وقال : إن بني إسرائيل لما رجع إليهم موسى ـ وقد عبدوا العجل ـ تلقوه بالرجوع عن ذلك ، فقال لهم موسى : من الذي عبده منكم حتى انفذ فيه حكم الله ؟ خافوا من حكم الله الذي ينفذه فيهم ، فجحدوا أن يكونوا عبدوه ، وجعل كل واحد منهم يقول : أنا لم أعبده وإنما عبده غيري ووشى (1) بعضهم ببعض .
   فكذلك (2) ماحكى الله عزوجل عن موسى من قوله للسامري : (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) (3) ـ فأمره الله، فبرده بالمبارد ، وأخذ سحالته فذرأها في البحر العذب ، ثم قال لهم : اشربوا منه .
  فشربوا ، فكل من كان عبده اسودت شفتاه وأنفه (ممن كان أبيض اللون ومن كان منهم أسود اللون) (4) ابيضت شفتاه وأنفه ، فعند ذلك أنفذ فيهم حكم الله.
  ثم قال الله تعالى للموجودين من بني إسرائيل في عصر محمد (صلى الله عليه وآله) على لسانه : (قل) يا محمد لهؤلاء المكذبين بك بعد سماعهم ما اخذ على أوائلهم (5) لك ولاخيك علي ولآلكما ولشيعتكما : (بئسما يأمركم به إيمانكم) أن تكفروا ـ بمحمد (صلى الله عليه وآله) ـ وتستخفوا بحق علي وآله وشيعته (إن كنتم مؤمنين) كما تزعمون بموسى (عليه السلام) والتوراة .
  قال (عليه السلام) : وذلك أن موسى (عليه السلام) ـ كان ـ وعد بني إسرائيل أنه يأتيهم من عند الله بكتاب يشتمل على أوامره ونواهيه وحدوده وفرائضه بعد أن ينجيهم الله تعالى من فرعون وقومه ، فلما نجاهم الله وصاروا بقرب الشام ، جاءهم بالكتاب من عند الله كما وعدهم وكان فيه : ( إني لا أتقبل عملا ممن لم (6) يعظم محمدا وعليا وآلهما الطيبين ولم يكرم أصحابهما وشيعتهما ومحبيهما؟؟ ؟ حق تكريمهم ، يا عبادى ألا فاشهدوا بأن محمدا خير

--------------------
(1) أى نم عليه وسعى به .
(2) ( فلذلك ) أ ، البحار .
(3) طه : 97 .
(4) ( فمن كان لم يعبده ) أ .
(5) المكذبين أ .
(6) ( لا ) ص ، والبحار .

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام)_ 427 _

  خليقتي ، وأفضل بريتي ، وأن عليا أخوه وصفيه (1) ووراث علمه ، خليفته في امته وخير من يخلفه بعده ، وأن آل محمد أفضل آل النبيين ، وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل أصحاب (2) المرسلين ، وامة محمد (صلى الله عليه وآله) خير الامم أجمعين ) .
  فقال بنو اسرائيل : لا نقبل هذا يا موسى ، هذا عظيم ، ثقيل (3) علينا ، بل نقبل من هذه الشرائع ما يخف علينا ، وإذا قبلناها قلنا : إن نبينا أفضل نبي ، وآله أفضل آل وصحابته أفضل صحابة ، ونحن امته أفضل من امة محمد ، ولسنا نعترف لقوم بالفضل لانراهم ولا نعرفهم .

رفع الطور فوق رؤوس بنى اسرائيل :
   فأمر الله تعالى جبرئيل ، فقطع بجناح من أجنحته من جبل من جبال فلسطين على قدر معسكر موسى (عليه السلام) وكان طوله في عرضه فرسخا في فرسخ .
  ثم جاء به فوقه على رؤوسهم ، وقال (4) : إما أن تقبلوا ما أتاكم به موسى (عليه السلام) ، وإما وضعت عليكم الجبل فطحطحتكم (5) تحته .
  فلحقهم من الجزع والهلع ما يلحق أمثالهم ممن قوبل هذه المقابلة ، فقالوا : يا موسى كيف نصنع ؟ قال موسى : اسجدوا لله على جباهكم ، ثم عفروا خدودكم اليمنى ثم اليسرى في التراب ، وقولوا : يا ربنا سمعنا وأطعنا وقبلنا واعترفنا وسلمنا ورضينا .
  قال : ففعلوا هذا الذي قال لهم موسى قولا وفعلا ، غير أن كثيرا منهم خالف قلبه ظاهر أفعاله وقال بقلبه ( سمعنا وعصينا ) مخالفا لما قاله بلسانه ، وعفروا خدودهم اليمنى ـ بالتراب ـ وليس قصدهم التذلل لله عزوجل ، والندم على ما كان منهم من الخلاف

--------------------
(1) ( وصيه ) البحار .
(2) ( صحابة ) س ، ط ، د والبحار .
(3) ( يثقل ) ب ، ق ، د ، البحار .
(4) ( فقال جبرئيل (عليه السلام) ) أ .
(5) أى أهلكتكم . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 428 _
  ولكنهم فعلوا ذلك ينظرون هل يقع عليهم الجبل أم لا ، ثم عفروا خدودهم اليسرى ينظرون كذلك ، ولم يفعلوا ذلك كما امروا .
  فقال جبرئيل لموسى (عليه السلام) أما إن أكثرهم لله تعالى عاصون ، ولكن الله عزوجل أمرني أن اازيل عنهم هذا الجبل عند ظاهر اعترافهم في الدنيا ، فان الله تعالى إنما يطالبهم في الدنيا بظواهرهم لحقن دمائهم ، وإبقاء الذمة لهم ، وإنما أمرهم إلى الله في الآخرة يعذبهم على عقودهم وضمائرهم .
  فنظر القوم إلى الجبل وقد صار قطعتين : قطعة منه صارت لؤلؤة بيضاء فجعلت تصعد وترقى حتى خرقت (1) السماوات ، وهم ينظرون إليها إلى أن صارت إلى حيث لا تلحقها أبصارهم ، وقطعة صارت نارا ووقعت على الارض بحضرتهم ، فخرقتها (2) ودخلتها وغابت عن عيونهم .
  فقالوا : ماهذان المفترقان من الجبل ؟ فرق (3) صعد لؤلؤا وفرق انحط نارا ؟ قال لهم موسى : أما القطعة التى صعدت في الهواء فانها وصلت إلى السماء وخرقتها إلى أن لحقت بالجنة .
  فاضعفت أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله، وأمر الله أن تبنى منها للمؤمنين بما في هذا الكتاب قصور ودور ومنازل ومساكن مشتملة على أنواع النعم التي وعد بها المتقين من عباده ، من الاشجار والبساتين والثمار ، والحور الحسان ، والمخلدين من الولدان كاللالئ المنثورة وسائر نعيم الجنة وخيراتها .
  وأما القطعة التى انحطت إلى الارض فخرقتها ثم التي تليها إلى أن لحقت بجهنم فاضعفت أضعافا كثيرة ، وأمر الله تعالى أن تبنى منها للكافرين بما في هذا الكتاب ، قصور ودور ومساكن ومنازل مشتملة على أنواع العذاب التي وعدها للكافرين من عباده

--------------------
(1) يقال خرق المفازة : قطعها حتى بلغ أقصاها .
(2) أى شقتها .
(3) أى بعض ، والفرق الفلق من الشئ اذا انفلق منه ، ومنه قوله تعالى ( فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) الشعراء : 63 ، (لسان العرب : 10/ 300) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 429 _
  من بحار نيرانها ، وحياض غسلينها وغساقها ، وأودية قيحها ودمائها وصديدها ، وزبانيتها بمرزباتها ، وأشجار زقومها ، وضريعها وحياتها ـ وعقاربها ـ وأفاعيها ، وقيودها وأغلالها وسلاسلها وأنكالها (1) وسائر أنواع البلايا والعذاب المعد فيها .
  ثم قال محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني إسرائيل : أفلا تخافون عقاب ربكم في جحدكم لهذه الفضائل التي اختص بها محمدا وعليا وآلهما الطيبين ؟ (2) .

