فالاصل كان لك ، فهذه الفروع كلها تابعة للاصل فهي لك فسلمتها إليه أجمع .
  اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت هذا رجاء ثوابك ، وخوف عقابك ، فافرج عنا بمحمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين الذي شرفته ، وبآله أفضل آل النبيين ، وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين ، وأمته خير الامم أجمعين .
  قال (عليه السلام) : فزال ثلث الحجر ودخل عليهم الضوء .
  وقال الثانى : اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي بقرة أحتلبها ، ثم أروح بلبنها على امي ، ثم أروح بسؤرها على أهلي وولدي ، فأخرني عائق ذات ليلة ، فصادفت امي نائمة ، فوقفت عند رأسها لتنبه (3) لا انبهها من طيب وسنها ، وأهلي وولدي يتضاغون (2) من الجوع والعطش ، فما زلت واقفا لا أحفل بأهلي وولدي حتى انتبهت هي من ذات نفسها ، فسقيتها حتى رويت ، ثم عطفت بسؤرها على أهلي وولدي .
  اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك ، وخوف عقابك ، فافرج عنا بحق محمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين ، الذي شرفته بآله أفضل آل النبيين ، وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين ، وامته خير الامم أجمعين .
  قال (عليه السلام) : فزال ثلث آخر من الحجر ـ ودخل عليهم الضوء ـ وقوي طمعهم في النجاة .
  وقال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أني هويت أجمل امرأة من بني إسرائيل فراودتها عن نفسها ، فأبت علي إلا بمائة دينار ، ولم أكن أملك شيئا ، فما زلت أسلك برا وبحرا وسهلا وجبلا ، واباشر الاخطار ، وأسلك الفيافي والقفار ، وأتعرض للمهالك والمتالف أربع سنين حتى جمعتها ، وأعطيتها إياها ، ومكنتني من نفسها ، فلما قعدت

--------------------
(1) تنبه من نومه : استيقظ .
(2) يقال : رأيت صبيانا يتضاغون ، اذا تباكوا ، ويقال ضغاء لصوت كل ذليل مقهور ، لسان العرب : 14/ 485 ، وفى ( أ ، ص ) ييضاعفون ؟ (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام)_ 402 _

  منها مقعد الرجل من أهله ، ارتعدت فرائصها ، وقالت لى : ( يا عبدالله إني جارية عذراء فلا تفض خاتم الله إلا بأمر الله عزوجل ، فانه إنما حملني على أن امكنك من نفسي الحاجة والشدة ) فقمت عنها وتركتها وتركت المائة دينار عليها .
  اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك ، وخوف عقابك ، فافرج عنا بحق محمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين ، الذي شرفته بآله أفضل آل النبيين وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين وامته خير الامم أجمعين .
  قال : فزال الحجر كله ، وتدحرج ، وهو ينادي بصوت فصيح بين يعقلونه يفهمونه : بحسن نياتكم نجوتم ، وبمحمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين (المخصوص بآل أفضل النبيين ، وأكرم أصحاب المرسلين) (1) وبخير امة سعدتم ونلتم أفضل الدرجات (2) .
  قوله عزوجل : ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ) : 90 272 ـ قال الامام (عليه السلام) : ذم الله تعالى اليهود ، وعاب فعلهم في كفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) فقال : (بئسما اشتروا به أنفهسم) أي اشتروها بالهدايا والفضول (3) التي كانت تصل إليهم ، وكان الله أمرهم بشرائها من الله بطاعتهم له ليجعل لهم أنفسهم والانتفاع بها

--------------------
(1) ( وبآله أفضل آل النبيين ، وبأكرم أصحابه المؤمنين ) ب .
(2) عنه البحار : 94/ 13 ضمن ح 11 ، وأورده السيوطى في الدر المنثور : 4/ 212 بلفظ آخر ومن طرق متعددة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) .
(3) أى فضلات المال الزائدة عن الحاجة ، أو ما فضل من الغنيمة فلم ينقسم . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 403 _
  دائما في نعيم الآخرة فلم يشتروها ، بل اشتروها بما أنفقوه في عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليبقى لهم عزهم في الدنيا ، ورياستهم على الجهال ، وينالوا المحرمات ، وأصابوا الفضولات من السفلة وصرفوهم عن سبيل الرشاد ، ووقفوهم على طريق الضلالات .
  ثم قال عزوجل : (أن يكفروا بما أنزل الله بغيا) أي بما أنزل على موسى (عليه السلام) من تصديق محمد (صلى الله عليه وآله) بغيا (أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده) .
  قال : وإنما كان كفرهم لبغيهم وحسدهم له لما أنزل الله من فضله عليه وهو القرآن الذي أبان فيه نبوته وأظهر به آيته ومعجزته .
  ثم قال : (فباؤ بغضب على غضب) يعني رجعوا وعليهم الغضب من الله على غضب في أثر غضب ، والغضب الاول حين كذبوا بعيسى بن مريم ، والغضب الثاني حين كذبوا بمحمد (صلى الله عليه وآله) .
  قال : والغضب الاول أن جعلهم قردة خاسئين ، ولعنهم على لسان عيسى (عليه السلام) والغضب الثاني حين سلط الله عليهم سيوف محمد وآله وأصحابه وامته حتى ذللهم بها فاما دخلوا في الاسلام طائعين ، وإما أدوا الجزية صاغرين داخرين (1) (2) .
  273 ـ وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : من سئل عن علم فكتمه حيث يجب إظهاره ، ويزول عنه التقية ، جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار (3) .
  274 ـ وقال الامام (عليه السلام) : دخل جابر بن عبدالله الانصاري على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا جابر قوام هذه الدنيا بأربعة : عالم يستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم وغني جواد بمعروفه ، وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره .

--------------------
(1) دخر : ذل وصغر .
(2) عنه البحار : 9/ 182 ح 10 ، والبرهان : 1/ 128 ح 1 .
(3) عنه البحار : 2/ 72 صدرح 37 ، ج 7/ 217 ح 120 ، وعوالم العقل والعلم : 303 ح 24 ، وأورده في تنبيه الخواطر : 2/ 7 مرسلا عنه (صلى الله عليه وآله) (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 404 _
  (آمنوا بما أنزل الله) على محمد من القرآن المشتمل على الحلال والحرام والفرائض والاحكام .
  (قالوا نؤمن بما انزل علينا) وهو التوراة (ويكفرون بما وراءه) يعني ما سواه (1) لا يؤمنون به (وهو الحق) والذي يقول هؤلاء اليهود ( إنه وراءه ) هو الحق ! لانه هو الناسخ للمنسوخ الذي قدمه الله تعالى .
  قال الله تعالى : (قل فلم تقتلون) لم (2) كان يقتل أسلافكم (أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) بالتوراة ، أي (ليس في التوراة الامر) (3) بقتل الانبياء ، فاذا كنتم تقتلون الانبياء ، فما آمنتم بما انزل عليكم من التوراة ، لان فيها تحريم قتل الانبياء .
  وكذلك إذا لم تؤمنوا بمحمد ، وبما انزل عليه وهو القرآن ـ وفيه الامر بالايمان به ـ فأنتم ما آمنتم بعد بالتوراة (4) .
  276 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أخبر الله تعالى أن من لا يؤمن بالقرآن ، فما آمن بالتوراة ، لان الله تعالى أخذ عليهم الايمان بهما ، لا يقبل الايمان بأحدهما إلا مع الايمان بالآخر .
  فكذلك فرض الله الايمان بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما فرض الايمان بمحمد فمن قال : آمنت بنبوة محمد وكفرت بولاية علي (عليه السلام) فما آمن بنبوة محمد .
  إن الله تعالى إذا بعث الخلائق يوم القيامة نادى منادي ربنا نداء تعريف الخلائق

