قوله تعالى ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) .
  23 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أمر الله عزوجل عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم ، وهم : النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وأن يستعيذوا ـ به ـ من طريق المغضوب عليهم وهم اليهود الذين قال الله تعالى فيهم : ( قل هل انبئكم بشر من ذلك مثوبة عندالله من لعنه الله وغضب عليه ) (1) وأن يستعيذوا به من طريق الضالين ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) (2) وهم النصارى .
  ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه ، وضال عن سبيل الله عزوجل .
  وقال الرضا (عليه السلام) كذلك ، وزاد فيه ، فقال : ومن تجاوز بأمير المؤمنين (عليه السلام) العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين (3).
   24 ـ وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( لاتتجاوزوا بنا العبودية ، ثم قولوا ماشئتم ولن تبلغوا (4) وإياكم والغلو كغلو النصارى ، فأني برئ من الغالين ) .
  قال : فقام إليه رجل فقال له : يابن رسول الله صف لنا ربك ، فان من قبلنا قد اختلفوا علينا (5).

--------------------
(1 ، 2) : 60 ، 77 .
(3) عنه البحار : 92/ 256 ذ ح 48 ، وتأويل الايات : 1/ 30 ح 15 قطعة ، وعنه البحار : 25/ 273 ضمن ح 20 وعن الاحتجاج : 2/ 233 قطعة .
(4) قال المجلسى ـ رحمه الله ـ : أى بعد ما أثبتم لنا العبودية ، كل ما قلتم في وصفنا كنتم مقصرين في حقنا ، ولن تبلغوا ما نستحقه من التوصيف .
أقول : ان المراد هو استحالة بلوغنا ما يستحقونه (عليهم السلام) أبدا .
وبالحق أقول : وأنى لنا ذلك وقد اصطفاهم الله على الخلق .
(5) زاد في الاحتجاج ( فوصفه الرضا (عليه السلام) أحسن وصف ، ومجده ، ونزهه عما لا يليق به تعالى ) وأسقط كل الخطبة . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 52 _

  الله عزوجل ذليلا وإليه أواها (1) منيبا ، أفمن ـ كان ـ هذه صفته يكون إلها ؟ ! ـ فان كان هذا إلها ـ فليس منكم أحد إلا وهو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدوث (2) كل موصوف بها .
  ثم قال (عليه السلام) : حدثني أبي ، عن جدي ، عن رسول الله (عليه السلام) أنه قال : ماعرف الله تعالى من شبهه بخلقه ، ولا عدله من نسب إليه ذنوب عباده .
  فقال الرجل : يابن رسول الله إنهم يزعمون أن عليا (عليه السلام) لما أظهر من نفسه المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله تعالى دل ذلك على أنه إله ، ولما ظهر لم بصفات المحدثين العاجزين لبس بذلك عليهم ، وامتحنهم ليعرفوه ، وليكون إيمانهم به اختيارا من أنفسم .
  فقال الرضا (عليه السلام) : أول ما هاهنا أنهم لا ينفصلون ممن قلب هذا عليهم .
  فقال : لما ظهر منه الفقر والفاقة دل على أن من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات فعله ، فعلم بهذا أن الذي ظهر منه ـ من ـ المعجزات إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين ، لافعل المحدث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف (3).
  25 ـ ثم قال الرضا (عليه السلام) : لقد ذكرتني بما حكيته ـ عن ـ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) وقول زين العابدين (عليه السلام) : أما قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما حدثنيه أبي ، عن جدي ، عن أبيه ( ـ عن جده ـ ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن ـ يقبضه ـ بقبض العلماء .

--------------------
(1) أى كثير الدعاء والتأوه .
(2) ( حداث ) أ ، ( حدث ) البحار : 25 .
(3) عنه البحار : 4/ 303 ح 31 (إلى قوله : ذنوب عباده) ، وعنه البحار : 25/ 274 ضمن ح 20 ، واثبات الهداة : 7/ 471 ح 64 ، وعن الاحتجاج : 22/ 233 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _53 _
  فاذا لم ينزل عالم إلى عالم (1) يصرف عنه طلاب حطام الدنيا وحرامها ، ويمنعون الحق أهله ، ويجعلونه لغير أهله ، اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (2).
   26 ـ وأما قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو قوله : يا معشر شيعتنا والمنتحلين ـ مودتنا ـ (3) إياكم وأصحاب الرأي ، فانهم أعداء السنن ، تفلتت (4) منهم الاحاديث أن يحفظوها وأعيتهم السنة أن يعوها ، فاتخذوا عباد الله خولا (5) ، وماله دولا، فذلت لهم الرقاب وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب ، ونازعوا الحق أهله ، وتمثلوا بالائمة الصادقين وهم من الجهال والكفار والملاعين ، فسئلوا عما لا يعلمون ، فأنفوا أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون ، فعارضوا الدين ـ بآرائهم فضلوا وأضلوا .
  أما لو كان الدين ـ بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما (6).
   27 ـ وأما قول على بن الحسين (عليهما السلام) فانه قال : إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته (7) وهديه ، وتماوت (8) في منطقه ، وتخاضع في حركاته ، فرويدا لا يغرنكم ، فما أكثر

--------------------
(1) قال المجلسى (ره) : أى اذا لم يعلم العالم علمه : اما للتقية ، أو لعدم قابلية المتعلمين فمات ذلك العالم ، صرف طلاب حطام الدنيا الناس عن العلم لقلة أعوان العلم ويمنعون الحق أهله لذهاب أنصار الحق .
(2) عنه البحار : 2/ 83 ح .
(3) قال المجلسى (ره) : ( المنتحلين مودتنا ) فيه تعريض بهم ، اذ الانتحال : ادعاء أمر من غير الاتصاف به حقيقة ، ويحتمل أن يكون المراد الذين اتخذوا مودتنا نحلتهم ودينهم .
(4) قال المجلسى (ره) : أى فات وذهب منهم حفظ الاحاديث ، وأعجزهم ضبط السنة ، فلم يقدروا عليه .
(5) أى خدما وعبيدا .
(6) عنه البحار : 2/ 84 ح 9 .
(7) السمت : الطريق ، وهيئة أهل الخير ، (قاموس المحيط: 1/ 150) . (8) ( تمارث ) أ ، ( تمارت ) الوسائل، مرث الشئ : لينه ، ومرث الصبى اصبعه : لاكها ، ومرت الشئ : ملسه ، قال ابن الاثير في النهاية : 4/ 370 : تماوت الرجل : اذا أظهر من نفسه التخافت والتضاعف من العبادة والزهد والصوم ،وقال الفيروز آبادى في قاموس المحيط : 1/ 158 : المتماوت : الناسك المرائى . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 54 _
  من يعجزه تناول الدنيا ، وركوب المحارم منها (1) ، لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه فتصب الدين فخا (2) لها ، فهو لا يزل يختل (3) الناس بظاهره ، فان تمكن من حرام اقتحمه .
  فاذا وجدتموه يعف من المال الحرام (فرويدا لايغرنكم ، فان شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام) (4) وإن أكثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة ، فيأتي منها محرما .
  فاذا وجدتموه يعف عن ذلك ، فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقدة (5) عقله فما أكثر من يترك ذلك أجمع ، ثم لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله .
  فاذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله ؟ أو يكون مع عقله على هواه ؟ وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فان في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك (6) الدنيا للدنيا ، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الاموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة ، حتى إذا قيل له : ( إتق الله، أخذته العزة بالاثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) (7).

