مـؤمنـــة

  دوام الحب ... كيف يتحقق

  يقول الله جل شأنه ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) صدق الله العلي العظيم .
  المتمعن في هذه الآية الكريمة يلمس أنها شملت معاني كثيرة للحياة العاطفية بين الزوج والزوجة ، وأول معني تضمنته هو سكينة النفس التي إذا توفرت بعثت على البهجة والفرح ، وأدت إلى تمتع الفرد بصحة نفسية تساعده علي الإقبال على أمور الحياة وتخطي صعابها ، فيبدع الرجل في عمله وتحسن الأم تربية صغارها ، وتقدم الأسرة للمجتمع جيلاً من الأبناء تفخر به بلدهم كما يفخر بهم والدهم ، أما المودة والرحمة المستمدان من أسماء الله الحسني ( الرحمن والودود ) فهما أجمل ما في الارتباط من معان ، وأهم تأثير لهما في النفس البشرية هو رفع الروح المعنوية ، وهذه المعاني الجميلة هي الأهداف الأساسية للحياة الزوجية والتي بدونها لا تستقر أمور الأسر ولا يستمر بقاء الإنسان علي وجه الأرض .
  إن ما قاله الله عز وجل في معاني الحب بين الزوجين سبق ما يقوله اليوم علماء النفس ، الذين يؤكدون علي ضرورة الحب في حياة البشر وعلي حاجة كل إنسان إلي أن يحب ويشعر بحب غيره له ، وأن هذه الحاجة الإنسانية هي مصدر الصحة النفسية للفرد ، ويؤكدون أيضاً علي أهمية الحب والعطف خلال السنوات الخمس الأولي من حياة الفرد ، وعدم تعرضه لأزمات أو صدمات عاطفية لكي ينشأ معافي نفسياً ، ولمعرفة شدة حاجة الإنسان إلي الحب أجروا تجربة تبرهن علي مدي أهمية هذه الحاجة .

  عندما حرموا الحب
  وتتلخص هذه التجربة في أنهم أحضروا عدداً من الأطفال وقسموهم إلي مجموعتين ، أُحيطت المجموعة الأولى بالعطف والحنان والرعاية والحب إلي جانب التغذية الجيدة ، أما المجموعة الثانية فقد اكتفوا بتغذيتهم بذات مستوي تغذية المجموعة الأولي مع حرمانهم من الحب والعطف والحنان والمداعبة ، وقد أتت نتائج الدراسة لتثبت أن أطفال المجموعة الأولى كان نموهم الجسدي مصحوباً بصحة نفسية وروح معنوية عالية ، أما أطفال المجموعة الثانية فقد مات عدد كبير منهم ، ومن بقي على قيد الحياة منهم ظهرت عليه إمارات أمراض نفسية وعاش بروح معنوية منخفضة .