--------------------
(1) أى ما سوى التوراة من الكتب المنزلة .
(2) ( أنبياء الله أى فلم كنتم تقتلون ، لم ) أ ، ص والبرهان ( ... تقبلون ما ) ب ، س ، ط ، وما في المتن كما في البحار ، أقول : انما اسند فعل الاسلاف والاباء لهؤلاء الموجودين لانهم مقيمون على مذهبهم وطريقتهم ، فكأنهم قد شركوهم في ذلك ، أضف اليه أنهم راضون بأفعالهم ، والراضى بفعل قوم كالداخل فيه معهم .
(3) ( ليس (ليست/ خ ل) التوراة الامرة ) أ .
(4) عنه البحار : 9/ 182 ح 11 ، والبرهان : 1/ 129 صدر ح 1 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _405 _
  في إيمانهم وكفرهم ، فقال :( الله أكبر ، الله أكبر ) ومناد آخر ينادي : ( معاشر الخلائق ساعدوه على هذه المقالة ) : فأما الدهرية والمعطلة فيخرسون عن ذلك ولا تنطلق (1) ألسنتهم ، ويقولها سائر الناس من الخلائق ، فيمتاز الدهرية ـ والمعطلة ـ من سائر الناس بالخرس .
  ثم يقول المنادى : ( أشهد أن لا إله إلا الله) فيقول الخلائق كلهم ذلك إلا من كان يشرك بالله تعالى من المجوس والنصارى وعبدة الاوثان فانهم يخرسون فيبينون بذلك من سائر الخلائق .
  ثم يقول المنادى : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) فيقولها المسلمون أجمعون ويخرس عنها اليهود والنصارى وسائر المشركين .
   في ان عليا (عليه السلام) قسيم الجنة والنار : ـ ثم ينادى من آخر (2) عرصات القيامة : ألا فسوقوهم إلى الجنة ـ لشهادتهم لمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ـ (3) فاذا النداء من قبل الله تعالى : ـ لا ، بل ـ (وقفوهم إنهم مسؤلون) (4) يقول الملائكة الذين قالوا ( سوقوهم إلى الجنة لشهادتهم لمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ) : لماذا يوقفون يا ربنا ؟ فاذا النداء من قبل الله تعالى : ـ قفوهم ـ إنهم مسؤلون عن ولاية علي بن أبي طالب وآل محمد ، يا عبادي وإمائي إني أمرتهم مع الشهادة بمحمد بشهادة اخرى ، فان جاءوا بها فعظموا ثوابهم ، وأكرموا مآبهم (5) وإن لم يأتوا بها لم تنفعهم الشهادة لمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ولا لي بالربوبية ، فمن جاء بها فهو من الفائزين ، ومن لم يأت بها فهو من الهالكين .

--------------------
(1) ( تنطق ) ص ، البحار ، والبرهان .
(2) ( ينادى مناد آخر من ) ص ، والبحار .
(3) من البحار والبرهان .
(4) الصافات : 24 .
(5) ( مأواهم ) أ . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 406_
  قال : فمنهم من يقول : قد كنت لعلي بن أبي طالب بالولاية شاهدا ، ولآل محمد محبا ، وهو في ذلك كاذب يظن أن كذبه ينجيه ، فيقال له : سوف نستشهد على ذلك عليا .
  فتشهد أنت يا أبا الحسن ، فتقول : الجنة لاوليائي شاهدة ، والنار على أعدائي شاهدة .
  فمن كان منهم صادقا خرجت إليه رياح الجنة ونسيمها فاحتملته ، فأوردته علالي الجنة وغرفها وأحلته دار المقامة من فضل ربه (1) لا يمسه فيها نصب ولا يمسه فيها لغوب (2) .
  ومن كان منهم كاذبا جاءته (3) سموم النار وحميمها وظلها الذي هو ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب (4)فتحمله ، فتعرفعه في الهواء ، وتورده في نار جهنم .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فلذلك أنت قسيم ـ الجنة و ـ النار ، تقول لها : هذا لي وهذا لك (5) .
  277 ـ وقال جابر بن عبدالله الانصارى : ولقد حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضره عبدالله ابن صوريا غلام أعور يهودي تزعم اليهود أنه أعلم يهودي بكتاب الله وعلوم أنبيائه فسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مسائل كثيرة يعنته (6) فيها ، فأجابه عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما لم يجد إلى إنكار شئ منه سبيلا .
  فقال له : يا محمد من يأتيك بهذه الاخبار عن (7) الله ؟ قال : جبرئيل .
  قال : لو كان غيره يأتيك بها لآمنت بك ، ولكن جبرئيل عدونا من بين الملائكة فلو كان ميكائيل أو غيره سوى جبرئيل يأتيك بها لامنت بك .

--------------------
(1) ( ربى ) أ .
(2) اشارة إلى قوله تعالى في سورة فاطر : 35
(3) ( أصابه ) أ .
(4) اشارة إلى قوله تعالى في سورة المرسلات : 30 و 31 .
(5) عنه البحار : 7/ 186 ح 46 ، وص 275 ح 50 ، وج 8/ 166 ح 110 ، وج 9/ 183 ذ ح 11 والبرهان : 1/ 129 ح 1 .
(6) أى شدد عليه وألزمه ما يصعب اداؤه ويشق تحمله .
(7) ( من عند ) ص . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _407 _
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ولم اتخذتم جبرئيل عدوا ؟ قال : لانه ينزل (1) بالبلاء والشدة على بني إسرائيل .
  ودفع (2) دانيال عن قتل ( بخت نصر ) حتى قوى أمره ، وأهلك بنى إسرائيل .
  وكذلك كل بأس وشدة لا ينزلها إلا جبرئيل ، وميكائيل يأتينا بالرحمة .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ويحك أجهلت أمر الله تعالى! ؟ وما ذنب جبرئيل إن أطاع الله فيما يريده بكم ؟ أرأيتم ملك الموت ؟ أهو عدوكم وقد وكله الله بقبض أرواح الخلق الذي أنتم منه ؟ أرأيتم الآباء والامهات إذا وجروا (3) الاولاد الادوية الكريهة لمصالحهم ، أيجب أن يتخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك ؟ لا ، ولكنكم بالله جاهلون ، وعن حكمته غافلون ، أشهد أن جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان ، وله مطيعان ، وأنه لا يعادي أحدهما إلا مكن عادى الآخر ، وأن من زعم أنه يحب أحدهما ويبغض الآخر فقد كذب .
  وكذلك محمد رسول الله وعلي أخوان ، كما أن جبرئيل وميكائيل أخوان ، فمن أحبهما فهو من أولياء الله، ومن أبغضهما فهو من أعداء الله، ومن أبغض أحدهما وزعم أنه يحب الآخر فقد كذب ، وهما منه بريئان ، وكذلك من أبغض واحدا مني ومن علي ، ثم زعم أنه يحب الآخر فقد كذب ، وكلانا منه بريئان ، والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه براء (4) .
  قوله عزوجل : ( ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ) : 92