--------------------
(1) (فيها ) أ .
(2) ( فجا ) أ ، والفج : الطريق الواسع .
(3) ( يحيل ) أ . ختله يختله : اذا خدعه وراوغه .
(4) ( قلبه ) ط ، وفى ( أ ) من بدل ( عن )، قال ابن الاثير في النهاية : 5/ 11 : نبا عنه بصره : أى تجافى ولم ينظر اليه .
(5) ( عقيدة ) ط ، ( عقده ) بعض المصادر .
  قال المجلسى (ره) ( يحتمل أن تكون ) ما ( استفهامية ، والعقدة اسما بمعنى ما عقد عليه فيرجع إلى المعنى الاول، ويحتمل على الاخير أن يكون المراد ثبات عقله واستقراره وعدم تزلزله فيما يحكم به عقله ) .
(6) ( يترك ) ب ، ط ، والبحار .
(7) اشارة لقوله تعالى في سورة البقرة : 206 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 55 _
  فهو يخبط ـ خبط ـ (1) عشواء ، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمد يده (2) بعد طلبه لما لا يقدر ـ عليه ـ (3) في طغيانه ، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله لايبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته (4) التي قد شقى من أجلها .
  فاولئك ـ مع ـ الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدلهم عذابا مهينا .
  ولكن الرجل كل الرجل ، نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر الله، وقواه مبذولة في رضاء الله تعالى ، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الابد من العز في الباطل ، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعم في دار لا تبيد ولا تنفد ، وإن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال .
  فذالكم الرجل نعم الرجل ، فبه فتمسكوا ، وبسنته فاقتدوا ، وإلى ربكم فبه فتوسلوا ، فانه لا ترد له دعوة ، ولاتخيب له طلبة (5).
  28 ـ ثم قال الرضا (عليه السلام) : إن هؤلاء الضلال الكفرة ما أتوا (6) إلا من جهلهم بمقادير أنفسهم ، حتى اشتد إعجابهم بها ، وكثر تعظيمهم لما يكون منها ، فاستبدوا بآرائهم الافسدة ، واقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير السبيل الواجب ، حتى استصغروا

--------------------
(1) من البحار : ويقال ذلك لمن يتصرف في الامور على غير بصيرة .
(2) ( يمد به ) تنبيه الخواطر ، ) يمد ربه ) بعض المصادر .
قال المجلسى (ره) : ( ويمده ربه أى يقويه ، من مد الجيش وأمده اذا زاده وقواه ، أى بعد أن طلب مالا يقدر عليه من دعوى الامامة ، ورئاسة الخلق ، وافتاء الناس فعجز عنها لنقصه وجهله استحق منع لطفه تعالى عنه ، فصار ذلك سببا لتماديه في طغيانه وضلاله ) .
(3) من البحار .
(4) ( الرئاسة ) أ .
(5) عنه تنبيه الخواطر : 2/ 98 ، والبحار : 2/ 84 ح 10 ، وفى ص 85 ح 11 عن الاحتجاج : 2/ 52 ، وعنه الوسائل : 5/ 394 ح 14 وعن الاحتجاج ، وأخرجه في البحار : 74/ 184 ح 1 عن الاحتجاج .
(6) على بناء المجهول أى : ما اهلكوا ، قاله المجلسى (ره) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 56 _
  قدر الله، واحتقروا أمره ، وتهاونوا بعظيم شأنه .
  إذ لم يعلموا أنه القادر بنفسه ، الغني بذاته الذي ليست قدرته مستعارة ، ولا غناه مستفادا ، والذي من شاء أفقره ، ومن شاء أغناه ، ومن شاء أعجزه بعد القدرة وأفقره بعد الغنى .
  فنظروا إلى عبد قد اختصه ـ الله ـ (1) بقدرته ليبين بها فضله عنده، وآثره بكرامته ليوجب بها حجته على خلقه ، وليجعل ما آتاه من ذلك ثوابا على طاعته ، وباعثا على اتباع أمره ، ومؤمنا عباده المكلفين من غلط من نصبه عليهم حجة ، ولهم قدوة فكانوا كطلاب ملك من ملوك الدنيا ، ينتجعون فضله ، ويؤملون نائله ، ويرجون التفيؤ (2) بظله ، والانتعاش بمعروفه ، والانقلاب إلى أهليهم بجزيل عطائه الذي يغنيهم عن (3) كلب الدنيا ، وينقذهم من التعرض لدني المكاسب ، وخسيس المطالب فبيناهم يسألون عن طريق الملك ليترصدوه ، وقد وجهوا الرغبة نحوه ، وتعلقت قلوبهم برؤيته إذ قيل : أنه سيطلع عليكم في جيوشه ومواكبه وخيله ورجله .
  فاذا رأيتموه فأعطوه من التعظيم حقه ، ومن الاقرار بالمملكة (4) واجبه ، وإياكم أن تسموا باسمه غيره ، أو تعظموا سواه كتعظيمه ، فتكونوا قد بخستم الملك حقه وأزريتم (5) عليه ، واستحققتم بذلك منه عظيم عقوبته .
  فقالوا : نحن كذلك فاعلون جهدنا وطاقتنا .
   فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك في خيل قد ضمها إليه سيده ، ورجل (6) قد جعلهم في جملته ، وأموال قد حباه بها ، فنظر هؤلاء وهم للملك طالبون ، فاستكثروا ما رأوا بهذا العبد من نعم

--------------------
(1) من المصادر .
(2) ( الدنيا ) ط .
(3) ( يعينهم على ) الاحتجاج والبحار .
(4) ( بالملك له ) ب ، ط .
(5) ( أرذيتم ) أ ، ( أذريتم) ط ، أزرى عليه عمله : عابه عليه ، والازراء: التحقير ، وأرذاه : نبذه .
(6) الرجل ـ بكسر الراء ـ: الطائفة من الشئ ، جمعها : أرجال، (لسان العرب : 11/ 272) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 57 _
  سيده ، ورفعوه عن أن يكون هو المنعم عليه بما وجدوا معه (1) ، فأقبلوا إليه يحيونه تحية الملك ، ويسمونه باسمه ، ويجحدون أن يكون فوقه ملك أو له مالك .
  فأقبل عليهم العبد المنعم عليه ، وسائر جنوده ، بالزجر والنهي عن ذلك ، والبراءة مما يسمونه به ، ويخبرونهم بأن الملك هو الذي أنعم بهذا عليه ، واختصه به ، وأن قولكم ـ ب ـ ما تقولون يوجب عليكم سخط الملك وعذابه ، ويفيتكم (2) كلما أملتموه من جهته ، وأقبل هؤلاء القوم يكذبونهم ويردون عليهم قولهم .
  فما زال كذلك حتى غضب ـ عليهم ـ الملك لما وجد هؤلاء قد سموا (3) به عبده وأزروا عليه في مملكته ، وبخسوه حق تعظيمه ، فحشرهم أجمعين إلى حبسه ، ووكل بهم من يسومهم سوء العذاب .
  فكذلك هؤلاء وجدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) عبدا أكرمه الله ليبين فضله ، ويقيم حجته فصغر عندهم خالقهم أن يكون جعل عليا ـ له ـ عبدا ، وأكبروا عليا أن يكون الله عزوجل له ربا ، فسموه بغير اسمه ، فنهاهم هو وأتباعه من أهل ملته وشيعته وقالوا لهم : يا هؤلاء إن عليا وولده عباد مكرمون ، مخلوقون مدبرون لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه رب العالمين ، ولا يملكون إلا ما ملكهم ـ الله ـ لا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ، ولا قبضا ولا بسطا ولا حركة ولا سكونا إلا ما أقدرهم الله عليه وطوقهم ، وإن ربهم وخالقهم يجل عن صفات المحدثين ، ويتعالى عن نعوت المحدودين .
   وإن من اتخذهم ـ أو واحدا منهم ـ أربابا من دون الله فهو من الكافرين ، وقد ضل سواء السبيل .

