بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين .
  بلغت العرب العرباء قبل الاسلام من البلاغة أعلى طبقاتها ومن الفصاحة أرقى مستوياتها فكانوا سادتها بلا منافس ومتربع عرشها بلا وصيف ، فما كانت الامم الخالية في تاريخها رقماً يعد بازاء أصحاب هذا الفن من جزالة نظم وبداعة اسلوب وعلم معان .
  وقد نحوا في شعرهم ونثرهم كل منحى ، ما بين قذف ومجون وطعن وتفاخر وهجاء والاقل وصفاً وحكمة ، الى أن مَنّ الله تبارك وتعالى عليهم بالنبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانزل عليهم كتاباً بلغتهم ، استيقنوا أن هذا الكتاب معجز لهم كما فهم السحرة ان عصا موسى (عليه السلام) ليست مما يؤثر من السحر، وعلم قوم عيسى (عليه السلام) ان ابراء الاكمه والأبرص واحياء الموتى ليس من الطب الذي يتقنونه .
  ثم اضاف القرآن بعداً عملياً باطلاقه تحدياً قائماً ببقاء الخلق بأن يؤتى بمثله او ببعضه « وَ إِن كُنتُمْ فىِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلىَ‏ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَ ادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ »(23)ـ البقرة ، وتكررت آيات التحدي في اسلوب شائع لديهم يعرفونه في مخاصماتهم وتشهد له معلقاتهم « أَمْ يَقُولُونَ افْترََئهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَ ادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ »(38)ـ يونس ، « أَمْ يَقُولُونَ افْترََئهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْترََيَتٍ وَ ادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ »(13)ـ هود ، « قُل لَّئنِ‏ِ اجْتَمَعَتِ الْانسُ وَ الْجِنُّ عَلىَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كاَنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا »(88)ـ الاسراء ، « فَلْيَأْتُواْ بحَِدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كاَنُواْ صَدِقِينَ »(34)ـ الطور ، وها قد مرت القرون وطالت مدة التحدي ولا خبر بمعارض جدي ، وكل الذي قرأناه وتنامى إلينا خبره مهازل أقرب منها للمعارضة .
  وعلى نفس الخط كان التحدي بشخص اُمي لم يعرف عنه تضلع بعلم او معارف عالية ، تفتقت على يديه ما لا تصدقه العادة الجارية في الطبيعة وما يتيقن انه تدبير الخالق الحكيم .
  قال الله تعالى مخاطباً نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) « قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لَا أَدْرَئكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ »(16)ـ يونس .
  أن القرآن كمعجزة قائمة على مر العصور وطي القرون ما اقتصر على البلاغة ، بل كثرت وجوه تعجيزه وتعددت فأطبقت من جميع الجهات ، وقد تكون حياة القرآن هي ذروة اسرار الاعجاز ، فلا حياة حقيقية واقعية ولا كمال إلا لمن يمم وجهه شطره ، قال تعالى : « أَ وَ مَن كاَنَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشىِ بِهِ فىِ النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فىِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بخَِارِجٍ مِّنهَْا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كاَنُواْ يَعْمَلُونَ »(122)ـ الانعام ، « وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَ لَا الْايمَنُ وَ لَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا نهَّْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَ إِنَّكَ لَتهَْدِى إِلىَ‏ صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ »(52) ـ الشورى .
  والحق ان القرآن هو بيان لكل الناس ـ لمن يتبين به ـ ، والبيان يفيد ازالة الشبهة ويفترض ان يكون مقدمة للخروج من الموت الظلماتي الى الحياة الابدية الخالدة « هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَ هُدًى وَ مَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ »(138)ـ ال عمران .
  وهو الهدى والشفاء والرحمة للمؤمنين ، قال الله تبارك وتعالى : « وَ إِذَا لَمْ تَأْتِهِم بَِايَةٍ قَالُواْ لَوْ لَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلىَ‏َّ مِن رَّبىّ‏ِ هَذَا بَصَائرُ مِن رَّبِّكُمْ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »(203)ـ الاعراف ، « وَ نُنزَِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَ لَا يَزِيدُ الظَّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا »(82)ـ الاسراء ، « يَأَيهَُّا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَ شِفَاءٌ لِّمَا فىِ الصُّدُورِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ »(57)ـ يونس ، « لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرَْةٌ لّأُِوْلىِ الْأَلْبَبِ مَا كاَنَ حَدِيثًا يُفْترََى‏ وَ لَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَينْ‏َ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلّ‏ِ شىَ‏ْءٍ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »(111)ـ يوسف .
  عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف القرآن :« إنه هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الاحداث ، وعصمة من الهلكة ، ورشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا الى الآخرة ، وفيه كمال دينكم ».
  وعن الصادق (عليه السلام) :« أن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى ، فليجل جال ببصره ، ويفتح للضياء نظره ، فان التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ».
  واما بقية وجوه اعجازه فقد اغنانا عن التفصيل فيها من فصل ، فقد اشتمل القرآن المجيد على الكثير من العقائد الدينية والمعارف الربوبية ، اخبر بما مضى وبما لم يكن في زمن التنزيل وبما سيحدث ، وكان مهيمناً على ما سبق من الكتاب : « وَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقّ‏ِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَينْ‏َ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ لَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ‏ِ لِكلُ‏ٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرِْعَةً وَ مِنْهَاجًا وَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَ لَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فىِ مَا ءَاتَئكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيرَْتِ إِلىَ اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تخَْتَلِفُونَ »(48)ـ مائدة .
  ينهل منه العارف والعالم والفيلسوف المتأله والفقيه المجتهد ، وقد شرع الاحكام التي تنظم حياة المجتمعات والامم ، وهو لكل قوم جديد ولكل زمان غض .
  ما وجد فيه حاطب ليل اختلافا ولا متدبر موضع وهن : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » الآية: النساء ـ (82) .
  فهو كتاب ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ، « الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثمُ‏َّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ »هود ـ (1) .
  وهو الهادي اذا ادلهمت السبل ، قال رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم) : « فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانه شافع مشفع وماحل مصدق ، ومن جعله امامه قاده الى الجنة ومن جعله خلفه ساقه الى النار ، وهو الدليل يدل على كل خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ».

       
BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET

BASRAHCITY.NET