--------------------
(1) ( نزل ) البحار .
(2) يأتى ص 448 وبتفصيله ص 454 .
(3) الوجور : الدواء الذى يصب في الفم .
(4) عنه البحار : 9/ 283 ح 1 وعن الاحتجاج : 1/ 46 باسناده عن الحسن العسكرى (عليه السلام) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 408 _
  278 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل لليهود الذين تقدم ذكرهم : (ولقد جاءكم موسى بالبينات) الدلالات (1) على نبوته ، وعلى ما وصفه من فضل محمد وشرفه على الخلائق ، وأبان عنه من خلافة علي ووصيته ، وأمر خلفائه بعده .
  (ثم اتخذتم العجل ـ إلها ـ من بعده) بعد انطلاقه إلى الجبل ، وخالفتم خليفته الذي نص عليه وتركه عليكم ، وهو هارون (عليه السلام) (وأنتم ظالمون) كافرون بما فعلتم من ذلك (2).

حديث الحدائق والتكفير

  279 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد مر معه بحديقة حسنة فقال علي (عليه السلام) : ما أحسنها من حديقة ! فقال : يا علي لك في الجنة أحسن منها .
  إلى أن مر بسبع حدائق كل ذلك يقول علي (عليه السلام) : ما أحسنها من حديقة ! ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لك في الجنة أحسن منها .
  ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكاءا شديدا ، فبكى علي (عليه السلام) لبكائه ، ثم قال : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال : يا أخي ـ يا ـ أبا الحسن ضغائن في صدور قوم يبدونها لك بعدي .
  قال على (عليه السلام) : يا رسول الله في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك .
  قال : يا رسول الله إذا سلم ديني فلا يسوءني ذلك .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لذلك جعلك الله لمحمد تاليا ، وإلى رضوانه وغفرانه داعيا ، وعن أولاد الرشد والغي بحبهم لك وبغضهم ـ عليك مميزا ـ منئبا (3) وللواء

--------------------
(1) ( الدالات ) س ، ص ، ق ، د ، البحار ، والبرهان ، والمراد : الايات التسع مثل : اليد البيضاء فلق البحر ، الطوفان .
(2) عنه البحار : 228/ 66 ح 26 ، والبرهان : 1/ 130 ح 1 .
(3) ( مثيبا ) ق ، ( منيبأ 9 د (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 409 _
  محمد يوم القيامة حاملا ، وللانبياء والرسل والصابرين (1) تحت لوائي إلى جنات النعيم قائدا .
  يا علي إن أصحاب موسى اتخذوا بعده عجلا وخالفوا خليفته ، وسيتخذ امتي بعدي عجلا ، ثم عجلا ، ثم عجلا ، ويخالفونك ، وأنت خليفتي على هؤلاء ، يضاهئون اولئك في اتخاذهم العجل .
  ألا فمن وافقك وأطاعك فهو معنا في الرفيع الاعلى ، ومن اتخذ العجل بعدي وخالفك ولم يتب ، فاولئك مع الذين اتخذوا العجل زمان موسى ، ولم يتوبوا ـ فهم ـ في نار جهنم خالدين مخلدين (2)

--------------------
(1) ( الصائرين ) ص ، والبحار .
(2) عنه البحار : 28/ 66 ح 26 ، أقول : ان حديث الحدائق هو حديث متواتر عنه (صلى الله عليه وآله) روته العامة والخاصة بأسانيد متعددة وألفاظ مختلفة ، منهم : أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة : 2/ 651 ح 1109 ، والحاكم النيشابورى في المستدرك : 3/ 139 ، والخطيب البغدادى في تاريخ بغداد : 12/ 398، والخوارزمى في مناقبه : 37 ، وفي مقتل الحسين : 36 ، وابن الجوزى في تذكرة الخواص : 45 ، والنجى في كفاية الطالب : 273 ، والطبرى في الرياض النضرة : 210 ، وفى ذخائر العقبى : 90 ، والحموينى في فرائد السمطين : 1/ 152 ح 115 والذهبى في ميزان الاعتدال : 2/ 331 ، وفى تلخيص المستدرك (المطبوع بذيل المستدرك : 3/ 139 ) ، والهيثمى في مجمع الزوائد : 9/ 118 ، والشافعى في المناقب : 16 (مخطوط) والشبلنجى في نور الابصار : 88 ، والهاشمى في أئمة الهدى : 40 ، والامر تسرى في أرجح المطالب : 664 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق : 2/ 321 ـ 325 بعدة أسانيد جميعا بالاسانيد عن أبى عثمان النهدى عن على (عليه السلام) ، ورواه أيضا الهيثمى في مجمع الزوائد : 9/ 118 (قال : رواه الطبرانى) والكركى في نفحات اللاهوت : 85 ، والامر تسرى في أرجح المطالب : 664 جميعا بالاسانيد عن ابن عباس ، ورواه المتقى الهندى في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد : < (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 410_
  280 ـ قال أبويعقوب (1) : قلت للامام (عليه السلام) : فهل كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولامير المؤمنين (عليه السلام) آيات تضاهي آيات موسى (عليه السلام) ؟ فقال الامام (عليه السلام) : علي (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وآيات رسول الله آيات علي (عليه السلام) ، وآيات علي (عليه السلام) آيات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وما من آية أعطاها الله تعالى موسى (عليه السلام) ولا غيره من الانبياء إلا وقد أعطى الله محمدا مثلها أو أعظم منها .
  واما العصا التي كانت لموسى (عليه السلام) فانقلبت ثعبانا ، فتلقفت ما أتته السحرة من عصيهم وحبالهم ، فلقد كان لمحمد (صلى الله عليه وآله) أفضل من ذلك ، وهو أن قوما من اليهود أتوا محمدا (صلى الله عليه وآله) فسألوه وجادلوه ، فما أتوه بشئ إلا أتاهم في جوابه بما بهرهم .
  فقالوا له : يا محمد إن كنت نبيا فأتنا بمثل عصا موسى .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن الذي أتيتكم به أعظم (2) من عصا موسى ، لانه باق