--------------------
(1) كذا في الاحتجاج ، وفى غيره : معه عبدا .
(2) قال المجلسى (ره) : يفيتكم على بناء الافعال من الفوت وفى بعض النسخ ( يفوتكم ) بمعنى : يوجب ... وأن يفوتكم .
(3) ( ساؤا ) ط ، ( سووا ) الاحتجاج ، ( ساووا ) البحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 58 _
  فأبى القوم إلا جماحا (1) وامتدوا في طغيانهم يعمهون ، فبطلت أمانيهم ، وخابت مطالبهم وبقوا في العذاب الاليم (2).
   30 ـ قال الامام أبومحمد الحسن (عليه السلام) : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : فاتحة (3) الكتاب هذه أعطاها الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وأمته ، بدأ فيها بالحمد لله والثناء عليه ، ثم ثنى بالدعاء لله عزوجل ولقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : قال الله عزوجل : قسمت الحمد بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها ل ي، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل : اذا قال العبد : (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله عزوجل : بدأ عبدي باسمي حق علي أن أتم ـ م ـ له أموره ، وأبارك له في أحواله .
  فاذا قال : (الحمدلله رب العالمين) قال الله عزوجل : حمدني عبدي ، وعلم أن النعم التي له من عندي ، وأن البلايا التي اندفعت عنه فبتطو لي أشهدكم ياملائكتي أني أضيف له نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة ، وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا .
  فاذا قال : (الرحمن الرحيم) قال الله عزوجل : شهد لي عبدي بأني الرحمن الرحيم ، أشهدكم لاوفرن من رحمتي حظه ، ولا جزلن من عطائي نصيبه .
  فاذا قال : (مالك يوم الدين) قال الله تعالى : أشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك ـ ل ـ (4) يوم الدين ، لا سهلن يوم الحساب عليه حسابه ، ولاتقبلن حسناته ولاتجاوزن عن سيئاته .

--------------------
(1) جمع الرجل : اذا ركب هواه ، وأسرع إلى الشئ ، فلم يمكن رده .
(2) عنه البحار : 25/ 273 ضمن ح 20 ، وعن الاحتجاج : 2/ 232 ، وأخرجه في اثبات الهداة : 7/ 470 ح 2 عن الاحتجاج .
(3) ( لما فرغ من تفسير فاتحة ) الاصل ، ولعله من اضافات النساخ .
(4) من البحار : 85 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 59_
  فاذا قال العبد : ( إياك نعبد ) قال الله تعالى : صدق عبدي إياي يعبد اشهدكم لا ثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي .
  فاذا قال : ( واياك نستعين ) قال الله عزوجل : بي استعان عبدي ؟ وإلي التجأ أشهدكم لا عينه ـ على أمره ولا غيثنه ـ في شدائده ، ولآخذن بيده يوم (1) نوائبه .
  فاذا قال : ( اهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخرها قال الله عزوجل : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ـ و ـ قد استجبت لعبدي ، وأعطيته ما أمل ، وأمنته مما منه وجل .
  قيل : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن (بسم الله الرحمن الرحيم) أهي من فاتحة الكتاب ؟ فقال : نعم، كان (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرؤها ويعدها آيه منها ، ويقول : فاتحة الكتاب هي السبع المثاني ، فضلت ب (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي الآية السابعة منها (3).

--------------------
(1) ( في ) أ .
(2) ( فان ) أ .
(3) عنه البحار : 85/ 59 ح 47 وعن عيون أخبار الرضا : 1/ 234 ح 59 (باسناده عن محمد بن القاسم .
إلى قوله : هى السبع المثانى) وعنه البحار : 92/ 226 ح 3 وعن أمالى الصدوق : 147 ح 1 وعن العيون ، وعنه في ص 227 ح 4 من البحار المذكور (ذيله) وعنه الوسائل : 4/ 747 ح 10 وعن العيون (قطعة) وعنه مستدرك الوسائل : 1/ 305 باب 44 ح 1 وعن العيون الامالى .
وأخرجه في الجواهر السنية : 134 عن العيون والامالى (قطعة) . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 60 _
  ( بسم الله الرحمن الرحيم ) السورة التي يذكر فيها البقرة (1)   31 ـ قال الامام (عليه السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن هذا القرآن مأدبة (2) الله تعالى فتعلموا من مأدبة الله عزوجل ما استطعتم ، فانه النور المبين ، والشفاء النافع ـ ف ـ تعلموه ، فان الله تعالى يشرفكم بتعلمه .

فضل سورة البقرة :

  تعلموا سورة البقرة ، وآل عمران ، فان أخدهما بركة ، وتركهما حسرة ، ولا يستطيعهما (3) البطلة ـ يعني السحرة ـ وإنهما ليجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو عقابتان (4) أو فرقان (5) من طير صواف ، يحاجان عن صاحبهما ، ويحاجهما رب العالمين رب العزة يقولان : يارب الارباب إن عبدك هذا قرأنا ، وأظمأنا نهاره ، وأسهرنا ليله ، وأنصبنا بدنه (6).
  يقول الله تعالى : يا أيها القرآن فكيف كان تسليمه لما أنزلته فيك من تفصيل علي ابن أبي طالب أخي محمد رسول الله ؟ يقولان : يا رب الارباب وإله الالهة ، والاه، ووالى أولياءه ، وعادى أعداءه ، إذا قدر جهر ، وإذا عجز اتقى وأسر (7) .

