(الفلسفة ، علم الكلام)
ابو الهذيل العلاف
الاستاذة غيداء حبيب علي

 محمد بن الهذيل المعروف بالعلاف وسمي بالعلاف لان داره في البصرة كانت في العلافين وهي حي من أحياء البصرة ، تتلمذ على يد عثمان الطويل احد اتباع واصل بن عطاء ، نشأ في البصرة وكانت ملتقى الثقافات في ذلك الوقت ، وبدعوة من المأمون ذهب إلى بغداد وكان في قمة نضجه الفكري ثم ذهب لسامراء وفيها قضى بقية حياته ، ويعتبر المؤسس الحقيقي لمدرسة الاعتزال في البصرة وقد عاش في عصر تفتح واسع على الثقافات الأخرى إذ عاصر حركة الترجمة ويعد أول المفكرين الذين ادخلوا الفلسفة في مذهب علم الكلام .
 يقال انه كتب 1200 رسالة ضد أعدائه وألف كتاب الحجج الذي يبحث في أصول الاعتزال ، وكتب رسالة في العدل والتوحيد والوعيد ... ووصف الجاحظ العلاف بأنه كان اسلم الناس صدراً وأوسعهم خلقاً ... ومن طرائف المناظرات العلاف مع الشكاك ما حدث بينه وبين صالح ابن عبد القدوس الذي مات له ابن فذهب إليه العلاف فراَه حزيناً فلما واساه العلاف رد صالح : جزعت على ابني لانه لم يقرأ كتاب ( الشكوك ) ، فسأله العلاف وما كتاب الشكوك ؟ قال : كتاب وضعته ، من قرأه شك فيما كان حتى أنه يتوهم انه لم يكن وفيما لم يكن حتى يظن انه قد كان ، فقال له العلاف : فشك انت في موت ابنك حتى انه لم يمت وان كان قد مات ، وشك انه قد قرأ كتاب الشكوك وإن كان لم يقرأه ؟! .
الاَراء الكلامية لأبي الهذيل العلاف في الإلهيات : الكون وما فيه من نظام يدل على وجود كائن أول ، وقد نزل القرأن يتحدث عن الله تعالى خالقاً للكون مدبراً له .
 وجاءت المعتزلة تبحث عن ماهية وصفات الخالق وعلاقته بهذا العالم المخلوق ، فيرى العلاف أن الله تعالى عالم بعلم ( هو هو ) ، قادر بقدرة ( هي هو ) ، فإن قلنا الله عالم أثبتنا له علماً ونفينا عنه جهلاً ، وان قلنا انه قادر أثبتنا له قدرة ونفينا عنه عجزاً . ويرى العلاف أيضاً انه لما كان علم الله هو الله ، وكان الله لا يتناها فانه ليس لعلم الله نهاية ، لكن العلاف لم ينظر إلى القدرة كما  نظر إلى العلم ، إذ نظر إلى العلم من حيث صلته ( بالذات ) فجعله أزلياً لا متناهياً .
ونظر إلى القدرة من حيث صلتها ( بالموضوع ) أو ( المقدور ) فقال بتناهي مقدورات الله وذلك أن للاشياء ( كلاً ) والله قد : ( أحصى كل شيء عدداً ) والإحصاء والإحاطة لا تكون ألا لمتناه ذي غاية .
 والعلاف انما قال بتناهي مقدورات الله أو ( فناء أهل الخلدين الجنة والنار ) ليكون الله كما كان في البدء لا شيء معه ، فالله هو الأول والاَخر وبذلك رد على القائلين بقدم العالم .
 أما فيما يتعلق بإرادة الله ، فقد فرق العلاف في كلام الله بين أمرين : أمر التكوين وأمر التكليف ، أي بين قوله تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون ) وقوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) ، وبين قوله تعالى : ( أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) ( قم الليل ألا قليلا ) فأمر الله في التكوين لا في موضوع لان الموضوع هنا أو ( المأمور ) في حالة العدم ( لم يتكون ) .
أما أمر التكليف فالموضوع هنا أو ( المأمور ) قائم ( أي موجود ) .
 أما وجوب فعل الأصلح على الله فتتصل هذه الفكرة بقدرة الله ، فقول العلاف بتناهي مقدورات الله لا يعني تناهي قدرته ـ جل ثناؤه ـ فالله قادر على فعل ما هو أصلح مما فعل ألا أن هذا يتنافى مع أمر التكليف ، فالله فعل ما هو أصلح لعباده ، ولكن فعل الأصلح من الله مشروط بعدم الإكراه ( أي إكراه الناس على الخير والأيمان ) : ( ولو شاء ربك لاَمن من في الأرض كلهم جميعاً ) ، أذاً فعل الأصلح من الله ليس مطلقاً بل مشروط بالتكليف وحرية إرادة الإنسان فالله قادر على أن يؤمن من في الأرض جميعاً ولكن في ذلك إكراه لهم فتنتفي حرية إرادة الإنسان .
 أذن فالله قد فعل ما هو أصلح بعباده ـ في حدود التكليف ـ والله عندما كلف الإنسان فقد أقدره على فعل ما هو مكلف به فاقدره على( الحركات والسكون والأصوات والارادات ....) .
 وتؤكد المعتزلة أن كل ما هو الهي بعيد عن نطاق العقل البشري فلا يمكن أدراكه بالحس ولا بالعقل ألا انه يمكن بوساطة العقل الوصول إلى معرفة وجود الخالق الذي هو اصل جميع الموجودات .