--------------------

> 5/ 53 وفى كنز العمال : 15/ 146 وص 156 من عدة طرق ، والجوهرى في كتاب الزيارات ( مخطوط) ، والشافعى في المناقب : 16 (مخطوط) جميعا بالاسانيد عن أنس .
والعسقلانى في المطالب العالية : 4/ 60 من طريق البزار وأبى يعلى عن على (عليه السلام) وأحمد المصرى في الاعتصام بحبل الاسلام : 159 ، والهاشمى الحنفى الهندى في تفريح الاحباب في مناقب الال والاصحاب : 323 ، والنقشبندى في مناقب العشرة : 29 وباكثير الحضرمى في وسيلة المآل : 131 (مخطوط) والحيدر آبادى في مناقب على : 46 من طريق الحاكم وأحمد ، واللكنهوئى في مرآه المؤمنين : 114 من طريق أبى يعلى .
والباغونى في جواهر المطالب : 33 ، وابن حجر في المطالب العالية : 4/ 60 .
وأخرجه ابن شهر اشوب في مناقب آل أبى طالب : 2/ 121 ، عن مسند أبى يعلى واعتقاد الاشنهى ومجموع أبى العلاء الهمدانى برواية أنس وأبى برزه وأبى رافع وعن الابانة لابن بطة (رواه من ثلاثة طرق) .
أخرجه عن بعض المصادر أعلاه في احقاق الحق : 6/ 180 - 181 وج 16/ 525 ـ 529 ، وللحديث مصادر اخرى ، فراجع .
(1) أى يوسف بن محمد الذى روى التفسير مع ابن سيار .
(2) ( أفضل ) البحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 411 _
  بعدي إلى يوم القيامة معرض (1) لجميع الاعداء والمخالفين ، لا يقدر أحد منهم أبدا على معارضة سورة منه ، وإن عصا موسى زالت ولم تبق بعده فتمتحن ، كما يبقى القرآن فيمتحن .
  ثم إني سآتيكم بما هو أعظم من عصا موسى (عليه السلام) وأعجب .
  فقالوا : فأتنا .
  فقال : إن موسى كانت عصاه بيده يلقيها ، فكانت القبط يقول كافرهم : هذا موسى يحتال في العصا بحيلة .
  وإن الله سوف يقلب خشبا لمحمد ثعابين بحيث لا تمسها يد محمد ولا يحضرها إذا رجعتم إلى بيوتكم واجتمعتم الليلة في مجمعكم في ذلك البيت قلب الله تعالى جذوع سقوفكم كلها أفاعي ، وهي أكثر من مائة جذع ، فتتصدع (2) مرارات أربعة منكم فيموتون ، ويغشى على الباقين منكم إلى غداة غد ، فيأتيكم يهود فتخبرونهم بما رأيتم فلا يصدقونكم ، فتعود بين أيديهم ، وتملا أعينهم ثعابين كما كانت في بارحتكم ، فيموت منهم جماعة ، ويخبل (3) جماعة ، ويغشى على أكثرهم .
  قال الامام (عليه السلام) : فو الذي بعثه بالحق نبيا لقد ضحك القوم ـ كلهم ـ بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يحتشمونه ولا يهابونه ، يقول بعضهم لبعض : انظروا ما ادعي ؟ وكيف قد عدا طوره ؟ (4) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ) : إن كنتم الآن تضحكون ، فسوف تكبون وتتحيرون (5) إذا شاهدتم ما عنه تخبرون (6) ألا فمن هاله ذلك منكم ، وخشي على نفسه أن يموت أو يخبل فليقل :( اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته ، علي الذي ارتضيته ، وأوليائهم الذين من

--------------------
(1) ( متعرض ) ط ، البحار ، والبرهان .
(2) تصدع الشئ : تشقق وانشق .
(3) أى يجن .
(4) أى جاوز حده .
(5) ( وتحزنون ) ق ، د .
(6) ( منه تتحيرون ) ص ، د . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 412_
  سلم لهم أمرهم اجتبيته ، لما قويتني على ما أرى ) .
  وإن كان من يموت هناك ممن (تحييه وتريد إحياءه) (1) فليدع ـ له ـ بهذا الدعاء ، ينشره الله عزوجل ويقويه .
  قال (عليه السلام) : فانصرفوا ، واجتمعوا في ذلك الموضع ، وجعلوا يهزأون بمحمد (صلى الله عليه وآله) وقوله : ( إن تلك الجذوع تنقلب أفاعى ) .
  فسمعوا حركة من السقف ، فاذا تلك الجذوع انقلبت أفاعي ، وقد ولت (2) رؤوسها عن الحائط وقصدت نحوهم تلتقمهم ، فلما وصلت إليهم كفت عنهم ، وعدلت إلى ما في الدار من أحباب (3) وجرار وكيزان (4) وصلايات (5) وكراسي وخشب وسلاليم وأبواب ، فالتقمتها وأكلتها .
  فأصابهم ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه يصيبهم ، فمات منهم أربعة ، وخبل جماعة وجماعة خافوا على أنفسهم ، فدعوا بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقويت قلوبهم .
  وكانت الاربعة ، أتى بعضهم فدعا لهم بهذا الدعاء ، فنشروا ، فلما رأوا ذلك قالوا : إن هذا الدعاء مجاب به ، وإن محمدا صادق ، وإن كان يثقل علينا تصديقه واتباعه أفلا ندعوا به لتلين ـ للايمان به ، والتصديق له ، والطاعة لاوامره وزواجره ـ قلوبنا ؟ فدعوا بذلك الدعاء ، فحبب الله عزوجل إليهم الايمان وطيبه في قلوبهم ، وكره إليهم الكفر ، فآمنوا بالله ورسوله .
  فلما أصبحوا من غد جاءت اليهود ، وقد عادت الجذوع ثعابين كما كانت ، شاهدوها

--------------------
(1) ( يحبه ويريد حياته ) بقية النسخ ، وما أثبتناه من ق .
(2) ( دلت ) ص ، ط ، ( لوت ) البحار ، والبرهان ، ولى عن الشئ : ابتعد ، دلى : أرسل .
(3) : جمع ( حب ) ، وهى الجرة الكبيرة .
(4) : جمع ( كوز ) وهو اناء كالابريق ، لكنه أصغر منه .
(5) الصلاية : كل حجر عريض يدق عليه . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 413_
  وتحيروا ، وغلب الشقاء عليهم (1) .
  281 ـ قال (عليه السلام) : وأما اليد فقد كان لمحمد (صلى الله عليه وآله) مثلها وأفضل منها وأكثر من مرة كان (صلى الله عليه وآله) يحب أن يأتيه الحسن والحسين (عليهما السلام) ، وكانا يكونان عند أهليهما أو مواليهما ـ أو دايتهما ـ (2) وكان يكون في ظلمة الليل ، فيناديهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أبا محمد ، يا أبا عبدالله هلما إلي.
  فيقبلان نحوه من ذلك البعد وقد بلغهما صوته ، فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبابته (3) - هكذا ـ يخرجها من الباب ، فتضئ لهما أحسن من ضوء القمر والشمس ، فيأتيان ، ثم تعود الاصبع كما كانت ، فاذا قضى وطره من لقائهما وحديثهما قال : ارجعا إلى موضعكما .
  وقال بعد بسبابته هكذا ، فأضاءت أحسن من ضياء القمر والشمس ، قد أحاط بهما إلى أن يرجعا إلى موضعهما ، ثم تعود إصبعه (صلى الله عليه وآله) كما كانت من لونها في سائر الاوقات (4) .
  283 ـ ـ قال : ـ وأما الطوفان الذي أرسله الله تعالى على القبط فقد أرسل الله تعالى مثله على قوم مشركين ، آية لمحمد صلى الله عليه وسلم .
  فقال : إن رجلا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقال له : ( ثابت بن الافلح ) (5) قتل رجلا