--------------------
(1) زاد في ( ط ) بسم الله الرحمن الرحيم ، وذكر في ( أ ) قبل قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) : قوله عزوجل .
(2) قال ابن منظور في لسان العرب : 1/ 206 : وفى الحديث عن ابن مسعود ( ان هذا القرآن مأدبة الله في الارض... ) يعنى مدعاته .
(3) ( لا يستبطيها ) أ .
(4) ( غيابتان ) س ، ص ، ط .
(5) قال ابن الاثير في النهاية : 3/ 440 : وفيه ( تأتى البقرة وآل عمران كأنهما فرقان ) ، أى قطعتان .
(6) ( بين يديه ) ط .
(7) ( أمر ) ط ، ( استتر ) البحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 61 _
  يقول الله عزوجل : فقد عمل إذا بكما كما أمرته ، وعظم من حقكما ما عظمته .
  ياعلي أما تسمع شهادة القرآن لوليك هذا ؟ ـ ف ـ يقول علي : بلى يا رب .
  فيقول الله عزوجل : فاقترح له ما يريد .
   فيقترح له ما يزيد على أماني هذا القارئ من الاضعاف المضاعفات بما لا يعلمه إلا الله عزوجل .
  فيقول الله عزوجل :( قد أعطيته ما اقترحت ياعلي ) .
  قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : وإن والدي القارئ ليتوجان بتاج الكرامة ، يضئ نوره من ميسرة عشرة آلاف سنة ، ويكسيان حلة لا يقوم لاقل سلك منها مائة ألف ضعف ما في الدنيا ، بما يشتمل عليه من خيراتها .
  ثم يعطي هذا القارئ الملك بيمينه في كتاب ، والخلد بشماله في كتاب ، يقرأ من كتابه بيمينه : قد جعلت من أفاضل ملوك الجنان ، ومن رفقاء ـ محمد ـ (1) سيد الانبياء و ـ علي ـ (2) خير الاوصياء ، والائمة من بعدهما سادة الاتقياء .
  ويقرأ من كتابه بشماله : قد أمنت الزوال والانتقال عن هذا الملك ، وأعذت من الموت والاسقام وكفيت الامراض والاعلال ، وجنبت حسد الحاسدين ، وكيد الكائدين .
  ثم يقال له : أقرأ ـ و ـ ارق ، ومنزلك (3) عند آخر آية تقرؤها .
   فاذا نظر والداه إلى حليتيهما (4) وتاجيهما قالا : ربنا أنى لنا هذا الشرف ولم تبلغه أعمالنا ؟ (فقال لهما كرام ملائكة الله ـ عن الله ـ عزوجل : هذا لكما لتعليمكما) (5) ولد كما القرآن (6).

--------------------
( 1 ، 2) من البحار .
(3) ( منزلتك ) ب ، ط .
(4) ( حلتهما ) س ، ص ، والحلية : ما يزين به من المصوغات المعدنية أو الاحجار الكريمة .
(5) ( فيقال لهما : أكرم الله عزوجل هذا لكما بتعليمكما ) البحار 7 ح 5 ، (" فقال الله عزوجل لهما : هذا لكما بتعليمكما ) البحار : 7 ح 96 ، ( فقال لهما : اكرام الله عزوجل هذا لكما بتعليمكما ) البحار : 92 . (6) عنه البحار : 7/ 292 ح 5 ، وص 208 ح 96 (قطعة) وج 92/ 267 ح 16 ، ومستدرك الوسائل : 1/ 290 باب 6 ح 2 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 62 _
  قوله عزوجل : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) 1 و 2 .
  32 ـ قال الامام (عليه السلام) : كذبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا : سحر مبين تقوله .
  فقال الله عزوجل : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلته عليك هو
   ب ـ الحروف المقطعة التي منها : ألف ، لام ، ميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم ، ( فاتوا بمثله إن كنتم صادقين ) واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم .
  ثم بين أنه لا يقدرون عليه بقوله : ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (1) ثم قال الله عزوجل ( الم ) هو (2) القرآن الذي افتتح ب ( الم ) هو ( ذلك الكتاب ) الذي أخبرت به موسى ، و ـ من ـ بعده من الانبياء ، فأخبروا بني إسرائيل أني سانزل ـ ه ـ عليك يا محمد ، كتابا ـ عربيا ـ عزيزا ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .
  ( لاريب فيه ) لا شك فيه لظهوره عندهم ، كما أخبرهم أنبياؤهم أن محمدا ينزل عليه كتاب لا يمحوه الباطل (3) يقرأه هو وأمته على سائر أحوالهم .
  ( هدى ) بيان من الضلالة ( للمتقين ) الذين يتقون الموبقات ، ويتقون تسليط السفه (4)

--------------------
(1) الاسراء : 88 .
(2) ( أى ) البحار : 92
(3) كذا في المصادر ، وفي الاصل والبحار : 17 : الماء ،قال المجلسى (رحمه الله) : لا يمحوه الماء لعله مخصوص بالقرآن الذى بخط أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أو المراد : عدم محو جميعها بالماء ، أو اذا محى بالماء لا يذهب ، لانه آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم ، وفى بعض النسخ ( لا يمحوه الزمان ) وهو ظاهر .
(4) ( السفهة ) ب ، ط ، والسفه : خفة الحلم ، أو نقيضه . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 63 _
  على أنفسهم ، حتى إذا علموا ما يجب عليهم عمله (1) عملوا بما يوجب لهم رضاء ربهم (2)
  33 ـ ثم(3) قال : وقال الصادق (عليه السلام) ثم الالف حرف من حروف قولك ( الله ) دل بالالف على قولك : الله.
  ودل باللام على قولك : الملك العظيم ، القاهر للخلق أجمعين ودل بالميم على أنه المجيد ـ الكريم ـ المحمود في كل أفعاله .
  وجعل هذا القول حجة على اليهود ، وذلك أن الله تعالى لما بعث موسى بن عمران (عليه السلام) .
   ثم من بعده من الانبياء إلى بني إسرائيل ، لم يكن فيهم ـ أحد ـ (4) إلا أخذوا عليهم (5) العهود ، والمواثيق ليؤمنن بمحمد العربي الامي المبعوث بمكة ، الذي يهاجر ـ منها ـ إلى المدينة ، يأتي بكتاب بالحروف (6) المقطعة إفتتاح بعض سوره ، يحفظه ـ بعض ـ أمته ، فيقرؤنه قياما وقعودا ومشاة (7) وعلى كل حال ، يسهل الله عزوجل حفظه عليهم .
  ويقرنون (8) بمحمد أخاه ووصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) الآخذ عنه علومه التي