في أن للرسول الله (صلى الله عليه وآله) من المعجزات ماكان للانبياء (عليهم السلام):

   292 ـ فقيل لامير المؤمنين (عليه السلام) : يا أمير المؤمنين فهذه آية موسى في رفعه الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما امروا به ، فهل كان لمحمد آية مثلها؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إي والذي بعثه بالحق نبيا ، ما من آية كانت لاحد من الانبياء من لدن آدم إلى أن انتهى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) إلا وقد كان لمحمد مثلها وأفضل منها ، ولقد كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نظير هذه الآية إلى آيات اخر ظهرت له .
  وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أظهر بمكة دعوته ، وأبان ـ عن الله عزوجل ـ مراده ، رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب إمكانهم (3) ولقد قصدته يوما ـ وإني كنت أول الناس إسلاما ، بعث يوم الاثنين ، وصليت معه يوم الثلاثاء : وبقيت معه اصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام وأيد الله تعالى دينه من بعد ـ فجاءه قوم من المشركين فقالوا له : يا محمد تزعم أنك رسول رب العالمين ثم أنك لا ترضى بذلك حتى تزعم

--------------------
(1) جمع نكل ـ بكسر النون ـ وهو القيد الشديد من أى شئ .
(2) عنه البحار : 8/ 165 ح 108 (قطعة) ، وج 13/ 238 ح 48 ، البرهان 1/ 130 ح 1 إلى قوله (انفذ فيهم حكم الله) واثبات الهداة : 3/ 576 ح 665 (قطعة) .
(3) ( مكائدهم ) الاحتجاج . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _430 _
  أنك سيدهم وأفضلهم ، ولئن كنت نبيأ فأتنا بآية كما تذكره عن الانبياء قبلك : مثال نوح الذي جاء بالغرق ، ونجا في سفينته مع المؤمنين .
  وإبراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه بردا وسلاما .
   وموسى الذي زعمت أن الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتى انقادوا لما دعاهم إليه صاغرين داخرين .
  وعيسى الذي كان ينبئه بما يأكلون و ـ ما ـ يدخرون في بيوتهم .
  وصار هؤلاء المشركون فرقا أربعة : هذه تقول: أظهر لنا (1) آية نوح (عليه السلام) .
  وهذه تقول : أظهر لنا آية موسى (عليه السلام) .
  وهذه تقول : أظهر لنا آية إبراهيم (عليه السلام) .
  وهذه تقول : أظهر لنا آية عيسى (عليه السلام) .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنما أنا نذير مبين ، آتيتكم بآية مبينة : هذا القرآن الذي تعجزون أنتم والامم وسائر العرب عن معارضته ، وهو بلغتكم فهو حجة بينة (2) عليكم وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي ، فما على الرسول إلا البلاغ المبين إلى المقرين (3) بحجة صدقه ، وآية حقه ، وليس عليه أن يقترح بعد قيام الحجة على ربه مايقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيا يقترحون ؟ فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال : يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ، ويقول : إني ساظهر لهم هذه الآيات ، وإنهم يكفرون بها إلا من أعصمه منهم ، ولكني اريهم زيادة في الاعذار والايضاح لحججك .
  قل لهؤلاء المقترحين لاية نوح : امضوا إلى جبل أبي قبيس ، فاذا بلغتم سفحه (4) فسترون آية نوح ، فاذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه .

--------------------
(1) ( لى ) أغلب النسخ ، وكذا ما يأتى .
(2) ( الله وحجة نبيه ) البحار .
(3) ( المقربين ) أ ، ب ، ص ، ط .
(4) ( سفحته ) الاصل ، السفح : عرض الجبل ، وقيل : أصله . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 431_
  وقل للفريق ـ الثانى ـ المقترحين لآية إبراهيم (عليه السلام) : امضوا إلى حيث تريدون من ظاهر مكة ، فسترون آية إبراهيم في النار ، فاذا غشيكم البلاء فسترون في الهواء امرأة قد أرسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة ، وترد عنكم النار .
  وقل للفريق الثالث : وأنتم المقترحين لآية موسى ، امضوا إلى ظل الكعبة فسترون آية موسى (عليه السلام) ، وسينجيكم هناك عمي حمزة .
  وقل للفريق الرابع ورئيسهم أبوجهل : وأنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك (1) أخبار هؤلاء الفرق الثلاثة ، فان الآية التي اقترحتها أنت تكون بحضرتي .
  فقال أبوجهل للفرق الثلاثة : قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد .

ما كان مثل آية نوح (عليه السلام) :
   فذهبت الفرقة الاولى إلى حضرة (2) جبل أبي قبيس ، فلما صاروا ـ في الارض ـ إلى جانب الجبل نبع الماء من تحتهم ، ونزل من السماء الماء من فوقهم من غير غمامة ولا سحاب ، وكثر حتى بلغ أفواههم فألجمها ، وألجأهم إلى صعود الجبل إذ لم يجدوا ملجأ (3) سواه ، فجعلوا يصعدون الجبل والماء يعلو من تحتهم إلى أن بلغوا ذروته ، وارتفع الماء حتى ألجمهم (4) وهم على قلة الجبل ، وأيقنوا بالغرق إذ لم يكن لهم مفر .
  فرأوا عليا (عليه السلام) واقفا على متن الماء فوق قلة الجبل ، وعن يمينه طفل وعن يساره طفل ، فناداهم علي (عليه السلام) .
  خذوا بيدي انجيكم ، أو بيد من شئتم من هذين الطفلين ، فلم يجدوا بدا من ذلك فبعضهم أخذ بيد علي (عليه السلام) ، وبعضهم أخذ بيد أحد الطفلين ، وبعضهم أخذ بيد الطفل

