البصرة في المصادر العربية

الاستاذ جواد كاظم النصر الله

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

اولا : رحلة ابن بطوطة

  لقد تنوعت مصادر دراسة تاريخ البصرة من مكتب التاريخ العام الى كتب البلدان والرحلات والتراجم والطبقات .
  ومن بين تلك المصادر كانت تلك الرحلات حيث جاب البعض من رجالات المسلمين العالم يومذاك ودونو ملاحظاتهم الشخصية عما رأوه في البلدان ، ومن بين اولئك كان الرحلة المغربي ابن بطوطة احد رحالة المغاربة في القرن الثامن عشر / الرابع عشر الميلادي والذي جاب العالم يومذاك ودون ملاحظاته ومنها وصوله الى البصرة وأستقراره فيها فترة من الزمن حيث دون لنا معلومات تعد فريدة من نوعها عن احوال البصرة في القرن الثامن عشر / الرابع عشر ميلادي ، ونذكر ادناه النص الكامل لما رواه ابن بطوطة في رحلته عن البصرة .
  (ثم رحلنا ضحوة النهار الى مدينة البصرة فنزلنا بها في رباط مالك بن دينار وكنت رأيت عند قدومي عليها نحو ميلين منها بناء عالي مثل الحصن فسألت عنه فقيل هو مسجد علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) وكانت البصرة من أتساع الخطة وانفساح الساحة بحيث كان هذا المسجد في وسطها وبينة الان وبينها ميلان وكذالك بينه وبين السور الاول المحيط بها نحو ذالك فهو متوسط بينهما ومدينة البصرة واحدى امهات العراق الشهيرة الذكر في الافاق الفسحة الارجاء المونقة الافناء ذات البساتين الكثيرة والفواكه الاثيرة توفر قسمها من النضارة والخصب لما كانت مجمع البحرين الاجاج والعذب وليس في الدنيا اكثر نخلا منها فيباع التمر في اسواقها بحساب ارعب عشر رطلا عراقية بدرهم ودرهمهم ثلث النقرة بعث الى قاضيها حجة الدين بقوصرة تمر يحمله الرجل على تكلف فاردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم اخذ الحمال منها ثلثها اجرة حملها من المنزل الى السوق ويصنع بها من التمر عسل يسمى السيلان وهو طيب كأنه الجلاب والبصرة ثلاث محلات احدها محلة هذيل وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الاثير من الكرماء الفضلاء اضافني وبعث الي بثياب ودراهم والمحلة الثانية محلة بني حرام كبيرها السيد الشريف مجد الدين موسى الحسيني ذو مكارم وفواضل اضافني وبعث الي التمر السيلان والدراهم والمحلة الثالثة محلة العجم كبيرها جمال الدين ابن اللوكي واهل البصرة لهم مكارم اخلاق وايناس للغريب وقيام بحقه فلا يستوحش فيما بينهم غريب وهم يصلون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) الذي ذكرته ثم يسد فلا ياتونه الا في الجمعة وهذا المسجد من احسن المساجد وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يؤتى بها من وادي السباع وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان ( رضي الله عنه ) يقرأ فيه لما قتل واثر تغييره الدم في الورقة التي فيه قوله تعالى ( فسيكفيكم الله وهو السميع العليم ) .
  شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به الى الخطبة وسردها لحن فيها لحنا كثير جليا فعجبت من أمره وذكرت ذالك للقاضي حجة الدين فقال لي ان هذا البلد لم يبقى به من يعرف شيئا من علم النحو وهذه عبرة لمن تفكر فيها سبحان مغير الاشياء ومقلب الامور هذه البصرة التي الى اهلها انتهت رياسة النحو وفيها اصله وفرعه ومن اهلها الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤب عليها ولهذا المسجد سبع صوامع احداها الصومعة التي تتحرك بزعمهم عند ذكر علي ابن ابي طالب ( علي السلام ) صعدت اليها من اعلى سطح المسجد ومعى بعض اهل البصرة فوجدت في ركن من اركانها مقبض خشب مسمرا فيها كأنه مقبض مملسة البناء فجعل