--------------------
(1) ( علمه ) س ، ط ، وبعض المصادر .
(2) عنه البحار : 17/ 217 ضمن ح 21 ، وقطع في ج 2/ 24 ح 32 وج 9/ 173 ح 1 وج 70/ 266 وتنبيه الخواطر : 2/ 100 قطعة ، ورواه الصدوق في معانى الاخبار : 24 ضمن ح 4 باسناده عن محمد بن القاسم ...عنه البحار : 10/ 14 ضمن ح 8 ، وج 92/ 377 ضمن ج 10 ، واثبات الهداة : 1/ 330 ح 35 قطعة ، والبرهان : 1/ 54 ضمن ح 9 ، وحلية الابرار : 2/ 481 ، ونور الثقلين : 1/ 23 ضمن ح 7 .
(3) من البرهان .
(4) من بعض المصادر ، وفى الاخرى : قوم .
(5) ( عليه ) بعض المصادر ، وفى ( ص ) من أخذوا .
(6) ( من الحروف ) المعانى ، ( الحروف ) التأويل .
(7) ( مساء وصباحا ) ب ، ط .
(8) ( ويقرنن ) أ ، ( يقرن ) ص ، والبحار : 17 ، وليس في التأويل . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 64 _
  علمها ، والمتقلد عنه الامانة التى قلدها ، ومذلل (1) كل من عاند محمدا بسيفه الباتر ومفحم (2) كل من جادله وخاصمه بدليله القاهر ، يقاتل عبادالله على تنزيل كتاب الله (3) حتى يقودهم إلى قبوله طائعين وكارهين .
  ثم (4) إذا صار محمد إلى رضوان الله تعالى ، وأرتد كثير ممن كان أعطاه ظاهر الايمان ، وحرفوا تأويلاته ، وغيروا معانيه ، ووضعوها على خلاف وجوهها ، قاتلهم بعد ـ ذلك ـ (5) على تأويله حتى يكون إبليس ـ الغاوي لهم (6) ـ هو الخاسئ الذليل المطرود ـ الملعون ـ المغلوب .
  قال : فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) ـ وأظهره بمكة ، وسيره (7) منها إلى المدينة وأظهره بها ـ أنزل (8) عليه الكتاب ، وجعل أفتتاح سورته الكبرى ب ( الم ) يعني الم ذلك الكتاب ( وهو ذلك الكتاب الذي أخبرت ـ به ـ أنبيائي السالفين أني ـ س ـ أنزله عليك يا محمد ) لا ريب فيه .
  فقد ظهر ما أخبرهم به أنبياؤهم (9) أن محمدا ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الباطل (10) يقرؤه هو وأمته على سائر أحوالهم .
  ثم اليهود يحرفونه عن جهته ، ويتأولونه (11) على غير وجهه ، ويتعاطون التوصل إلى علم ـ ما ـ قد طواه الله عنهم من ـ حال ـ أجل هذه الامة ، وكم مده ملكهم .

--------------------
(1) ( يذلل ) أ .
(2) ( يفحم ) أ ، والمعانى .
(3) ( محمد ) س ، ص ، التأويل والبحار : 17 .
(4) ( حتى ) ب ، ط .
(5) من المعانى والحلية .
(6) ( بهم ) ب ، س ، ط ، والبحار .
(7) ( هاجر ) س .
(8) ( ثم أنزل ) الاصل والمصادر ، وهو تصحيف لان القرآن الكريم نزل بعضه بمكة والاخر بالمدينة .
(9) ( أنبياؤه و ) ب ، ط .
(10) ( الماء ) الاصل والبحار ، وتقدم بيان ذلك .
(11) ( ويأولونه ) ب ، ط . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 65 _
  فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم جماعة ، فولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) مخاطبتهم فقال قائلهم : إن كان مايقول محمد حقا ، فقد علمنا كم قدر ملك أمته ، هو إحدى وسبعون سنة : الالف واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون .
  فقال على (عليه السلام) : فما تصنعون ب ( المص ) وقد أنزلت عليه ؟ قالوا : هذه إحدى وستون ومائة سنة .
  فقال ـ علي (عليه السلام) ـ: فما تصنعون ب ( الر ) وقد أنزلت عليه ؟ .
  ـ ف ـ قالوا : هذه أكثر ، هذه مائتان وإحدى وثلاثون سنة .
  ـ ف ـ قال على (عليه السلام) : فماذا تصنعون ب ( المر ) وقد أنزلت عليه ؟ (1) قالوا : هذه أكثر ، هذه مائتان ، وإحدى وسبعون سنة .
  فقال على (عليه السلام) : فواحدة من هذه ل ، أو جميعها له ؟ فاختلط كلامهم ، فبعضهم قال : له واحدة منها ، وقال بعضهم : بل يجمع له كلها وذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة ، ثم يرجع الملك إلينا ، يعني إلى اليهود .
  فقال على (عليه السلام) : أكتاب من كتب الله عزوجل نطق بهذا ، أم آراؤكم دلت (2) عليه ؟ فقال بعضهم : كتاب الله نطق به ، وقال آخرون : بل آراؤنا دلت عليه .
  فقال على (عليه السلام) : فاتوا بكتاب ـ منزل ـ من عندالله ينطق بما تقولون .
  فعجزوا عن إيراد ذلك ، وقال للاخرين : فدلونا على صواب هذا الرأي ؟ فقالوا : صواب رأينا دليله ـ على ـ أن هذا الحساب الجمل .
  فقال على (عليه السلام) : وكيف دل على ما تقولون ، وليس في هذه الحروف إلا ما أقترحتم بلا بيان! ؟ أرأيتم إن قيل لكم : إن هذه الحروف ليست دالة على هذه المدة لملك أمة محمد (صلى الله عليه وآله) ، ولكنها دالة على أن عند كل واحد منكم دينا بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير ، أو ـ على ـ: أن لعلي على كل واحد منكم دينا عدد ماله مثل عدد

--------------------
(1) ( فما تصنعون بما أنزل عليه المر ) المعانى والبحار .
(2) ( دلتكم ) بعض المصادر . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 66_
  هذا الحساب ، أو على : أن كل واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب .
  قالوا : يا أبا الحسن ليس شئ مما ذكرته منصوصا عليه في ( الم ) و ( المص ) و ( الر ) و ( المر ) .
  فقال على (عليه السلام) : ولا شئ مما ذكرتموه منصوصا عليه في ( الم ) و ( المص ) و ( الر ) و ( المر ) فان بطل قولنا (بما قلتم ، بطل قولكم بما قلنا) (1).
  فقال خطيبهم ، ومنطيقهم : لا تفرح يا علي بأن عجزنا عن (2) إقامة حجة (3) على دعوانا ، فأي حجة لك في دعواك إلا أن تجعل عجزنا حجتك ، فاذا مالنا حجة فيما نقول ولا لكم حجة فيما تقولون .
  قال على (عليه السلام) : لا سواء ، إن لنا حجة هي المعجزة الباهرة .
  ثم نادى جمال اليهود : يا أيتها الجمال اشهدي لمحمد ولوصيه .
  فنادت (4) الجمال : صدقت صدقت ـ يا علي ـ يا وصي محمد ، وكذب هؤلاء ـ اليهود ـ .
  فقال على (عليه السلام) : هؤلاء خير من اليهود ، (5) يا ثياب اليهود ـ التي عليهم ـ (6) اشهدي لمحمد (صلى الله عليه وآله) ولوصيه .   فنطقت ثيابهم كلها : صدقت صدقت يا علي ، نشهد أن محمدا رسول الله حقا وأنك يا علي وصيه حقا ، لم يثبت محمد قدما في مكرمة إلا وطئت على موضع قدمه بمثل مكرمته ، فأنتما شقيقان من أشرف (7) أنوار الله تعالى ، ـ فميزتما اثنين ـ (8) وأنتما في الفضائل شريكان ، إلا أنه لا نبي محمد (صلى الله عليه وآله) .