--------------------
(1) يقال : اتصل به خبر فلان : علمه .
(2) أى قرب وجنب .
(3) ( منجى ) ب ، ق ، د ، والبحار .
(4) ( ألجأهم ) ق ، يقال : ألجم الماء فلانا : بلغ فاه . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _432 _
  الآخر ، وجعلوا ينزلون بهم من الجبل والماء ينزل وينحط من بين أيديهم حتى أوصلوهم إلى القرار ، والماء يدخل بعضه في الارض، ويرتفع بعضه إلى السماء حتى عادوا كهيئتهم إلى قرار الارض.
  فجاء على (عليه السلام) ـ بهم ـ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم يبكون ويقولون : نشهد إنك سيد المرسلين ، وخير الخلق أجمعين ، رأينا مثل طوفان نوح وخلصنا هذاوطفلان كانا معه لسنا نراهما الآن.
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أما إنهما سيكونان ، هما الحسن والحسين سيولدان لاخي هذا ، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما ، اعلموا أن الدنيا بحر عميق ، وقد غرق فيها خلق كثير ، وأن سفينة نجاتها آل محمد : علي هذا وولداه اللذان رأيتموهما سيكونان وسائر أفاضل أهلي (1) فمن ركب هذه السفينة نجا ، ومن تخلف عنها غرق .
  ـ ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ـ وكذلك الآخرة جنتها (2) ونارها كالبحر ، وهؤلاء سفن امتي يعبرون بمحبيهم وأوليائهم إلى الجنة .
  ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أسمعت هذا يا أبا جهل ؟ قال : بلى حتى أنظر ـ إلى ـ الفرقة الثانية والثالثة .
   ماكان مثل آية ابراهيم (عليه السلام) : ـ وجاءت الفرقة الثانية يبكون ويقولون : نشهد إنك رسول رب العالمين ، وسيد الخلق أجمعين ، مضينا إلى صحراء ملساء ، ونحن نتذاكر بيننا قولك ، فنظرنا إلى السماء قد تشققت (3) بجمر النيران تتناثر عنها ، ورأينا الارض قد تصدعت ولهب النيران

--------------------
(1) ( أهل بيتى ) أ ، ص ، ط .
(2) ( حميمها ) البحار .
(3) ( انشقت ) ص . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 433 _
  يخرج منها ، فما زالت كذلك حتى طبقت الارض وملاتها ، ومسنا من شدة حرها حتى سمعنا لجلودنا نشيشا (1) من شدة حرها ، وأيقنا بالاشتواء والاحتراق ـ وعجبنا بتأخر رؤيتنا ـ (2) بتلك النيران .
  فبينا نحن كذلك إذ رفع لنا في الهواء شخص امرأة قد أرخت خمارها ، فتدلى طرفه إلينا بحيث تناله أيدينا ، وإذا مناد من السماء ينادينا : إن أردتم النجاة فتمسكوا ببعض أهداب هذا الخمار .
  فتعلق كل واحد منا بهدبة من أهداب ذلك الخمار، فرفعتنا في الهواء ونحن نشق جمر النيران ولهبها لا يمسنا شررها (3) ولا يؤذينا جمرها (4) ولا نثقل على الهدبة التي تعلقنا بها ، ولا تنقطع (5) الاهداب في أيدينا على دقتها .
  فما زالت كذلك حتى جازت بنا تلك النيران ، ثم وضع كل واحد منا في صحن داره سالما معافي ، ثم خرجنا فالتقينا ، فجئناك عالمين بأنه لا محيص عن دينك ، ولا معدل عنك ، وأنت أفضل من لجئ إليه ، واعتمد بعد الله عليه ، صادق في أقوالك حكيم في أفعالك .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابي جهل : هذه الفرقة الثانية قد أراهم الله آياته (6) .
  قال أبوجهل : حتى أنظر الفرقة الثالثة وأسمع مقالتها .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهذه الفرقة الثانية لما آمنوا : يا عباد الله إن الله أغاثكم بتلك المرأة أتدرون من هي ؟ قالوا : لا .

--------------------
(1) النشيش : صوت الماء ـ وغيره ـ اذا على .
(2) كذا في أغلب نسخ الاصل ، وفى بعضها غير منقوطة ، وفى ( ص ) : وعجبنا لتأخر ذوبنا وليس في البحار ، والمراد ظاهرا : تعجبهم لاستمرارهم أحياءا مع شدة هذه الحرارة .
(3) ( شرورها ) أ ، ق ، الشرر : ما يتطاير من النار .
(4) ( حرها ) ص ، والبحار .
(5) ( تنعتق ) د .
(6) ( آية ابراهيم (عليه السلام) ) البحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 434 _
  قال : تلك تكون ابنتي فاطمة ، وهي سيدة نساء العالمين .
  إن الله تعالى إذا بعث الخلائق من الاولين والآخرين نادى منادي ربنا من تحت عرشه : يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين على الصراط .
  ـ فيغض الخلائق كلهم أبصارهم ، فتجوز فاطمة على الصراط ـ لا يبقى أحد في القيامة إلا غض بصره عنها إلا محمد وعلي والحسن والحسين والطاهرون من أولادهم فانهم محارمها (1) فاذا دخلت الجنة بقي مرطها (2) ممدودا على الصراط ، طرف منه بيدها وهي في الجنة ، وطرف في عرصات القيامة .
  فينادي منادي ربنا : يا أيها المحبون لفاطمة تعلقوا بأهداب مرط فاطمة سيدة نساء العالمين ، فلا يبقى محب لفاطمة إلا تعلق بهدبة من أهداب مرطها ، حتى يتعلق بها أكثر من ألف فئام وألف فئام ـ وألف فئام ـ .
  قالوا : وكم فئام واحد يا رسول الله ؟ قال : ألف ألف من الناس .

ما كان مثل آية موسى (عليه السلام):

  قال : جاءت الفرقة الثالثة باكين يقولون : نشهد يا محمد إنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين ، وأن عليا أفضل الوصيين ، وأن آلك أفضل آل النبيين ، وصحابتك خير صحابة المرسلين ، وأن أمتك خير الامم أجمعين ، رأينا من آياتك مالا محيص لنا عنها ، ومن معجزاتك مالا مذهب لنا سواها .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : وما الذي رأيتم ؟ قالوا : كنا قعودا في ظل الكعبة نتذاكر أمرك ، ونستهزئ بخبرك ، وأنك ذكرت أن لك مثل آية موسى ، فبينا نحن كذلك

--------------------
(1) ( أولادها ) البحار : 8 .
(2) المرط ـ بكسر الميم : كساء من صوف ونحوه يؤتزر به . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 435_
  إذا ارتفعت الكعبة عن موضعها وصارت فوق رؤوسنا فركدنا (1) في مواضعنا ولم نقدر أن نريمها (2) .
  فجاء عمك حمزة فتناول (3) بزج رمحه ـ هكذا (4) ـ تحتها ، فتناولها واحتبسها - على عظمها ـ فوقنا في الهواء .
  ثم قال لنا : اخرجوا ، فخرجنا من تحتها ، فقال : ابدوا ، فبعدنا عنها ، ثم أخرج سنان الرمح من تحتها ، فنزلت إلى موضعها واستقرت ، فجئنا لذلك (5) مسلمين .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابي جهل : هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما شاهدت .
  فقال أبوجهل : لا أدري أصدق هؤلاء أم كذبوا ، أم حقق لهم ، أم خيل إليهم فان رأيت أنا ما اقترحه عليك من نحو آيات عيسى بن مريم فقد لزمني الايمان بك وإلا فليس يلزمني تصديق هؤلاء .
  فقال رسول الله صلى الله عليه آله : يا أبا جهل فان كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم ، فكيف تصدق بمآثر (6) آبائك وأجدادك ، ومساوئ أسلاف أعدائك ؟ وكيف تصدق عن الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها ؟ هل المخبرون عنها (7) إلا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها منهم من الجمع الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرصونه (8) إلا كان بازائهم من يكذبهم ويخبر