--------------------
(1) عنه البحار : 17/ 265 صدر ح 6 وفى آخره : ومات منهم جماعة ، وغلب الشقاء على الاخرين ، والبرهان : 2/ 29 صدر ح 4 واثبات الهداة : 2/ 159 صدر ح 607 .
(2) الداية : المرضعة أو القابلة .
(3) أي يشير بها .
(4) عنه البحار : 17/ 267 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2/ 30 ضمن ح 4 ، واثبات الهداة : 2/ 160 ضمن ح 607 .
(5) ( بن أبي الافلج (الافلح) ) أ ، ص ، ق ، البرهان ، وقد اختلف في ضبط اسمه ، فهو تارة ( الافلح ) ، واخرى ( الافلج ) ، وثالثة ( الاقلح ) وفى أكثر كتب العامة ( ابن أبى الافلح/ الاقلح ) أقول : بعد النظر في القصة بطولها يحتمل استنساخ الكتاب تصحيفا واستقاطا < (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 414 _
--------------------
> ولعله كان هكذا : فلما وقع بالمسلمين يوم احد ما وقع ـ فانصرف المشركون ، واشتغل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه ، بدفن أصحابه ، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عاصم ابن ثابت في جماعة إلى بعض الاقوام اجابة لطلبهم في تعليمهم القرآن ـ قتل عاصم ابن ثابت على ربوة من الارض، فجاءت المرأة أبى سفيان ... الخبر .
وملخص القصة : أن عاصم بن ثابت قتل من المشركين رجلا هو زوج سلافة بنت سعد ، اضافة إلى اثنين من أبنائها الاربعة المقتولين في معركة احد .
وكانت سلافة ـ هذه ـ قد نذرت : لئن قدرت على رأسه لتشرين في قحف رأسه الخمر .
وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة ، فانتشر عهدها بين القبائل ، حتى بعث الرسول الله (صلى الله عليه وآله) جماعة فيهم عاصم بن ثابت إلى بعض الاقوام ـ اجابة لطلبهم في تعليمهم القرآن - فلما وصلوا إلى بطن الرجيع ـ وهو ماء لهذيل ـ قتلهم حى منها يقال لهم : بنو لحيان ، وأرادوا أن يجتزوا رأس عاصم ، فمنعتهم الدبر ـ النحل ـ فقالوا : دعوه حتى نمسى فنذهب به .
فلما جاءوا ليلا بعث الله سيلا ، فاحتمله ، فذهب به ، فلم يصلوه .
ذلك أن عاصما قد كان عاهد الله من قبل : أن لا يمس مشركا ، ولا يمسه مشرك أبدا في حياته .
فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته .
وسمى بذلك ( حمى الدبر ) وتلك هى غزوة الرجيع ، ولا يخفى أن غزوة احد كانت في شوال لسبع ليال خلون منه ، وبعدها عزوة حمراء الاسد لثمان خلون منه ، وكلاهما سنة 3 ه ، ثم غزوة الرجيع في صفر سنة 4 ه .
لزيادة الاطلاع ، راجع اعلام الورى : 86 ، مناقب آل أبى طالب لابن شهر اشوب : 1/ 194 عنهما البحار : 20/ 150 ح 1 ، المغازى للواقدى : 356 ، رجال الشيخ : 25 رقم 49 ، رسالة الشيخ الحر : 79 رقم 276 ، رجال السيد الخوئى : 9/ 184 رقم 6049 ، اسد الغابة : 3/ 73 ، وقال في ص 76 عند ترجمته لعاصم بن عمر العدوى : وامه جميلة بنت ثابت ، وقيل : بنت عاصم بن ثابت .
سيرة ابن هشام : 3/ 79 و 178 ـ 180 تاريخ ابن الاثير : 1/ 156 وص 168 ، وغيرها . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _415 _
  من المشركين في بعض المغازي .
  فنذرت إمرأة ذلك المشرك المقتول : ( لتشربن في قحف رأس ذلك القاتل خمرا ).
  فلما وقع بالمسلمين يوم احد ما وقع ، قتل ( ثابت ) (1) على ربوة (2) من الارض فانصرف المشركون ، واشتغل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه بدفن أصحابه .
  فجاءت المرأة إلى أبى سفيان تسأله أن يبعث رجلا مع عبد لها إلى مكان ذلك المقتول ، فيحز (3) رأسه فيؤتى به لتفي بنذرها ، فتشرب في قحفه (4) خمرا ، وقد كانت البشارة (5) بقتله أتاها بها عبد لها ، فأعتقته وأعطته جارية لها ، ثم سألت أبا سفيان ، فبعث إلى ذلك المقتول مائتين من أصحابه الجلد (6) في جوف الليل ليحزوا رأسه فيأتونها به .
  فذهبوا ، فجاءت ريح فدحرجت الرجل إلى حدور (7) فتبعوه ليقطعوا رأسه .
  فجاء من المطر وابل عظيم ، فغرق المائتين ، ولم يوقف لذلك المقتول ولا لواحد

--------------------
(1) زاد في بعض النسخ : هذا .
(2) الظاهر أن ( ربوة من الارض ) ليست بجبل احد ، واليك استعمالاتها القرآنية : ( فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) الحج : 5 ، وفصلت : 39 ، ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) المؤمنون : 50 ، ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت اكلها ضعفين ) البقرة : 265 ، وهذا ينطبق على بطن الرجيع ، وهو ماء لهذيل ، حيث قتل عاصم .
(3) ( ليجز ) ب ، والبرهان ، ( لينحر ) ط وكلها بمعنى القطع .
(4) أى قحفة رأسه ، والقحف ـ بالكسر ـ : العظم الذى فوق الدماغ .
(5) لا جدال أن اتيان خبر قتل رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس بشارة الا عند هذه المرأة التى كانت تترقب هذا الخبر : لتشتفى نفسها وتفى نذرها ، وزاد في بعض النسخ : أتتها .
(6) أى ذوى القوة والصلابة .
(7) أى المكان الذى ينحدر منه . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 416 _
  من المائتين على عين ولا أثر ، ومنع الله الكافرة مما أرادت .
  فهذا أعظم من الطوفان آية لمحمد (صلى الله عليه وآله) (1) .
  283 ـ وأما الجراد المرسل على بني إسرائيل ، فقد فعل الله أعظم وأعجب منه بأعداء محمد (صلى الله عليه وآله) ، فانه أرسل عليهم جرادا أكلهم (2) ولم يأكل جراد موسى رجال القبط ، ولكنه أكل زروعهم .
  وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في بعض أسفاره إلى الشام ، وقد تبعه مائتان من يهودها في خروجه عنها وإقباله نحو مكة ، يريدون قتله ، مخافة أن يزيل الله دولة اليهود على يده ، فراموا قتله ، وكان في القافلة فلم يجسروا (3) عليه .
  وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد حاجة أبعد واستتر بأشجار ملتفة (4) أو بخربة بعيدة فخرج ذات يوم لحاجته فأبعد وتبعوه ، وأحاطوا به ، وسلوا سيوفهم عليه، فأثار (5) الله تعالى من تحت رجل محمد (صلى الله عليه وآله) من ذلك الرمل جرادا ، فاخترشتهم (6) وجعلت تأكلهم ، فاشتغلوا بأنفسهم عنه .
  فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حاجته ، وهم يأكلهم الجراد ، رجع (صلى الله عليه وآله) إلى أهل القافلة ، فقالوا ـ له : يا محمد ـ ما بال الجماعة خرجوا خلفك ولم يرجع منهم أحد ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : جاءوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد فجاءوا ، فنظروا إليهم فبعضهم قد مات ، وبعضهم قد كاد يموت ، والجراد يأكلهم ، فما زالوا ينظرون