--------------------
(1) ( لما قلنا ، بطل قولك لما قلت ) بعض المصادر .
(2) ( على ) أ .
(3) زاد في بعض المصادر : فيما تقولهن (نقوله) .
(4) ( فتبارد ) بعض المصادر . (5) ( جنس من الشهود ) س ، ص ، وبعض المصادر .
(6) من المعانى والبحار .
(7) ( اشراق ) المعانى ، والبرهان .
(8) من المعانى والبحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 67 _
  فعند ذلك خزيت (1) اليهود ، وآمن بعض النظارة (2) منهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وغلب الشقاء على اليهود ، وبعض (3) النظارة الآخرين ، فذلك ما قال الله تعالى ( لا ريب فيه ) إنه كما قال محمد (صلى الله عليه وآله) ، ووصي محمد عن قول ـ محمد (صلى الله عليه وآله) ، عن قول ـ رب العالمين .
  ثم قال : ( هدى ) بيان وشفاء ( للمتقين ) من شيعة محمد وعلي عليهما الصلاة والسلام .
  ـ إنهم ـ (4) اتقوا أنواع الكفر فتركوها ، واتقوا ـ أنواع ـ الذنوب الموبقات فرفضوها واتقوا إظهار أسرار الله تعالى ، وأسرار أزكياء عباده الاوصياء بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ، فكتموها .
  واتقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقين لها ، وفيهم نشروها (5).
  قوله عزوجل ( الذين يؤمنون بالغيب ) : 3.
  34 ـ قال الامام (عليه السلام) : ثم وصف هؤلاء المتقين (6) الذين هذا الكتاب هدى لهم فقال : (الذين يؤمنون بالغيب) يعني بما غاب عن حواسهم من الامور التي يلزمهم الايمان بها ، كالبعث ـ والنشور ـ والحساب والجنة والنار ، وتوحيد الله تعالى وسائر ما لا يعرف بالمشاهدة .
  وإنما يعرف بدلائل قد نصبها الله عزوجل ـ عليها ـ كآدم ، وحواء ، وإدريس ونوح ، وإبراهيم ، والانبياء الذين يلزمهم الايمان ـ بهم ، و ـ بحجج الله تعالى ، وإن لم

--------------------
(1) ( خرست ) بعض المصادر .
(2) ( النصارى ) خ ل ، والنظارة : القوم ينظرون إلى الشئ . (3) ( سائر ) س ، ص .
(4) من المصادر .
(5) عنه البحار : 17/ 218 ضمن ح 21 (إلى قوله : على سائر أحوالهم) وتأويل الايات : 1/ 32 قطعة ، وعنه البحار : 92/ 215 ح 18 وعن الاحتجاج ومعانى الاخبار : 25 ضمن ح 4 باسناديهما عن محمد بن القاسم... وأخرجه في ص 378 ضمن ح 10 من البحار المذكور ، وحلية الابرار : 2/ 482 ، والبرهان : 1/ 54 ضمن ح 9 ، ونور الثقلين : 1/ 24 ضمن ح 7 عن معانى الاخبار .
(6) ( المؤمنين ) ص . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 68 _
  يشاهدوهم ويؤمنون بالغيب ، وهم من الساعة مشفقون (1).

التوسل إلى الله بمحمد وآله :

  35 ـ وذلك أن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) مر بقوم من اليهود ، فسألوه أن يجلس إليهم ، ويحدثهم بما سمع من محمد (صلى الله عليه وآله) في يومه هذا ، فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم ، فقال : سمعت محمدا (صلى الله عليه وآله) يقول : إن الله عزوحل يقول : يا عبادي أو ليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقصونها كرامة لشفيعهم (2) ؟ ألا فاعلموا إن أكرم الخلق علي ، وأفضلهم لدي : محمد ، وأخوه علي ، ومن بعده من الائمة الذين هم الوسائل إلي.
  ألا فليد عني من هم بحاجة يريد نفعها ، أو دهته داهية يريد كف (3) ضررها ، بمحمد وآله الافضلين الطيبين الطاهرين ، أقضلها له أحسن مما يقضيها من تستشفعون إليه بأعز (4) الخلق عليه .   قالو السلمان وهم (يسخرون و) (5) يستهزؤن ـ به ـ: يا أبا عبدالله فما بالك لاتقترح على الله، وتتوسل بهم : أن يجعلك أغنى أهل المدينة ؟ فقال سلمان : قد دعوت الله عزوجل بهم ، وسألته ما هو أجل وأفضل وأنفع من ملك الدنيا بأسرها : سألته بهم صلى الله عليهم أن يهب لي لسانا لتحميده (6) وثنائه ذاكرا ، وقلبا لآلائه شاكرا ، وعلى الدواهي الداهية لي صابرا ، وهو عزوجل قد أجابني إلى ملتمسي (7) من ذلك ، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها ، وما تشتمل عليه من

--------------------
(1) عنه البحار : 68/ 285 ح 42 ، والبرهان : 1/ 56 ح 11 .
(2) ( لشفيعكم ) أ ، ( لشيعتهم ) البحار : 94 .
(3) ( كشف ) ص ، الوسائل والبحار .
(4) ( بأحب ) أ .
(5) من البحار .
(6) ( لتمجيده ) ص ، البحار
(7) ( مسألتى ) ب . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _69 _
  خيراتها مائة ألف ألف مرة .
  قال (عليه السلام) : فجعلوا يهزؤون به ويقولون : يا سلمان لقد ادعيت مرتبة عظيمة شريفة نحتاج أن نمتحن صدقك من كذبك فيها ، وها نحن أولا (1) قائمون إليك بسياط فضاربوك بها ، فسل ربك أن يكف أيدينا (2) عنك .
  فجعل سلمان يقول : اللهم اجعلني على البلاء صابرا .
    وجعلوا يضربونه بسياطهم حتى أعيوا وملوا ، وجعل سلمان لا يزيد على قوله : اللهم اجعلني على البلاء صابرا .
  فلما ملوا وأعيوا ، قالوا له : يا سلمان ما ظننا أن روحا تثبت في مقرها مع مثل هذا العذاب الوارد عليك ، فما بالك لاتسأل ربك أن يكفنا عنك ؟ ـ ف ـ فقال : لان سؤالي ذلك ربي خلاف الصبر ، بل سلمت لا مهال الله تعالى لكم ، وسألته الصبر .
  فلما استراحوا قامرا إليه بعد بسياطهم ، فقالوا : لا نزال نضربك بسياطنا حتى تزهق روحك أو تكفر بمحمد .   فقال : ماكنت لافعل ذلك ، فان الله قد أنزل على محمد (الذين يؤمنون بالغيب) وإن احتمالي لمكارهكم ـ لادخل في جملة من مدحه الله بذلك ـ سهل علي يسير .   فجعلوا يضربونه بسياطهم حتى ملوا ، ثم قعدوا ، وقالوا : يا سلمان لو كان لك عند ربك قدر لايمانك بمحمد لاستجاب ـ الله ـ (3) دعاءك وكفنا عنك .
  فقال سلمان : ما أجهلكم ! كيف يكون مستجيبا دعائي إذا فعل بي (4) خلاف ما أريد منه ، أنا أردت منه الصبر فقد استجاب لي وصبرني ، ولم أسأله كفكم عني فيمنعني حتى يكون ضد دعائي كما تظنون .
  فقاموا اليه ثالثة بسياطهم ، فجعلوا يضربونه وسلمان لا يزيد على ـ قوله : ـ اللهم صبرني على البلاء في حب صفيك وخليلك محمد .