--------------------
(1) ( فركزنا ) ص ، والبحار ، قال المجلسى ـ رحمه الله ـ: ركزت الرمع أى غرزته في الارض، وفى بعض النسخ بالدال المهملة من الركود بمعنى السكون والهدوء ، انتهى أقول : كلاهما بمعنى الثبات في المكان .
(2) أى نفارقها ونبتعد عنها .
(3) ( وقال ) ص ، والبحار ، ( فشال ) ب ، قال بيده : أهوى بها وأخذ .
(4) ( رمحك هذا ) ب ، س ، والزج ـ بالضم ـ الحديدة التى في أسفل الرمح .
(5) ( فجئناك بذلك ) س ، ص ، ق ، د .
(6) ( بما آثر ) أ ، ط .
(7) ( عن ذلك ) ب ، ص ، ق ، د ، والبحار .
(8) ( يخوضونه ) أ ، تخرص : افترى وكذب . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 436 _
  بضد إخبارهم ؟ ألا وكل فرقة من هؤلاء محجوجون (1) بما شاهدوا ، وأنت يا أباجهل محجوج بما سمعت ممن شاهد .
  ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الفرقة الثالثة فقال لهم : هذا حمزة عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، بلغه الله تعالى المنازل الرفيعة والدرجات العالية ، وأكرمه بالفضائل لشدة حبه لمحمد وعلي بن أبي طالب ، أما إن حمزة (عم محمد) (2) لينحي جهنم ـ يوم القيامة ـ (3) عن محبيه كما نحى عنكم اليوم الكعبة أن تقع عليكم .
  قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنه ليرى يوم القيامة إلى جانب الصراط جم (4) كثير من الناس لا يعرف عددهم إلا الله تعالى ، هم كانوا محبي حمزة ، وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام ، فتحول حيطان ـ النار ـ بينهم وبين سلوك الصراط والعبور إلى الجنة فيقولون : يا حمزة قد ترى ما نحن فيه ! فيقول حمزة لرسول الله ولعلي بن أبي طالب (عليه السلام) : قد تريان أوليائي كيف يستغيثون بي ! فيقول محمد رسول الله لعلي ولي الله: يا علي أعن عمك على إغاثة أوليائه واستنقاذهم من النار ، فيأتي علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالرمح الذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله تعالى في الدنيا ، فيناوله إياه ، ويقول : يا عم رسول الله وعم أخي رسول الله، ذد (5) الجحيم عن أوليائك برمحك هذا (الذي كنت) (6) تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله.
  فيناول حمزة الرمح بيده ، فيضع زجه في حيطان النار الحائلة بين أوليائه وبين العبور إلى الجنة على الصراط ، ويدفعها ـ دفعة ـ فينحيها مسيرة خمسمائة عام ، ثم يقول

--------------------
(1) المحجوج : المغلوب بالحجة .
(2) ( عمى ) ب ، س ، د .
(3) من البحار ، وفى ( ص ) يوما .
(4) ( عالم ) س ، ص ، ق ، د ، والبحار .
(5) أى ادفع واطرد ، ( رد ) ق ، د .
(6) ( كما ) س ، ص ، والبحار ، ( كما كنت ) ق ، د . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 437_
  لاوليائه ـ و ـ المحبين الذي كانوا له في الدنيا : اعبروا .
  فيعبرون على الصراط آمنين سالمين ، قد انزاحت عنهم النيران ، وبعدت عنهم الاهوال ، ويردون الجنة غانمين ظافرين .
  ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابي جهل : يا أبا جهل هذه الفرقة الثالثة قد شاهدت آيات الله ومعجزات رسول الله وبقي الذي لك ، فأي آية تريد ؟ قال أبوجهل : آية عيسى بن مريم كما زعمت أنه كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، فأخبرني بما أكلت اليوم ، وما ادخرته في بيتي ، وزدني على ذلك بأن تحدثني بما صنعته بعد أكلي لما أكلت ، كما زعمت أن الله زادك في المرتبة فوق عيسى .

ما كان مثل آية عيسى (عليه السلام) :

  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أما ماأكلت وما ادخرت فاخبرك به ، وأخبرك بما فعلته في خلال أكلك ، وما فعلته بعد أكلك ، وهذا يوم يفضحك الله عزوجل فيه باقتراحك فان آمنت بالله لم تضرك هذه الفضيحة ، وإن أصررت على كفرك أضيف لك إلى فضيحة الدنيا وخزيها خزي الآخرة الذي لايبيد ولا ينفد ولا يتناهى .
  قال : وما هو ؟ قال رسول الله قعدت يا أبا جهل تتناول من دجاجة مسمنة أسمطتها (1) فلما وضعت يدك عليها استأذن عليك أخوك (2) أبو البختري بن هشام ، فأشفقت عليه (3) أن يأكل منها

--------------------
(1) أى شويتها ، ( استطبتها ) ب ، س ، ص ، ق ، د ، والبحار .
(2) غير خفى أن أباجهل مخزومى ، والبخترى أسدى ، وانما اطلق لفظ ( أخوك ) لا للنسب أو لاتحاد اسم الاب: ( هشام ) ـ كما قد يتوهم البعض ـ بل لان الكفر ملة واحدة كما أن المؤمنين اخوة ، لا في النسب أو القومية والعشيرة ، وانما هى في العقيدة والفضيلة الالهية (الدين) كما قال تعالى : ( انما المؤمنون اخوة ) الحجرات : 10 ، وفى الخطاب لمريم ( يا اخت هارون ) مريم : 28 .
(3) أى خفت وحذرت وحرصت . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 438_
  وبخلت ، فوضعتها تحت ذيلك ، وأرخيت عليها ذيلك حتى انصرف عنك .
  فقال أبوجهل : كذبت يا محمد ، ما من هذا قليل ولا كثير ، ولا أكلت من دجاجة ولا ادخرت منه شيئا ، فما الذي فعلته بعد أكلي الذي زعمته ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : كان عندك ثلاثمائة دينار لك ، وعشرة آلاف دينار ودائع الناس عندك : المائة ، والمائتان ، والخمسائة ، والسبعمائة ، والالف ، ونحو ذلك إلى تمام عشرة آلاف، مال كل واحد في صرة ، وكنت قد عزمت على أن تختانهم (1) وقد كنت جحدتهم ومنعتهم ، واليوم لما أكلت من هذه الدجاجة أكلت زورها (2) وادخرت الباقي ، ودفنت هذا المال أجمع مسرورا فرحا باختيانك عباد الله، واثقا بأنه قد حصل لك ، وتدبير الله في ذلك خلاف تدبيرك .
  فقال أبوجهل : وهذا أيضا يا محمد ، فما أصبت منه قليلا ولا كثيرا ، وما دفنت شيئا ، ولقد سرقت (3) تلك العشرة آلاف دينار الودائع التي كانت عندي .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أبا جهل ما هذا من تلقائي فتكذبني ، وإنما هذا جبرئيل الروح الامين يخبرني به عن رب العالمين ، وعليه تصحيح شهادته وتحقيق مقالته .
  ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : هلم (4) يا جبرئيل بالدجاجة التي أكل منها .
  فاذا الدجاجة بين يدي رسول الله.
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أتعرفها يا أبا جهل ؟ فقال أبوجهل : ما أعرفها وما اخبرت عن شئ ، ومثل هذه الدجاجة المأكول بعضها في الدنيا كثير .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أيتها الدجاجة إن أبا جهل قد كذب محمدا على جبرئيل ، وكذب جبرئيل على رب العالمين ، فاشهدي لمحمد بالتصديق ، وعلى أبي جهل بالتكذيب ، فنطقت