--------------------
(1) عنه البحار : 17/ 267 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2/ 30 ضمن ح 4 ، واثبات الهداة : 2/ 160 ضمن ح 607 .
(2) ( لاكلهم ) ب ، س ، ط .
(3) ( يجترؤا ) أ ، وكلاهما بمعنى واحد .
(4) ( متباعدة ) ب ، س ، ص ، د . ( تكنفه ) الحلية ، والبحار ، كنف الشئ : صانه وحفظه .
(5) ( فأبان ) ب ، س ، ط .
(6) ( فاحترشهم ) س ، د ، فاجترشهم ص ، ( فاحتوشتهم ) البحار والبرهان ، ( فأجرشهم ) ق ، خرشه وحرشه : خدشه ، واحتوش القوم فلانا : جعلوه وسطهم . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 417 _
  إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم (1) فلم تبق منهم شيئا .
  (2) 284 ـ وأما القمل فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ظهر بالمدينة أمره ، وعلا بها شأنه حدث يوما (3) أصحابه عن امتحان الله عزوجل للانبياء (عليهم السلام) وعن صبرهم على الاذى في طاعة الله، فقال في حديثه : إن بين الركن والمقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل .
  فسمع ذلك بعض المنافقين من اليهود ، وبعض مردة كفار قريش فتآمروا (4) بينهم ـ وتوافقوا : ـ ليلحقن محمدا بهم ، فليقتلنه بسيوفهم حتى لا يكذب .
  فتآمروا بينهم ـ وهم مائتان ـ على الاحاطة به يوم يجدونه من المدينة ـ خاليا ـ خارجا .
  فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يوما خاليا ، فتبعه القوم ، فنظر أحدهم إلى ثياب نفسه وفيها قمل ، ثم جعل بدنه وظهره يحك من القمل ، فأنف منه أصحابه ، واستحيا فانسل عنهم ، فأبصر آخر ذلك من نفسه فانسل فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد من نفسه فرجعوا .
  ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل ، وانطبقت حلوقهم (5) فلم يدخل فيها طعام ولا شراب ، فماتوا كلهم في شهرين ، منهم من مات في خمسة أيام ، ومنهم من مات في عشرة أيام وأقل وأكثر ، ولم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك القمل والجوع والعطش .

--------------------
(1) ( أعينهم ) أ ، ص ، وكلاهما جمع ( عين ) .
(2) عنه البحار : 17/ 268 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2/ 30 ضمن ح 4 ، وحلية الابرار : 1/ 36 واثبات الهداة : 2/ 160 ضمن ح 607 .
(3) ( بها ) أ .
(4) أى فتشاوروا .
(5) كذا في أكثر النسخ والبحار والبرهان ، ( حلقومهم ) ب ، ط ، وفي البحار/ خ ل بلفظ ( ونقبت حلقومهم ) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 418_
  فهذا القمل الذي أرسله الله على أعداء محمد (صلى الله عليه وآله) آية له (1) .
  285 ـ وأما الضفادع ، فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد (صلى الله عليه وآله) لما قصدوا قتله فأهلكهم الله بالجرذ ، وذلك أن مائتين بعضهم كفار العرب ، وبعضهم يهود ، وبعضهم أخلاط من الناس اجتمعوا بمكة في أيام الموسم ، وهموا أنفسهم ليقتلن محمدا (صلى الله عليه وآله) فخرجوا نحو المدينة ، فبلغوا بعض تلك المنازل ، وإذا هناك ماء في بركة أو حوض أطيب من مائهم الذي كان معهم ، فصبوا ماكان معهم ، وملاوا رواياهم ومزاودهم (2) من ذلك الماء وارتحلوا ، فبلغوا أرضا ذات جرذ (3) كثيرة ، فحطوا رواحلهم عندها فسلطت على مزاودهم ورواياهم وسطايحهم (4) الجرذ فخرقتها وثقبتها ، وسالت مياهها في تلك الحرة (5) فلم يشعروا إلا وقد عطشوا ولا ماء معهم .
  فرجعوا القهقرى إلى تلك الحياض التي كانوا تزودوا منها تلك المياه ، وإذا الجرذ قد سبقتهم إليها ، فثقبت أصولها وسالت في الحرة مياهها .
  فوقفوا (6) آيسين من الماء وتماوتوا ، ولم ينقلب (7) منهم أحد إلا واحد كان لا يزال يكتب على لسانه محمدا ، وعلى بطنه محمدا ، ويقول : يا رب محمد وآل محمد

--------------------
(1) عنه البحار : 17/ 268 ضمن ح 6 والبرهان : 2/ 31 ضمن ح 4 .
(2) الرواية جمعها روايا : الدابة يستقى عليها أو المزادة من ثلاثة جلود فيها الماء ، قال ابن الاثير في النهاية : 2/ 279 : الروايا من الابل : الحوامل للماء ، واحدتها راوية فشبهها بها ، ومنه سميت المزادة ( راوية ) ، وقيل : بالعكس ، انتهى ، وقال ابن منظور في لسان العرب : 14/ 346 : والوعاء الذى يكون فيه الماء انما هى المزادة ، سميت رواية لمكان البعير الذى يحملها .
(3) زاد في البرهان ( وضفادع ) وكذا بعدها .
(4) السطيحة : المزادة أو أصغر منها .
(5) الحرة ـ بفتح الحاء وتشديد الراء ـ: الارض ذات حجارة نخرة.
(6) ( فرجعوا ) أ ، ( فوقعوا ) ص ، ق ، د والبرهان.
(7) انقلب : انكب ورجع. (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 419 _
  قد تبت من أذى محمد ، ففرج عنى بجاه محمد وآله محمد .
  فسلم ، وكف الله عنه العطش ، فوردت عليه قافلة ، فسقوه وحملوه وأمتعة القوم وجمالهم ، وكانت ـ الجمال ـ أصبر على العطش من رجالها فآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلك الجمال والاموال له (1) .
  286 ـ قال (عليه السلام) : وأما الدم فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتجم مرة ، فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدرى وقال له : غيبه .
  فذهب ، فشربه (2) .
  فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ماذا صنعت به ؟ قال : شربته يا رسول الله.
  قال : أولم أقل لك غيبه ؟ فقال : قد غيبته في وعاء حريز (3).
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إياك وأن تعود لمثل هذا ، ثم أعلم أن الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بلحمي ودمي .

