفنون روحه ، أولا أنبئكم بأعظم من هذا القتل ، وما يوجب ـ الله ـ على قاتله مما هو أعظم من هذا القصاص ؟ قالوا : بلى يابن رسول الله.
  قال : أعظم من هذا القتل أن تقتله قتلا لا ينجبر ، ولا يحيى بعده أبدا .
  قالوا : ما هو ؟ قال : أن تضله عن نبوة محمد وعن ولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما وتسلك به غير سبيل الله، وتغريه (1) باتباع طريق أعداء علي (عليه السلام) والقول بامامتهم ودفع علي عن حقه ، وجحد فضله ، ولا تبالي باعطائه واجب تعظيمه .
  فهذا هو القتل الذي هو تخليد هذا المقتول في نار جهنم ، خالدا مخلدا أبدا فجزاء هذا القتل مثل ذلك الخلود في نار جهنم (2) .
  356 ـ ولقد جاء رجل يوما إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) برجل يزعم أنه قاتل أبيه فاعترف ، فأوجب عليه القصاص ، وسأله أن يعفو عنه ليعظم الله ثوابه ، فكأن نفسه لم تطب بذلك .
  فقال علي بن الحسين (عليه السلام) للمدعي ولي الدم المستحق للقصاص : إن كنت تذكر لهذا الرجل عليك حقا (3) فهب له هذه الجناية ، واغفر له هذا الذنب .
  قال : يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) له علي حق ولكن لم يبلغ ـ به ـ أن أعفو له عن قتل والدي .
  قال : فتريد ماذا ؟ قال : أريد القود (4) فان أراد لحقه علي أن أصالحه على الدية صالحته وعفوت عنه .

--------------------
(1) ( تغويه ) أ ، أغوى الرجل : أضله .
(2) عنه البحار : 2/ 23 ح 69 ، ورواه في الاحتجاج : 2/ 50 باسناده عن على بن الحسين (عليهما السلام) ، عنه البحار : 72/ 220 ح 7 وج 104/ 370 ح 4 ، والبرهان : 1/ 177 ح 1 .
(3) ( فضلا ) الاحتجاج ، والبحار .
(4) بالتحريك : القصاص ، ومنه ( لاقود الا بالسيف ) اى لا يقام القصاص الا به . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 599 _
  قال علي بن الحسين (عليهما السلام) : فماذا حقه عليك ؟ قال : يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقنني توحيد الله ونبوة رسول الله، وإمامة علي بن أبي طالب والائمة (عليهم السلام) .
  فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) : فهذا لا يفى بدم أبيك ؟! بلى والله، هذا يفي بدماء أهل الارض كلهم من الاولين والآخرين سوى ـ الانبياء و ـ الائمة (عليهم السلام) إن قتلوا فانه لا يفي بدمائهم شئ ، أو تقنع منه بالدية ؟ قال : بلى .
  قال علي بن الحسين (عليه السلام) للقاتل : أفتجعل لي ثواب تلقينك له (1) حتى أبذل لك الدية فتنجو بها من القتل ؟ قال يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا محتاج إليها ، وأنت مستغن عنها فان ذنوبي عظيمة ، وذنبي إلى هذا المقتول أيضا بيني وبينه ، ولا بيني وبين وليه هذا .
  قال على بن الحسين (عليهما السلام) : فتستسلم للقتل أحب إليك من نزولك عن ثواب هذا التلقين ؟ قال : بلى يابن رسول الله.
  فقال على بن الحسين (عليه السلام) لولي المقتول : يا عبدالله قابل بين ذنبه هذا إليك ، وبين تطوله عليك ، قتل أباك فحرمه لذة الدنيا ، وحرمك التمتع به فيها ، على أنك إن صبرت وسلمت فرفيق أبيك (2) في الجنان ، ولقنك إلايمان فأوجب لك به جنة الله الدائمة ، وأنقذك من عذابه الدائم ، فاحسانه إليك أضعاف ـ أضعاف ـ جنايته عليك فاما أن تعفو عنه جزاءا على إحسانه إليك (3)؟! لاحدثكما بحديث من فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير لكما من الدنيا بما فيها ، وإما أن تأبى أن تعفو عنه حتى أبذل لك الدية لتصالحه عليها ، ثم أحدثه بالحديث دونك ، ولما يفوتك من ذلك الحديث خير من الدنيا بما فيها لو اعتبرت به .
  فقال الفتى : يابن رسول الله: قد عفوت عنه بلا دية ، ولا شئ إلا ابتغاء وجه الله

--------------------
(1) ( تلقينه لك ) الاصل ، وهو تصحيف واضح .
(2) ( فرفيقك أبوك ) البحار .
(3) زاد في بعض النسخ ( أضعاف جنابتة عليك ) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 600 _
  ولمسألتك في أمره ، فحدثنا يابن رسول الله بالحديث .
  قال على بن الحسين (عليهما السلام) : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما بعث إلى الناس كافة بالحق بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا ، جعلت الوفود ترد عليه ، والمنازعون يكثرون لديه ، فمن مريد قاصد للحق منصف متبين مايورده عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من آياته ويظهر له من معجزاته ، فلا يلبث أن يصير أحب خلق الله تعالى إليه وأكرمهم عليه ، ومن معاند يجحد ما يعلم ويكابره فيما يفهم ، فيبوء باللعنة على اللعنة قد صوره عناده وهو من العالمين في صورة الجاهلين .
  فكان ممن قصد رسول الله لمحاجته ومنازعته طوائف فيهم معاندون مكابرون وفيهم منصفون متبينون متفهمون ، فكان منهم سبعة نفر يهود وخمسة نصارى وأربعة صابئون وعشرة مجوس وعشرة ثنوية وعشرة براهمة وعشرة دهرية معطلة وعشرون من مشركي العرب جمعهم منزل قبل ورودهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي المنزل من خيار المسلمين نفر منهم : عمار بن ياسر ، وخباب بن الارت (1) ، والمقداد بن الاسود ، وبلال .
  فاجتمع أصناف الكافرين يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما يدعيه من الآيات ، ويذكر في نفسه من المعجزات ، فقال بعضهم : إن معنا في هذا المنزل نفرا من أصحابه ، وهلموا بنا إليهم نسألهم عنه قبل مشاهدته ، فلعلنا أن نقف من جهتهم على بعض أحواله في صدقه وكذبه ، فجاءوا إليهم ، فرحبوا بهم وقالوا : أنتم من أصحاب محمد؟ قالوا : بلى ، نحن من أصحاب محمد سيد الاولين والآخرين ، والمخصوص بأفضل شفاعات في يوم الدين ، ومن لو نشر الله تعالى جميع أنبيائه ، فحضروه لم يلقوه إلا مستفيدين من علومه، آخذين من حكمته ، ختم الله تعالى به النبيين ،

--------------------
(1) ( الارب ) ب ، ط ، ط ( الارق ) س ، ( الادب) أ ، وكلها تصحيف لما في المتن ، هو ابن جندلة بن سعد بن حزيمة بن كعب بن سعد : ... (سير أعلام النبلاء : 3/ 323) . (*)