--------------------
(1) أى تخونهم ، واختان المال : سرقه .
(2) أى أعلى وسط الصدر ، وفى بعض النسخ ( ذروتها ) وذروة كل شئ أعلاه.
(3) على بناء المجهول.
(4) أى تعال . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 439 _
  وقالت : أشهد يا محمد (1) أنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين ، وأن أبا جهل هذا عدو الله المعاند الجاحد للحق الذي يعلمه ، أكل مني هذا الجانب ، وادخر الباقي وقد أخبرته بذلك ، وأحضرتنيه فكذب به ، فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين فانه مع كفره بخيل ، استأذن عليه أخوه فوضعني تحت ذيله إشفاقا من أن يصيب مني أخوه ، فأنت يا رسول الله أصدق الصادق من الخلق أجمعين ، وأبوجهل الكذاب المفتري اللعين .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ـ أما ـ كفاك ما شاهدت ؟! (2) آمن لتكون آمنا من عذاب الله عزوجل ، قال أبوجهل : إني لاظن أن هذا تخييل وإيهام .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فهل تفرق بين مشاهدتك لهذا وسماعك لكلامها ، وبين مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب وسماعك لكلامهم ؟ قال أبوجهل : لا .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فما يدريك أن جميع ما تشاهد وتحس بحواسك تخييل ؟ قال أبوجهل : ماهو تخييل .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ولا هذا تخييل ، وإلا فكيف تصحح أنك ترى في العالم شيئا أوثق منه (3)؟ ـ قال : ـ ثم وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده على الموضع المأكول من الدجاجة ، فمسح يده عليها ، فعاد اللحم عليه أوفر ما كان .
  ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أبا جهل أرأيت هذه الآية ؟ قال : يا محمد ـ قد ـ توهمت شيئا ، ولا اوقته .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا جبرئيل فأتنا بالاموال التي دفنها هذا المعاند للحق لعله يؤمن .
   فاذا هو بالصرر بين يديه كلها ـ في كل صرة ـ ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاله إلى تمام عشرة آلاف دينار وثلاثمائة دينار (4).

--------------------
(1) ( أن لا اله الا الله يا محمد و ) أ ، ط .
(2) ( شهدت ) س ، ص ، ط .
(3) ( واثق ) أ .
(4) ( مثقال ) الاصل وهو تصحيف كما يأتى 440 . (*)


تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _440 _
  فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وأبوجهل ينظر إليه ـ صرة منها فقال : ائتوني بفلان بن فلان .
  فاتي به ـ وهو صاحبها ـ فقال (صلى الله عليه وآله) : هاكها يا فلان ـ هذا ـ ماقد اختانك فيه أبوجهل .
  فرد عليه ماله ، ودعا بآخر ، ثم بآخر حتى رد العشرة آلاف كلها على أربابها ، وفضح عندهم أبوجهل ، وبقيت الثلاثمائة دينار بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
  فقال رسول الله: الآن آمن لتأخذ الثلاثمائة دينار ، ويبارك الله لك فيها حتى تصير أيسر قريش .
  فقال : لا اومن ، ولكن آخذها وهي مالي ، فلما ذهب ليأخذها صاح النبي (صلى الله عليه وآله) بالدجاجة : دونك أبا جهل ، فكفيه عن الدنانير ، وخذيه .
  فوثبت الدجاجة على أبي جهل ، فتناولته بمخالبها ورفعته في الهواء ، وطارت به إلى سطح لبيته فوضعته عليه ، ودفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلك الدنانير إلى بعض فقراء المؤمنين ثم نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه فقال لهم : معاشر أصحاب محمد هذه أية أظهرها ربنا عزوجل لابي جهل ، فعاند ، وهذا الطير الذي حيي يصير من طيور الجنة الطيارة (1) عليكم فيها ، فان فيها طيورا كالبخاتي (2) عليها من ـ جميع ـ أنواع المواشي (3) تطير بين سماء الجنة وأرضها ، فاذا تمنى مؤمن محب للنبي وآله الاكل ـ من شئ ـ منها ، وقع ذلك بعينه بين يديه ، فتناثر ريشه وانسمط (4) وانشوى وانطبخ ، فأكل من جانب منه ـ قديدا (5) ومن جانب منه ـ مشويا بلا نار

--------------------
(1) ( الطائرة ) ص .
(2) البخاتى والبخت : جمع بختى ، وهى جمال طوال الاعناق ، والبختى أيضا : الابل الخراسانى .
(3) الشية : ما خالف اللون من جميع الجسد وفى جميع الدواب ، وأصله من الوشى والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله كالزنة والوزن ، ويقال : وشيت الثوب أشيه وشيا وشية ووشيته توشية ، شدد للكثرة ، فهو موشى وموشى ، والوشى في اللون خلط لون بلون وكذلك في الكلام ، لسان العرب : 15/ 392 .
(4) ( أملط ) أ ، ط ، أى لا ريش عليه ، وسمط الجدى : نقاء من الصوف وشواه .
(5) قدد اللحم: جعله قطعا وجففه . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 441_
  فاذا قضى شهوته ونهمته وقال : الحمد لله رب العالمين ، عادت كما كانت ، فطارت في الهواء ، وفخرت على سائر طيور الجنة ، تقول :( من مثلي وقد أكل مني ولي الله عن أمر الله ) (1) .

مدح زيد بن حارثة وابنه :

  293 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : معاشر الناس أحبوا موالينا مع حبكم لآلنا (2) هذا زيد بن حارثة وابنه أسامة من خواص موالينا فأحبوهما ، فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا لينفعكم حبهما .
  قالوا : وكيف ينفعنا حبهما ؟ قال : إنهما يأتيان يوم القيامة عليا (عليه السلام) بخلق عظيم من محبيها أكثر من ربيعة ومضر بعدد كل واحد منهم ، فيقولان : يا أخا رسول الله هؤلاء أحبونا بحب محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبحبك ، فيكتب لهم علي (عليه السلام) جوازا على الصراط ، فيعبرون عليه ويردون الجنة سالمين .
  وذلك أن أحدا لا يدخل الجنة من سائر امة محمد (صلى الله عليه وآله) إلا بجواز من علي (عليه السلام) فان أردتم الجواز على الصراط سالمين ، ودخول الجنان غانمين ، فأحبوا بعد حب محمد وآله مواليه ، ثم إن أردتم أن يعظم محمد ـ وعلي ـ (3) عند الله تعالى منازلكم فأحبوا شيعة محمد وعلي ، وجدوا في قضاء حوائج (4) إخوانكم المؤمنين ، فان الله

--------------------
(1) عنه البحار : 8/ 68 ح 12 وص 165 ح 8 قطعة ، وج 17/ 239 ـ 248 ح 2 ، وج 22 / 281 ح 37 قطعة ، ج 38/ 209 ح 5 قطعة ، واثبات الهداة : 2/ 161 ح 609 (قطعة) ، ورواه في الاحتجاج : 1/ 37 ـ 40 باسناده عن الحسن العسكرى (عليه السلام) (مع اختصار في وسطه وآخره) عنه البحار : 17/ 249 ملحق ح 2 ، واثبات الهداة : 2/ 12 ح 308 والايقاظ من الهجعة : 105 (قطعة) .
(2) ( لنا ) ب ، س ، ط .
(3) من البحار : 8 .
(4) ( حقوق ) ص ، د ....