--------------------
(1) ( اذا ) ب ، ط .
(2) ( عذابنا ) أ .
(3) من البحار .
(4) ( لى ) أ . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 70 _
  فقالوا له: يا سلمان ويحك أو ليس محمد قد رخص لك أن تقول كلمة الكفر ـ به ـ بما تعتقد ضده للتقية من أعدائك ؟ فما بالك لا تقول (ما يفرج عنك) (1) للتقية ؟ فقال سلمان : إن الله تعالى قد رخص لي في ذلك ولم يفرضه علي ، بل أجاز لي (2) أن لا أعطيكم ما تريدون ، وأحتمل مكارهكم ، وأجعله أفضل المنزلتين ، وأنا لا أختار غيره .
  ثم قاموا إليه بسياطهم ، وضربوه ضربا كثيرا ، وسيلوا دماءه ، وقالوا له ـ وهم ساخرون ـ: لا تسأل الله كفنا عنك ، ولا تظهر لنا ما نريد منك لنكف به عنك ، فادع علينا بالهلاك إن كنت من الصادقين في دعواك أن الله لا يرد دعاءك بمحمد وآله الطيبين ـ الطاهرين ـ .
  فقال سلمان : إني لاكره أن أدعو الله بهلاككم مخافة أن يكون فيكم من قد علم الله أنه سيؤمن بعد ، فأكون قد سألت الله تعالى اقتطاعه عن الايمان .
  فقالوا : قل : اللهم أهلك من كان في معلومك (3) أنه يبقى إلى الموت على تمرده ، فانك لا تصادف بهذا الدعاء ما خفته .
  قال : فانفرج له حائط البيت الذي هو فيه مع القوم ، وشاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول : يا سلمان ادع عليهم بالهلاك ، فليس فيهم أحد يرشد ، كما دعا نوح (عليه السلام) على قومه لما عرف أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن .
  فقال سلمان : كيف تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك ؟ فقالوا : تدعو الله ـ ب ـ أن يقلب سوط كل واحد منا أفعى تعطف رأسها ، ثم تمشش (4) عظام سائر بدنه .

--------------------
(1) ( ما نقترح (به) عليك ) س ، ص ، البحار .
(2) ( أجازنى ) ب ، ط
(3) ( علمك ) خ ل .
(4) مشش وتمشش العظم : مصه واستخرج منه المخ . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 71 _
  فدعا الله بذلك ، فما من سياطهم سوط إلا قلبه الله تعالى عليهم أفعى لها رأسان تتناول برأس ـ منها ـ (1) رأسه ، وبرأس آخر يمينه التي كان فيها سوطه ، ثم رضضتهم ومششتهم (2) وبلعتهم والتقمتهم .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في مجلسه : معاشر المؤمنين إن الله تعالى قد نصر أخاكم سلمان ساعتكم هذه على عشرين من مردة (3) اليهود والمنافقين ، قلبت سياطهم أفاعي رضضتهم ومششتهم ، وهشمت عظامهم والتقمتهم ، فقوموا بنا ننظر إلى تلك الآفاعي المبعوثة لنصرة سلمان .
  فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه إلى تلك الدار ، وقد اجتمع إليها جيرانها من اليهود والمنافقين لم سمعوا ضجيج القوم بالتقام الافاعي لهم ، وإذا هم خائفون منها نافرون من قربها .
  فلما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرجت كلها ـ من ـ (4) البيت إلى شارع المدينه ، وكان شارعا ضيقا ، فوسعه الله تعالى ، وجعله عشرة أضعافه .
  ثم نادت الافاعي : السلام عليك يا محمد يا سيد الاولين والآخرين ، السلام عليك يا علي يا سيد الوصيين ، السلام على ذريتك الطيبين الطاهرين الذين جعلوا على الخلق قوامين ، هانحن سياط هؤلاء المنافقين ـ الذين ـ قلبنا الله تعالى أفاعي بدعاء هذا المؤمن ( سلمان ) .
  ـ ف ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الحمدلله الذي جعل ـ من أمتي ـ من يضاهي بدعائه ـ عند كفه ، وعند انبساطه ـ نوحا نبيه .

--------------------
(1) من البحار .
(2) ( هششتهم ) أ وكذا التى بعدها ، هششت الورق أهشه هشا : خبطته بعصا ، ومنه قوله عوجل ( وأهش بها على غنمى ) أى أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقها فترعاه غنمه ، (لسان العرب : 6/ 365) .
(3) ( فرقة ) ب ، ط .
(4) من البحار ، وفى ( أ ) : اليه عن ، وفى ( ب ، ط ) عن . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 72 _
  ثم اندت الافاعي : يا رسول الله قد اشتد غضبنا (1) على هؤلاء الكافرين ، وأحكامك وأحكام وصيك علينا جائزة في ممالك رب العالمين ، ونحن نسألك أن تسأل الله تعالى أن يجعلنا من أفاعي جهنم التي نكون فيها لهؤلاء معذبين كما كنا لهم في هذه الدنيا ملتقمين .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قد أجبتكم إلى ذلك ، فالحقوا بالطبق الاسفل من جهنم بعد أن تقذفوا ما في أجوافكم من أجزاء أجسام هؤلاء الكافرين ليكون (2) أتم لخزيهم ، وأبقى للعار عليهم إذا كانوا بين أظهرهم مدفونين ، يعتبر (3) بم المؤمنون المارون بقبورهم يقولون : هؤلاء الملعونون المخزيون (4) بدعاء ولي محمد : سلمان الخير من المؤمنين .
  فقذفت الافاعي ما في بطونها من أجزاء أبدانهم ، فجاء أهلوهم فدفنوهم ، وأسلم كثير من الكافرين ، وأخلص كثير من المنافقين ، وغلب الشقاء على كثير من لكافرين والمنافقين ، فقالوا : هذا سحر مبين .
  ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سلمان فقال : يا أبا عبدالله (5) أنت من خواص إخواننا المؤمنين ، ومن أحباب قلوب ملائكة الله المقربين ، إنك في ملكوت السماوات والحجب والكرسي والعرشي ومادون ذلك إلى الثرى ، أشهر في فضلك عندهم من الشمس الطالعة في يوم لا غيم فيه (6) ولا قتر ، ولا غبار في الجو ، أنت من أفاضل الممدوحين بقوله : ( الذين يؤمنون بالغيب ) . (7)