--------------------
(1) عنه البحار : 17/ 268 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2/ 31 ضمن ح 4 .
(2) تذكر لنا الروايات أن جمعا من الصحابة كان قد شرب الدم بعد احتجام الرسول (صلى الله عليه وآله) ، ففى طب الائمة : 69 : ... قال أبوطيبة ، حجمت رسول الله صلى الله على وآله ... وشربت دمه ، وفى رواية الكافى : 5/ 116 ( مولى بنى بياضة ) وفى تبرك الصحابة : 15 ، والسيرة الحلبية : 2/ 248 ، والاصابة : 2/ 6 ، والاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) : 2/ 72 ، واسد الغاية : 2/ 247 ، والرصف : 141 وكنز العمال : 19/ 199 وج 20/ 10 ( سالم الحجام ) ، وفى اسد الغاية : 4/ 281 ، وعمدة الاخبار : 159 ، والسيرة الحلبية : 2/ 247 ، والاصابة : 3/ 346 ، وسيرة دحلان : 2/ 257 ، والمغازى للواقدى : 1/ 247 ، والرصف : 87 ، جميعا أنه شرب ( مالك بن سنان بن عبيد الانصارى الخزرجى ) والد أبى سعيد الخدرى دمه (صلى الله عليه وآله) ، أقول : لعله سقط من الراوى أو الناسخ كلمة ( والد ) ، أو أن الابن كذلك شرب منه والله العالم .
(3) أى الحصين ، يقال : هذا حرز حريز . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 420 _
  فجعل أربعون من المنافقين يهزأون برسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون زعم أنه قد أعتق ( الخدرى ) من النار لاختلاط دمه بدمه ، وما هو إلا كذاب مفتر ! أما نحن فنستقذر دمه .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أما إن الله يعذبهم بالدم ويميتهم به ، وإن كان لم يمت القبط .
  فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم ، وسيلان دماء من أضراسهم فكان طعامهم وشرابهم يختلط بالدم (1) فيأكلونه ، فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين ثم هلكوا .
  (2) 287 ـ وأما السنين ونقص من الثمرات فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا على مضر فقال : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) .
  فابتلاهم الله بالقحط والجوع ، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية ، فاذا اشتروه وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس (3) وينتن ويفسد ، فيذهب أموالهم ، ولا يجعل (4) لهم في الطعام نفع حتى أضربهم الازم (5) والجوع الشديد العظيم حتى أكلوا الكلاب الميتة ، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها ، وحتى نبشوا عن قبور الموتى فأكلوهم ، وحتى ربما أكلت المرأة طفلها ، إلى أن مشى جماعة (6) من رؤساء قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا : يا محمد هبك عاديت الرجال ، فما بال النساء والصبيان والبهائم ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أنتم بهذا معاقبون ، وأطفالكم وحيواناتكم ـ بهذا ـ غير معاقبة بل هي معوضة (7) بجميع المنافع حين يشاء ربنا في الدنيا والآخرة ، وسوف يعوضها

--------------------
(1) ( بذلك ) ب ، س ، ط .
(2) التخريجة السابقة .
(3) أى يقع فيه السوس ، وهو دود يقع في الطعام والخشب ، ونحوها .
(4) ( يحصل ) البحار ، والبرهان .
(5) جمع أزمة ، وهى الشدة والضيقة والقحط ، واستظهرها في ( ص ) : الالام.
(6) ( جماعات ) ب ، ط .
(7) ( معرضة ) ب ، س ، د ، يقال عرضه من ماله بكذا : عوضه منه به . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 421 _
  الله تعالى عما أصابهم (1).
  ثم عفا عن مضر وقال : ( اللهم افرج عنهم ) فعاد إليهم الخصب والدعة والرفاهية .
  فذلك قوله عزوجل فيهم يعدد (عليهم نعمه )(2) : (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (3) .
  288 ـ وقال أمير المؤمنين (4) (عليه السلام) : وأما الطمس لاموال قوم فرعون فقد كان مثله آية لمحمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ، وذلك أن شيخا كبيرا جاء بابنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والشيخ يبكي ويقول : يا رسول الله ابني هذا غذوته صغيرا ، وصنته (5) طفلا عزيزا ، وأعنته (6) بمالي كثيرا حتى ـ إذا ـ اشتد أزره ، وقوي ظهره ، وكثر ماله ، وفنيت قوتي ، وذهب مالي عليه وصرت من الضعف إلى ماترى قعد (7) بي ، فلا يواسيني بالقوت الممسك لرمقي .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للشاب : ماذا تقول : قال يا رسول الله لا فضل معي عن قوتي وقوت عيالي .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للوالد : ماذا تقول ؟ قال : يا رسول الله إن له أنابير (8) حنطة وشعير وتمر وزبيب ، و ـ بدر ـ (9) الدراهم والدنانير وهو غني .

--------------------
(1) ( أصابها ) ق ، د .
(2) ( نعمهم ) ب ، ص .
(3) عنه البحار : 17/ 271 ضمن ح 6 والبرهان : 2/ 32 ضمن ح 4 ، واثبات الهداة : 2/ 161 ضمن ح 607 باختصار ، وأورد مثله ابن شهر اشوب في مناقب آل أبى طالب : 1/ 106 مرسلا عن الضحاك ، عنه البرهان : 4/ 160 ح 1 . والاية الاخيرة من سورة قريش : 4 .
(4) ( قال الامام ) البحار ، وزاد قبلها في البرهان : قال الامام (عليه السلام) .
(5) ( مننته ) أ ، ق ، ( ضمنته ) س ، ص ، ( منته ) البحار ، المنة : الاحسان ، وصانه : حفظه ، وضمن الشئ : كفله ، ومانه ، يمونه : احتمل مؤونته .
(6) ( أغنيته ) أ .
(7) يقال : تقاعد به فلان : اذا لم يخرج اليه من حقه ، ( فعدل ) ب ، س ، ص ، ط ، د .
(8) جمع أنبار : وهو بيت التاجر الذي تنضد فيه الغلال والمتاع .
(9) بفتح الدال ، جمع بدرة ، والبدرة من المال : كمية عظيمة منه ، عشرة آلاف درهم (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 422 _
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للابن : ما تقول ؟ قال الابن : يا رسول الله مالي شئ مما قال .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إتق الله يافتى ، وأحسن إلى والدك المحسن إليك يحسن الله إليك ، قال : لا شئ لي .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فنحن نعطيه عنك في هذا الشهر ، فأعطه أنت فيما بعده وقال لاسامة : أعط الشيخ مائة درهم نفقة شهر لنفسه وعياله ، ففعل .
  فلما كان رأس الشهر جاء الشيخ والغلام ، فقال الغلام : لا شئ لي .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لك مال كثير ، ولكنك تمسي اليوم وأنت فقير وقير ؟ أفقر من أبيك هذا ، لا شئ لك .
  فانصرف الشاب ، فاذا جيران أنابيره قد اجتمعوا عليه يقولون : حول هذه الانابير عنا .
  فجاء إلى أنابيره ، فاذا الحنطة والشعير والتمر والزبيب قد نتن جميعه ، وفسد وهلك ، وأخذوه بتحويل ذلك عن جوارهم ، فاكترى اجراء بأموال كثيرة فحولوها وأخرجوها بعيدا عن المدينة .
  ثم ذهب ليخرج إليهم الكراء من أكياسه التي فيها دراهمه ودنانيره فاذا هي ـ قد ـ طمست ومسخت حجارة ، وأخذه الحمالون بالاجرة ، فباع ماكان له من كسوة وفرش ودار وأعطاها في الكراء ، وخرج من ذلك كله صفرا ، ثم بقي فقيرا وقيرا (1) لا يهتدي إلى قوت يومه ، فسقم لذلك جسده وضني (2) .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أيها العاقون للاباء والامهات اعتبروا ، واعلموا أنه كما طمس في الدنيا على أمواله فكذلك جعل بدل ما كان اعد له في الجنة من الدرجات معدا له في النار من الدركات (3) .
  ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن الله تعالى ذم اليهود بعبادة العجل من دون الله بعد