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 442 _
  تعالى إذا أدخلكم الجنة معاشر شيعتنا ومحبينا (1) نادى مناديه في تلك الجنان : قد دخلتم ياعبادي الجنة برحمتي ، فتقاسموها على قدر حبكم لشيعة محمد وعلي (عليهما السلام) ، وقضائكم لحقوق إخوانكم المؤمنين .
  فأيهم كان للشيعة أشد حبا ، ولحقوق إخوانه المؤمنين أحسن قضاء أكانت درجاته في الجنان أعلى (2) حتى أن فيهم من يكون أرفع من الآخر بمسيرة مائة ألف (3) سنة ترابيع (4) قصور وجنان (5) .
  قوله عزوجل : ( قل ان كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين ولن يتمنوه ابدا بما قدمت أيديهم والله عليم يالظالمين ولتجدنهم احرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمرو الله بصير بما يعملون ) : 94 ـ 96 294 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) : إن الله تعالى لما وبخ ـ هؤلاء ـ اليهود على لسان رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) وقطع معاذيرهم ، وأقام عليهم الحجج الواضحة بأن محمد (صلى الله عليه وآله) سيد النبيين (6) وخير الخلائق أجمعين ، وأن عليا سيد الوصيين ، وخير من يخلفه بعده في المسلمين ، وأن الطيبين من آله هم القوام بدين الله والائمة لعباد الله عزوجل ، وانقطعت معاذيرهم وهم لا يمكنهم إيراد حجة ولا شيهة ، فجاءوا (7) إلى أن كابروا ، فقالوا :

--------------------
(1) ( محبهما ) أ .
(2) ( في أعلى جنتى ) أ ، ط .
(3) ( خمسمائة ) البحار .
(4) كأن المراد بالترابيع : المربعات ، فانها أحسن الاشكال ، أو كان في الاصل مرابع جمع مربع ، وهو منزل القوم في الربيع ، قاله المجلسى (ره) .
(5) عنه البحار : 8/ 57 ح 73 ، وج 22/ 114 ح 84 (قطعة) وج 69/ 251 ح 31 ، وغاية المرام : 263 ح 4 .
(6) ( الاولين ) أ .
(7) ( فلجأوا ) البحار : 17 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 443_
  لاندري ما تقول ، ولكنا نقول إن الجنة خالصة لنا من دونك يا محمد ودون علي ودون أهل دينك وامتك (1) وإنا بكم مبتلون ـ و ـ ممتحنون ، ونحن أولياء الله المخلصون وعباده (2) الخيرون ، ومستجاب دعاؤنا ، غير مردود علينا بشئ من سؤالنا ربنا .
  فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) : (قل) يا محمد لهؤلاء اليهود : (إن كانت لكم الدار الاخرة) الجنة ونعيمها (خالصة من دون الناس) محمد وعلي والائمة ، وسائر الاصحاب ومؤمني الامة ، وأنكم بمحمد وذريته ممتحنون ، وأن دعاءكم مستجاب غير مردود (فتمنوا الموت) للكاذبين منكم ومن مخالفيكم ، فان محمدا وعلى وذويهما يقولون : ( إنهم هم أولياء الله عزوجل من دون الناس الذين يخالفونهم في دينهم ، وهم المجاب دعاؤهم ) فان كنتم معاشر اليهود كما تدعون ، فتمنوا الموت للكاذبين (3) منكم ومن مخالفيكم .
   (إن كنتم صادقين) بأنكم أنتم المحقون ، المجاب دعاؤكم على مخالفيكم ، فقولوا :( اللهم أمت الكاذب منا ومن مخالفينا ) ليستريح منه الصادقون ، ولتزداد حجتكم وضوحا بعد أن قد صحت ووجبت .
  ثم قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ما عرض هذا عليهم : لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فمات مكانه .
  وكانت اليهود علماء (4) بأنهم هم الكاذبون ، وأن محمدا (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليه السلام) ومصدقيهما هم الصادقون ، فلم يجسروا أن يدعوا بذلك لعلمهم بأنهم إن دعوا فهم الميتون .
  فقال الله تعالى : (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) يعني اليهود لن يتمنوا الموت بما قدمت أيديهم من كفرهم بالله ، وبمحمد رسول الله ونبيه وصفيه ، وبعلي أخي نبيه ووصيه (5) وبالطاهرين من الائمة المنتجبين .

--------------------
(1) ( ملتك ) أ .
(2) ( عباد الله ) ب ، س ، ص ، ط ، د .
(3) ( للكاذب ) ق ، د .
(4)( عالمين ) البحار : 17 .
(5) ( صفيه ) ق ، د . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 444 _
  قال الله تعالى : (والله عليم بالظالمين) اليهود أنهم لا يجسرون (1) أن يتمنوا الموت للكاذب ، لعلمهم بأنهم هم الكاذبون ، ولذلك آمرك أن تبهرهم بحجتك وتأمرهم أن يدعوا على الكاذب ، ليمتنعوا من الدعاء ، ويتبين للضعفاء أنهم هم الكاذبون ، ثم قال : يا محمد (ولتجدنهم) يعني تجد هؤلاء اليهود ( أحرص الناس على حياة ) وذلك ليأسهم من نعيم الآخرة ـ لانهماكهم في كفرهم ـ الذي يعلمون أنه لاحظ لهم معه في شئ من خيرات الجنة .
  (ومن الذين أشركوا) قال ـ تعالى ـ (2) : هؤلاء اليهود (أحرص الناس على حياة) وأحرص (من الذين أشركوا) على حياة يعني المجوس لانهم لا يرون النعيم إلا في الدنيا ، ولا يأملون (3) خيرا في الآخرة ، فلذلك هم أشد الناس حرصا على حياة .
  ثم وصف اليهود فقال : (يود ـ يتمنى ـ أحدهم لو يعمر ألف سنة وماهو ـ التعمير ألف سنة ـ بمزحزحه ـ بمباعده ـ من العذاب أن يعمر) ـ تعميره ـ وإنما قال : (وما هو بمزحزحه ـ من العذاب ـ أن يعمر) ولم يقل : (وما هو بمزحزحه) فقط لانه لو قال (وما هو بمزحزحه ـ من العذاب ـ والله بصير) لكان يحتمل أن يكون (وما هو) يعني (4) وده وتمنيه (بمزحزحه) فلما أراد : وما تعميره ، قال : (وما هو بمزحزحه أن يعمر) .
  ثم قال : (والله بصير بما يعملون) فعلى حسبه يجازيهم ويعدل عليهم ولا يظلمهم (5) .
  295 ـ قال الحسن بن على بن أبى طالب (عليهما السلام) : لما كاعت (6) اليهود عن هذا