--------------------
(1) ( غيضنا ) ص .
(2) ( فيكون ) أ .
(3) ( يعير ) أ .
(4) ( المجزيون ) ب ، ط .
(5) ( يا عبدالله ) أ ، كانت كنيته (رض) : أبوعبدالله .
(6) ( به ) ب ، ط .
(7) عنه البحار : 22/ 369 ح 9 ، وفى ج 75/ 413 ح 63 مجملا ، واثبات الهداة : 2/ 154 ح 595 قطعة ، وعنه في الوسائل : 4/ 1141 ح 8 ، والبحار : 94/ 92 ح 20 وعن عدة الداعى : 151 (قطعة) ، وأورد قطعة منه في تنبيه الخواطر : 2/ 100 ، وارشاد القلوب : 2/ 424 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 73 _
  قوله عزوجل :( ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون ) : 3 .
  36 ـ قال الامام (عليه السلام) : ثم وصفهم بعد ـ ذلك ـ فقال (ويقيمون الصلاة) يعني باتمام ركوعها وسجودها ، وحفظ مواقيتها وحدودها ، وصيانتها عما يفسدها وينقضها (1).
  37 ـ ثم قال ـ الامام ـ (عليه السلام) : حدثني أبي ، عن أبيه (عليهما السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من خيار أصحابه ـ عنده ـ أبوذر الغفاري ، فجاءه ذات يوم فقال : يا رسول الله إن لي غنيمات (2) قدر ستين شاة ، أكره أن أبدو (3) فيها ، وافارق حضرتك وخدمتك ، وأكره أن أكلها إلى راع فيظلهما (4) ويسئ رعايتها (5) فكيف أصنع ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أبد فيها .
   ـ فبدا فيها ـ فلما كان في اليوم السابع جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا أباذر .
   فقال : لبيك يا رسول الله.
   قال : ما فعلت غنيماتك ؟ فقال : يا رسول الله إن لها قصة عجيبة .
   ـ ف ـ قال : وما هي ؟ قال : يا رسول الله بينا أنا في صلاتي إذ عدا (6) الذئب على غنمي ، فقلت : يا رب صلاتي ، يا رب غنمي ، فآثرت صلاتي على غنمي فأخطر الشيطان ببالي ( يا أباذر أين أنت إن عدت (7) الذئاب على غنمك وأنت تصلي فأهلكتها كلها ، وما يبقى لك في الدنيا ما تتعيش (8) به ) ؟ فقلت للشيطان : يبقى لي توحيد الله تعالى ، والايمان بمحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وموالاة أخيه سيد الخلق بعده علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وموالاة الائمة الهادين الطاهرين من

--------------------
(1) عنه البحار : 84/ 231 صدر ح 5 ، وفيه (كما في س ، ص) : يفسدها أو ينقصها .
(2) ( غنما ) أ .
(3) ( ابدءه ) ب ، ( أبدأ ) ط ، وأبدو : أخرج إلى البادية .
(4) ( فيضلها ) أ . (5) ( رعيها ) ب ، ط .
(6) ( غدا ) أ ، قال ابن الاثير في النهاية : 3/ 193 : وفيه ( ماذئبان عاديان أصابا فريقة غنم ) العادى: الظالم ، وقد عدا يعدو عليه عدوانا .
(7) ( غدت ) أ .
(8) ( تعيش ) أ ، البحار : 84 . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 74 _
  ولده ، ومعاداة أعدائهم ، وكلما فات من الدنيا بعد ذلك جلل .
   (1) فأقبلت على صلاتي ، فجاء ذئب ، فأخذ حملا وذهب به وأنا أحس به ، إذا أقبل على الذئب أسد فقطعه نصفين ، واستنقذ الحمل ورده إلى القطيع ، ثم ناداني (2) : يا أباذر أقبل على صلاتك ، فان الله تعالى قد وكلني بغنمك إلى أن تصلي .
  فأقبلت على صلاتي ، وقد غشيني من التعجب مالا يعمله إلا الله تعالى حتى فرغت منها ، فجاءني الاسد وقال لي : إمض إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فأخبره أن الله تعالى قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك ، ووكل أسدا بغنمه يحفظها .
  فتعجب من ـ كان ـ حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
  فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : صدقت يا أباذر ، ولقد آمنت به أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) .
  فقال بعض المنافقين : هذا بمواطاة (3) بين محمد وأبي ذر ، يريد أن يخدعنا بغروره .
  واتفق منهم عشرون رجلا وقالوا : نذهب إلى غنمه ، وننظر إليها ، وننظر إليه (4) إذا صلى ، هل يأتي الاسد ويحفظ (5) غنمه ، فيتبين بذلك كذبه .
  فذهبوا ونظروا و ـ إذا ـ أبوذر قائم يصلي ، والاسد يطوف حول غنمه ويرعاها ويرد إلى القطيع ما شذ عنه منها ، حتى إذا فرغ من صلاته ناداه الاسد : هاك قطيعك مسلما ، وافر العدد سالما (6).
  ثم ناداهم الاسد : ـ يا ـ معاشر المنافقين أنكرتم لو لي محمد وعلي وآله الطيبين والمتوسل إلى الله تعالى بهم أن يسخرني ـ الله ـ (7) ربي لحفظ عنمه ، والذي

--------------------
(1) ( سهل ) ب ، ط ، وجلل : هين يسير ، والجلل من الاضداد ، يكون للحقير والعظيم .
(2) ( نادى ) ب ، ط .
(3) ( لمواطاة ) البحار .
(4) ( إلى أبى ذر ) ب ، ط .
(5) ( لحفظ ) أ .
(6) ( سالم الاهل ) أ ، س .
(7) من البحار . (*)

تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) _ 75 _
  كرم محمدا وآله الطيبين الطاهرين لقد جعلني الله طوع يدي أبي ذر حتى لو أمرني بافتراسكم وهلاككم لاهلكتكم (1) ، والذي لا يحلف بأعظم منه لو سأل الله بمحمد وآله الطيبين صلوات الله عليهم أن يحول البحار دهن زنبق وبان (2) والجبال مسكا وعنبرا وكافورا ، وقضبان الاشجار قضب الزمرد ، والزبرجد لما منعه الله تعالى ذلك .
  فلما جاء أبوذر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له رسول الله: يا أباذر إنك أحسنت طاعة الله، فسخر الله لك من يطيعك في كف العوادي عنك ، فأنت من أفضل من مدحه الله عزوجل ـ ب ـ أنه يقيم الصلاة (3).
  قوله عزوجل : ( ومما رزقناهم ينفقون ) .
  38 ـ قال الامام (عليه السلام) : يعني (ومما رزقناهم) من الاموال ، والقوى في الابدان والجاه ، والمقدار .
   (ينفقون) :يؤدون من الاموال الزكوات ، ويجودون بالصدقات ، ويحتملون الكل (4) يؤدون الحقوق اللازمات : كالنفقة في الجهاد إذا لزم ، وإذا استحب ، وكسائر النفقات الواجبات على الاهلين وذوي الارحام القريبات (5) والآباء والامهات وكالنفقات المستحبات على من لم يكن فرضا عليهم النفقة من سائر القرابات ، وكالمعروف بالاسعاف والقرض ، والاخذ بأيدي الضعفاء والضعيفات .
  ويؤدون من قوى الابدان المعونات كالرجل يقود ضريرا ، وينجيه من مهلكة أو يعين مسافرا أو غير مسافر على حمل متاع على دابة قد سقط عنها ، أو كدفع عن

--------------------
(1) ( لاهلكتم ) أ .
(2) ( ذيبق وبان ) أ ، ( زنبق ولبان ) البحار : 84 ، والزنبق : دهن الياسمين ، والبان : شجر ثمرته تشبه قرون اللوبياء ، يؤخذ من حبه دهن طيب .
(3) عنه البحار : 22/ 393 ح 1 ، ج 84/ 231 ضمن ح 5 ، ومدينة المعاجز : 67 ح 160 ، وأورد قطعة منه في تنبيه الخواطر : 2/ 101 ، وارشاد القلوب : 2/ 425 .
(4) الكل ـ بفتح الكاف ـ : المشقة .
(5) ( والقرابات ) أ . (*)