--------------------
(1) ( وقترا ) ق ، والوقير : الذليل المهان .
(2) أى مرض فتمكن منه الضعف والهزال .
(3) جمع دركة ، وهى الدرجة اذا اعتبرت النزول : ويقابلها الدرجة للصاعد . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 423_
  رؤيتهم لتلك الآيات ، فاياكم وأن تضاهوهم (1) في ذلك .
  وقالوا : وكيف نضاهيهم يا رسول الله ؟ قال : بأن تطيعوا مخلوقا في معصية الله وتتوكلوا عليه من دون الله، فتكونوا قد ضاهيتموهم (2) .
  289 ـ قال الامام (عليه السلام) : وأما نظيره لعلي بن أبي طالب فان رجلا من محبيه كتب إليه من الشام : يا أمير المؤمنين أنا بعيالي مثقل (3) وعليهم إن خرجت خائف وبأموالي التي ـ اخلفها إن خرجت ـ ضنين (4)، واحب اللحاق بك ، والكون في جملتك ، والحفوف (5) في خدمتك ، فجد لي يا أمير المؤمنين .
  فبعث إليه علي (عليه السلام) : إجمع أهلك وعيالك وحصل عندهم مالك ، وصل على ذلك كله على محمد وآله الطيبين ، ثم قل : ( اللهم هذه كلها ودائعي عندك بأمر عبدك ووليك علي بن أبي طالب ) ثم قم وانهض إلي.
  ففعل الرجل ذلك ، واخبر معاوية بهربه إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأمر معاوية أن يسبى عياله ويسترقوا ، وأن ينهب ماله .
  فذهبوا ، فألقى الله تعالى عليهم شبه عيال معاوية ، وشبه أخص حاشية ليزيد (6) ابن معاوية يقولون : نحن أخذنا هذا المال وهو لنا ، وأما عياله فقد استرققناهم وبعثناهم إلى السوق فكفوا لما رأوا ذلك .

--------------------
(1) المضاهاة : المشابهة ، وقد تهمز .
(2) عنه البحار : 17/ 271 ذ ح 6 ، والبرهان : 2/ 194 ح 1 ، واثبات الهداه : 2/ 161 ح 608 باختصار .
(3) ( مشتغل ) ب ، ط .
(4) ( ظنين ، وأخر ) البحار ، ضنين : بخيل ، ظنين : متهم ، أو قليل الحيلة .
(5) حفه بكذا : أحاطه به ، ( الحقوق ) البحار ، قال المجلسى ـ رحمة الله عليه ـ : هو التحرك والاضطراب ، ( الحفوق ) ق ، د ، وفى بعض النسخ بالفاءين .
(6) ( وحاشيته أخص حاشية كيزيد ) أ ، ولا يخفى عل ذى الاربة أن لابناء الملوك من الحاشية والخواص ما يقارب حاشية الملك نفسه ، ودون أن يكون لسنى العمر اعتبار في ذلك فاحفظ . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 424 _
  وعرف الله عياله أنه قد ألقى عليهم شبه عيال معاوية وعيال خاصة يزيد ، فأشفقوا من أموالهم أن يسرقها اللصوص ، فمسخ الله المال عقارب وحيات ، كلما قصد اللصوص ليأخذوا منه لدغوا ولسعوا ، فمات منهم قوم ، وضني آخرون ، ودفع الله عن ماله بذلك إلى أن قال علي (عليه السلام) يوما للرجل : أتحب أن يأتيك عيالك ومالك ؟ قال : بلى .
  قال على (عليه السلام) : اللهم ائت بهم .
  فاذا هم بحضرة الرجل لا يفقد من جميع عياله وماله شيئا .
  فأخبروه بما ألقى الله تعالى من شبه عيال معاوية وخاصته وحاشية يزيد عليهم وبما مسخه من أموله عقارب وحيات تلسع اللص الذي يريد أخذ شئ منه .
  قال على على السلام : إن الله ربما أظهر آية لبعض المؤمنين ليزيد في بصيرته ، ولبعض الكافرين ليبالغ في الاعذار إليه (1) .
  290 ـ قوله عزوجل : ( واذا اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ايمانكم ان كنتم مؤمنين ) : 93 قال الامام (عليه السلام) : قال الله عزوجل : واذكروا إذ فعلنا ذلك بأسلافكم لما أبوا قبول ماجاءهم به موسى (عليه السلام) : من دين الله وأحكامه ، ومن الامر بتفضيل محمد وعلي صلوات الله عليهما وخلفائهما على سائر الخلق (خذوا ما آتيناكم) قلنا لهم : خذوا ما آتيناكم من هذه الفرائض (بقوة) قد جعلناها لكم ، مكناكم بها ، وأزحنا عللكم (2) في تركيبها فيكم

--------------------
(1) عنه البحار : 42/ 39 ح 13 ، والبرهان : 2/ 194 ح 2 ، ومدينة المعاجز : 71 ح 180 .
(2) ( أرحنا عليكم ) أ . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 425 _
  (واسمعوا) مايقال لكم و ـ ما ـ تؤمرون به .
  (قالوا سمعنا) قولك (وعصينا) أمرك ، أي إنهم عصوا بعد ، وأضمروا في الحال أيضا العصيان (واشربوا في قلوبهم العجل) امروا بشرب العجل الذي كان قد ذرأت سحالته (1) في الماء الذي اامروا بشربه ليتبين من عبده ممن لم يعبده (بكفرهم) لاجل كفرهم امروا بذلك .
  (قل) يا محمد : (بئسما يأمركم به إيمانكم) بموسى كفركم بمحمد وعلي وأولياء الله من أهلهما (2) (إن كنتم مؤمنين) بتوراة موسى ، ولكن معاذ الله لا يأمركم إيمانكم بالتوراة الكفر بمحمد وعلي (عليهما السلام) (3) .
  291 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إن الله تعالى ذكر بني إسرائيل في عصر محمد (صلى الله عليه وآله) أحوال آبائهم الذين كانوا في أيام موسى (عليه السلام) كيف أخذ عليهم العهد والميثاق لمحمد وعلي وآلهما الطيبين المنتجبين للخلافة على الخلائق ولاصحابهما وشيعتهما وسائر امة محمد (صلى الله عليه وآله) فقال : (وإذ أخذنا ميثاقكم) اذكروا إذ أخذنا ميثاق آبائكم (ورفعنا فوقكم الطور) الجبل لما أبوا قبول ما اريد منهم والاعتراف به (خذوا ما آتيناكم) أعطيناكم (بقوة) ـ يعني ـ بالقوة التي أعطيناكم تصلح ـ لكم ـ لذلك (واسمعوا) أي أطيعوا فيه .
  (قالوا سمعنا) بآذاننا (وعصينا) بقلوبنا .
  فأما في الظاهر فأعطوا كلهم الطاعة (4) داخرين صاغرين ، ثم قال : (واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) عرضوا لشرب العجل الذي عبدوه حتى وصل ما شربوه من ذلك إلى قلوبهم .

--------------------
(1) السحالة : برادة الذهب أو الفضة ، وتقدمت قصته بالتفصيل ص 254 ، فراجع .
(2) ( آلهما ) البرهان .
(3) عنه البحار : 13/ 238 صدر ح 48 ، والبرهان : 1/ 130 صدر ح 1 .
(4) ( الجزية ) أ ، ط ، والبرهان ، وهو تصحيف على ما يفصله في آخر صفحة 427 . (*)