--------------------
(1) ( يجرؤن ) أ .
(2) من البحار .
(3) ( يؤملون ) ق ، والبحار .
(4) ( مع ) الاصل ، والضمير هو لاحدهم ، لا أن يتوهم عوده إلى التمنى ، وأن يعمر فاعل مزحزحه ، أى ما أحدهم ينجيه من النار تعميره ، انظر تفسير البيضاوى : 1/ 172
(5) عنه البحار : 9/ 321 صدر ح 15 ، وج 17/ 220 ح 24 (قطعة) والبرهان : 1/ 131 ح 1 .
(6) كاع عنه : جبن عنه ، وهابه . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 445 _
  التمني ، وقطع الله معاذيرها ، قالت طائفة منهم ـ وهم بحضرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد كاعوا ، وعجزوا ـ : يا محمد فأنت والمؤمنون المخلصون لك مجاب دعاؤكم ، وعلى أخوك ووصيك أفضلهم وسيدهم ؟! قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : بلى .
  قالوا : يا محمد فان كان هذا كما زعمت ، فقل لعلي (عليه السلام) يدعو الله لابن رئيسنا هذا ، فقد كان من الشباب جميلا نبيلا وسيما قسيما (1) ، لحقه برص وجذام وقد صار حمى (2) لا يقرب ، ومهجورا لا يعاشر ، يتناول الخبز على أسنة الرماح .
  فقال رسول صلى الله عليه : ائتوني به .
   فاتى به ، ونظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه ـ منه ـ إلى منظر فظيع ، سمج ، قبيح ، كريه ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أبا حسن ادع الله له بالعافية ، فان الله تعالى يجيبك فيه .
  فدعا له ، فلما كان بعد فراغه من دعائه إذ الفتى قد زال عنه كل مكروه ، وعاد إلى أفضل ماكان عليه من النبل والجمال والوسامة والحسن في المنظر .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للفتى : ـ يا فتى ـ آمن بالذي أغاثك من بلائك .
  قال الفتى : قد آمنت ـ وحسن إيمانه ـ .
  فقال أبوه : يا محمد ظلمتني وذهبت مني بابني ، ليته كان أجذم وأبرص كما كان ولم يدخل في دينك ، فان ذلك كان أحب إلى .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
  لكن الله عزوجل قد خلصه من هذه الآفة ، وأوجب له نعيم الجنة .
  قال أبوه : يا محمد ماكان هذا لك ولا لصاحبك ، إنما جاء وقت عافيته فعوفي وإن كان صاحبك هذا ـ يعني عليا (عليه السلام) ـ مجابا في الخير فهو أيضا مجاب في الشر فقل له يدعو على بالجذام والبرص ، فاني أعلم أنه لا يصيبني ، ليتبين لهؤلاء

--------------------
(1) أى جميلا .
(2) أى ممنوع ، محظور ، وهذه وما بعدها كناية عن ابتعاد الناس عنه خوف العدوى . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 446 _
  الضعفاء ـ الذين قد اغتروا بك ـ أن زواله عن ابني لم يكن بدعائه .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا يهودي اتق الله، وتهنأ بعافية الله إياك ، ولا تتعرض للبلاء ولما لا تطيقه ، وقابل النعمة بالشكر ، فان من كفرها سلبها ، ومن شكرها امترى (1) مزيدها .
  فقال اليهودي : من شكر نعم الله تكذيب عدو الله المفتري عليه ، وإنما اريد بهذا أن اعرف ولدي أنه ليس مما قلت ـ له ـ وادعيته قليل ولا كثير ، وأن الذي أصابه من خير لم يكن بدعاء علي صاحبك .
  فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : يا يهودي هبك قلت أن عافية ابنك لم تكن بدعاء علي (عليه السلام) ، وإنما صادف دعاؤه وقت مجئ عافيته ، أرأيت لو دعا عليك علي (عليه السلام) بهذاالبلاء الذي اقترحته فأصابك ، أتقول إن ما أصابني لم يكن بدعائه ، ولكن لانه صادف دعاؤه وقت ـ مجئ ـ بلائي ؟ فقال : لا أقول هذا ، لان هذا احتجاج مني على عدو الله في دين الله، واحتجاج منه علي ، والله أحكم من أن يجيب إلى مثل هذا ، فيكون قد فتن عباده ، ودعاهم إلى تصديق الكاذبين .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فهذا في دعاء علي لابنك كهو في دعائه عليك ، لا يفعل الله تعالى مايلبس به على عباده دينه ، ويصدق به الكاذب عليه .
  فتحير اليهودي لما أبطل (صلى الله عليه وآله) شبهته ، وقال : يا محمد! ليفعل علي هذا بي إن كنت صادقا .
  فقال رسول الله صلى عليه وآله لعلي (عليه السلام) : يا أبا الحسن قد أبى الكافر إلا عتوا وطغيانا وتمردا ، فادع عليه (2) بما اقترح ، وقل : اللهم ابتله ببلاء ابنه من قبل . فقالها ، فأصاب اليهودي داء ذلك الغلام مثل ما كان فيه (3) الغلام من الجذام والبرص ، واستولى عليه

--------------------
(1) يقال : امترى اللبن ونحوه : استخرجه واستدره .
(2) ( الله ) س ، ص
(3) ( في ) أ ، ب ، ط . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 447 _
  الالم والبلاء ، وجعل يصرخ ويستغيث ويقول : يا محمد قد عرفت صدقك فأقلني (1) .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لو علم الله صدقك لنجاك ، ولكنه عالم بأنك لاتخرج عن هذا الحال إلا ازددت كفرا ، ولو علم أنه إن نجاك آمنت به لجاد عليك بالنجاة فانه الجواد الكريم .
  قال (عليه السلام) : فبقي اليهودي في ذلك الداء والبرص أربعين سنة آية للناظرين وعبرة للمتفكرين (2) وعلامة وحجة بينة لمحمد (صلى الله عليه وآله) باقية في الغابرين (3) وبقي ابنه كذلك معافى صحيح الاعضاء والجوارح ثمانين سنة عبرة للمعتبرين ، وترغيبا للكافرين في الايمان ، وتزهيدا لهم في الكفر والعصيان .
  وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين حل ذلك البلاء باليهودي بعد زوال البلاء عن ابنه : عباد الله إياكم والكفر لنعم الله، فانه مشوم على صاحبه ، ألا وتقربوا إلى الله بالطاعات يجزل لكم المثوبات ، وقصروا أعماركم في الدنيا بالتعرض لاعداء الله في الجهاد لتنالوا طول أعمار الاخرة في النعيم الدائم الخالد ، وابذلوا أموالكم في الحقوق اللازمة ليطول غناكم في الجنة .
  فقام ناس فقالوا : يا رسول الله نحن ضعفاء الابدان قليلو الاموال لا نفي بمجاهدة الاعداء ، ولا تفضل أموالنا عن نفقات العيالات ، فماذا نصنع ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ألا فلتكن صدقاتكم من قلوبكم وألسنتكم .
  قالوا : كيف يكون ذلك يا رسول الله ؟ قال (صلى الله عليه وآله) : أما القلوب فتقطعونها (4) على حب الله، وحب (5) محمد رسول الله، وحب علي ولي الله ووصي رسول الله، وحب المنتجبين للقيام بدين الله، وحب شيعتهم