  أول خمس سنوات
  ما أشبه حالات الزواج بحالات هؤلاء الأطفال ، فالزيجات التي تحيطها الرعاية والحنان والحب يعيش أفرادها في نعيم دائم وتعيش وتترعرع وتنمو وتنجب أطفالاً أصحاء خاصة من الناحية النفسية ، أما الزيجات التي تحرم من الحب فبعضها تموت وتنتهي والتي تبقي على قيد الحياة تعيش في ألم وصراع دائم .
  ما أشبه الحياة الزوجية ونماءها بحياة الطفل ونموه ، فإذا لم يتعهدها الزوجان بالحب والرعاية والعطف والحنان سرعان ما تذبل وتموت ، إن حياة الإنسان تبدأ بنطفة وكذلك الحياة الزوجية تبدأ بلبنة وتعتبر الخمس سنوات الأولى منها الركيزة الأساسية لبقية البناء وللنجاح أو الفشل .
  إنه من السهل جداً على المرء أن يتزوج ولكن الصعوبة تكمن في المحافظة على الحب أثناء سنوات الزواج الطويلة إذ إنه يتطلب جهداً كبيراً وتضامناً وتكاتفاً من كلا الزوجين ، وإذا كان يقال في الأمثال إن اليد الواحدة لا تصفق ، فإن المجهود الذي يبذله شخص واحد دون رفيقه للمحافظة على السعادة الزوجية سوف يذهب أدراج الرياح ما لم يقابله الطرف الآخر بمجهود مثله أو يفوقه ، ولكن كيف يحافظ الإنسان على الحب خلال سنوات الزواج ؟ وما الذي يجعل بعض الزيجات سعيدة والأخرى تعيسة ؟ لقد شرع الله عز وجل حقوقاً زوجية لضمان بقاء الحياة الأسرية وتحقيق السعادة بين الزوجين ، وإذا كان من الحقوق ما هو خاص بالزوج كالمهر والمسكن المناسب وعدم الإضرار بها والعدل بينها وبين زوجاته الأخريات ، فإنها تتضمن أيضاً حقوقاً مشتركة يساهم كلا الزوجين في تحقيقها ولا تكتمل السعادة بتأدية أحدهما واجبه فقط دون مشاركة الآخر، والتي لو وفّى كل منهما الآخر حقه ، لكان ذلك سبباً في بقاء الحب الذي ولد في بداية الزواج ، بل وبقى على قيد الحياة ، وبقى نموه وازدهاره على مر الزمان ، وأهم هذه الحقوق المشتركة :
  1 - حسن العشرة .
  2 - حق الاستمتاع .

  حُسن العشرة
  فيما يتصل بالأول فهو يتعلق بالصلات التبادلية بين الزوجين اللفظي منها والفعلي ، ومؤداها أن يحاول كل منهما التآخي والتآلف والتقارب والتفاهم وبناء العلاقات الطيبة بينه وبين شريك حياته ، وقد أجمل الرسول الكريم ذلك بقوله ( لا ضرر ولا ضرار ) والضرر هو ما يصدر من أحد الطرفين تجاه الآخر، أما الضرار فهو ما يصدر من كليهما تجاه بعضهما البعض ، وإذا كان هذا المبدأ الإنساني الذي أوصى رسولنا الكريم أن يحكم العلاقات الإنسانية بمختلف أبعادها فمن باب أولى أن يكون هو الدستور الذي يحكم العلاقات بين الزوجين .

  حق الاستمتاع
  أما الحق الثاني فهو جزء لا يتجزأ من الحق الأول ، ذلك المقصود بالاستمتاع هو التمتع بالعلاقة التي كانت محرمة قبل إبرام عقد الزواج ، ولقد جعله بعض الفقهاء المتأخرين حقاً للرجل فقط، إذ قالوا إن المرأة محل متعة الرجل ، أما مذهب مالك الذي وضع قانون الأحوال الشخصية وفقاً لتعليماته فقد جعل حق الاستمتاع مشتركاً مقدراً للمرأة غرائزها وفطرتها البشرية ، ذلك أن التلامس الجسدي بين الزوجين وما يصاحبه من مداعبة وملاطفة وكلام معسول ليس مصدراً للمتعة عند الرجل فقط ولكن عند المرأة أيضاً ... يتضح ذلك من تشريع المولى عز وجل الذي قضى بعدم هجر الزوجة في الفراش أكثر من أربعة أشهر وذلك تقديراً لمشاعرها إذ إنها لا تستطيع البقاء بدون إشباع غريزتها الفطرية مع وجود الزوج إلي جانبها أكثر من تلك الفترة ، يقول الله عز وجل في كتابه العزيز ( الذي يؤلون منكم من نسائهم تربص أربعة أشهر ) صدق الله العلي العظيم كذلك دعاها الرسول الكريم إلى عدم منع زوجها إتيان شهوته ، وفي العصر الحديث يؤكد ( وليام قلاسر ) وهو أحد علماء الإرشاد النفسي على أن المتعة والفرح من الحاجات النفسية الأساسية التي لو افتقدها المرء اختل توازنه .
  وأخيراً لو أعطي كل شريك شريكه حقه وأحسن عشرته ، وكان سبباً في متعته لدامت العشرة مشبوبة بالمحبة علي مر السنين .