--------------------
(1) أى اصفح عنى ، ( فاقبلنى ) أ ، ( فاقلبنى ) خ ل ، ط ، وقبل الكلام : صدقه .
(2) ( للمعتبرين ) ص ، والبحار .
(3) زاد في البحار : وعبرة للمتكبرين .
(4) ( فتقطعوا بها ) أ ، ط ، البرهان .
(5) ( بحب ) أ ، وكذا بعدها . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 448_
  ومحبيهم ، وحب إخوانكم المؤمنين ، والكف عن اعتقادات العداوة والشحناء والبغضاء .
  وأما الالسنة فتطلقونها بذكر الله تعالى بما هو أهله ، والصلاة على نبيه محمد (1) وآله الطيبين ، فان الله تعالى بذلك يبلغكم أفضل الدرجات ، وينيلكم به المراتب العاليات (2) .
  قوله عزوجل : ( قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ، من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين ) : 97 ـ 98 .
  296 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الحسن (3) بن علي (عليهما السلام) : إن الله تعالى ذم اليهود في بغضهم لجبرئيل الذي كان ينفذ قضاء الله فيهم بما يكرهون ، وذمهم أيضا وذم النواصب في بغضهم لجبرئيل وميكائيل وملائكة الله النازلين لتأييد علي بن أبي طالب (عليه السلام) على الكافرين حتى أذلهم بسيفه الصارم ، فقال : قل يا محمد : (من كان عدوا لجبريل) من اليهود لدفعه عن ( بخت نصر ) أن يقتله ( دانيال ) (4) من غير ذنب كان جناه ( بخت نصر ) (5) حتى بلغ كتاب الله في اليهود أجله ، وحل

--------------------
(1) ( محمد وعلى ) ب ، س ، ص ، ط .
(2) عنه مناقب آل أبى طالب : 2/ 335 (قطعة) ، والبحار : 9/ 323 ضمن ح 15 ، والبرهان : 1/ 132 ح 2 ، ومدينة المعاجز : 74 ح 187 .
(3) ( الحسين ) ص ، والبحار ، وزاد في الاخير : بن أبى طالب .
(4) تقدم شبيه هذا الادعاء في ص 407 ويأتى الكلام عليه في ص 454 .
(5) وقد وقع نظير هذا في قصة موسى والخضر (عليهما السلام) في القرآن الكريم في سورة الكهف : 65 ـ 82 : ( فانطلقا حتى اذا ركبا في السفينة خرقها ... فانطلقا حتى اذا لقيا غلاما فقتله ... ) ثم ذكر موسى (عليه السلام) تأويل ما لم يستطع صاحبه عليه صبرا فقال : < (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 449 _
  بهم ما جرى في سابق علمه .
  ومن كان أيضا عدوا لجبرئيل من سائر الكافرين ، ومن أعداء محمد وعلي المناصبين (1) ، لان الله تعالى بعث جبرئيل لعلي (عليه السلام) مؤيدا ، وله على أعدائه ناصرا .
  ومن كان عدوا لجبرئيل لمظاهرته محمدا وعليا (عليهما السلام) ومعاونته لهما وانفاذه (2) لقضاء ربه عزوجل في إهلاك أعدائه على يد من يشاء من عباده (3) .
  (فانه) يعني جبرئيل (نزله) يعني نزل هذا القرآن (على قلبك) يا محمد (باذن الله) بأمر الله، وهو كقوله : (نزل به الروح الامين . على قلبك لتكون من المنذرين .
  بلسان عربي مبين) (4) .
  (مصدقا ـ موافقا ـ لما بين يديه) ـ نزل هذا القرآن جبرئيل على قلبك يا محمد مصدقا موافقا لما بين يديه ـ من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وكتب شيث وغيرهم من الانبياء (5) .
  ـ في فضائل القرآن ، وفضل تعلمه وتعليمه : ـ 297 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن هذا القرآن هو النور المبين ، والحبل المتين ، والعروة الوثقى ، والدرجة العليا ، والشفاء الاشفى ، والفضيلة الكبرى ، والسعادة

--------------------
> ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ، وأما الغلام فكن أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ) إلى أن قال : ( وما فعلته عن أمرى ) ، اقول : هو في هذا المورد أمر الهى استثنائى ، وتفويض ربانى خاص للانبياء والاوصياء الذين آتاهم الله العلم والحكمة من عنده ، وكذا الحال في غيره من الموارد ان ثبت حدوثها وتحقق ، والا فنذره في بقعة الامكان .
(1) ( الناصبين ) ص ، ط ، البحار ، والبرهان .
(2) ( انقياده ) أ ، ق .
(3) ( لعباده ) أ .
(4) الشعراء : 193 ـ 195
(5) عنه البحار : 9/ 284 صدر ح 2 ، وج 39/ 103 صدر ح 12 ، والبرهان : 1/ 133 صدر ح 1 (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 450 _
  العظمى ، من استضاء به نوره الله، ومن اعتقد به في (1) اموره عصمه الله، ومن تمسك به أنقذه الله، ومن لم يفارق أحكامه رفعه الله، ومن استشفى به شفاه الله، ومن آثره على ما سواه هداه الله، ومن طلب الهدى في غيره أضله الله، ومن جعله شعاره ودثاره أسعده الله، ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ومعوله (2) الذي ينتهي إليه، أداه الله إلى جنات النعيم ، والعيش السليم ، فلذلك قال : (هدى) يعني هذا القرآن هدى (وبشرى للمؤمنين) يعني بشارة لهم في الآخرة .
  وذلك أن القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب (3) يقول لربه عزوجل : ـ يا رب ـ هذا أظمأت نهاره ، وأسهرت ليله ، وقويت في رحمتك طمعه ، وفسحت في مغفرتك أمله ، فكن عند ظني ـ فيك ـ وظنه .
  يقول الله تعالى : أعطوه الملك بيمينه ، والخلد بشماله ، وأفرنوه بأزواجه من الحور العين ، واكسوا والديه حلة لا تقوم لها الدنيا بما فيها .
  فينظر إليهما الخلائق فيعظمونهما (4) وينظران إلى أنفسهما فيعجبان منها ويقولان : يا ربنا أنى لنا هذه ولم تبلغها أعمالنا ؟ فيقول الله تعالى : ومع هذا تاج الكرامة ، لم ير مثله الراؤن ، ولا يسمع بمثله السامعون ، ولا يتفكر في مثله المتفكرون .
  فيقال (5) : هذا بتعليمكما ولدكما القرآن ، وتبصير كما إياه بدين الاسلام ورياضتكما إياه على حب محمد رسول الله وعلي ولي الله، وتفقيهكما إياه بفقههما لانهما اللذان لا يقبل الله لاحد إلا بولايتهما ومعاداة أعدائهما عملا ، وإن كان ملء مابين الثرى إلى العرش ذهبا تصدق به في سبيل الله.

--------------------
(1) ( عقد به ) ب ، ق ، د ، والبحار ، والبرهان .
(2) ( معاده ) أ ، ط ، يقال : عولنا إلى فلان في حاجتنا أى لجأنا وفزعنا اليه فوجدناه نعم المعول .
(3) ( الشاب ) أ .
(4) ( فيغبطونهما ) ب ، ط ، د .
(5) ( وقال ) أ ، ( فقال ) ب ، س ، ق ، د . (*)