الرجل الذي معي يده في ذالك المقبض وقال بحق امير المؤمين علي ( عليه السلام ) تحركي وهز المقبض فتحركت الصومعة فجعلت انا يدي في المقبض وقلت له وانا اقول بحق راس ابي بكر خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تحركي وههززت المقبض فتحركت الصومعة فعجبوا من ذالك اهل البصرة على مذهب السنة والجماعة ولا يخاف من يفعل مثل فعلى عندهم ولو جرى مثل هذا بمشهد الحسين او الحلة او بالبحرين او قم او قاشان او ساوة او آوة او طوس لهلك فاعله لانهم رافضة غالية قال ابن جزى قد عانيت بارض برشانه من وادي المنصور من بلاد الاندلس حاطها الله صومعة تهتز من غير ان يذكر لها احد من الخلفاء او سواهم وفي صومعة المسجد الاعظم بها وبنائها ليس بالقديم وهي كاحسن ما انت راء من الصوامع حسن منظر واعتد الا وارتفاعها لاميل فيها ولا يزيغ صعدت مرة اليها ومعي جماعه من الناس فاخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها وهزوها فاهتزت حتى اشرت اليهم ان يكفوا فكفوا عن هزها ( اما عن مشاهد البصرة فكثيرة ) .
  فمنها مشهد طلحة بن عبيد الله احد العشرة ( رضي الله عنهم ) وهو بداخل المدينة وعليه قبة ومسجد وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر واهل البصرة يعظمونه تعظيماً شديداً وحق له منها مشهد الزبير بن العوام حوارى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابن عمته ( رضي الله عنهما ) وهو بخارج البصرة ولا قبة عليه وله مسجد وزاوية فيها طعام لابناء السبيل ومنها قبر حليمة السعدية ام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الرضاعة ( رضي الله عنها ) والى جانبها قبر ابنها رضيع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومنها قبر بكرة صاحب رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعليه قبة وعلى ستة اميال منها بقرب وادي السباع قبر انس بن مالك خادم رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا سبيل لزيارة الا في جمع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران ومنها قبر الحسن ابن ابى الحسن البصري سيد التابعين ( رضي الله عنه ) ومنها قبر محمد بن سيرين ( رضي الله عنه ) ومنها قبر محمد بن واسع ( رضي الله عنه ) ومنها قبر عتبه الغلام ( رضي الله عنه ) ومنها قبر مالك بن دينار ( رضي الله عنه ) ومنها قبر حبيب العجمي ( رضي الله عنه ) ومنها قبر سهل بن التستري ( رضي الله عنه ) وعلى مقربة منها قبة مكتوب فيها اسم صاحب القبور ووفاته وذلك كله داخل السور القديم وهي اليوم بينها وبين البلد نحو ثلاث اميال وبها سوى ذلك قبور الجم الغفير من اصحابة والتابعين المستشهدين يوم الجمل وكان امير البصرة حين ورد عليها يسمى بركن الدين العجمي التوريزي اضافني فاحسن الي والبصرة على ساحل الفرات والدجلة وبها المد والجزر كمثل ما هو بوادي سلا من بلاد المغرب وسواه والخليج المالح الخارج من بحر فارس على عشرة اميال منها فاذا كان المد غلب الماء المالح على العذب واذا كان الجزر غلب الماء الحلو على المالح فيستشقى اهل البصرة الماء لدورهم وذلك يقال ان مائهم زعاق قال ابن جزى وبسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيد والوان اهلها مصفرة كاسفة حتى ضرب بهم المثل وقال بعض الشعراء وقد احضرت بين يدي الصاحب اترجة
لـلـه اتـرجـة iiغـدا بيننا      مـعبرا  عن حال ذى iiعبرة
لـما كـسا الله ثياب iiالضنا      اهل الهوى وساكني البصرة

  ثم ركبت من ساحل البصرة في صندوق وهو القارب الصغير الى الابلة وبينها وبين البصرة عشرة اميال في بساتين متصلة ونخيل مضلة عن اليمين و اليسار والبياعة في ظلال الاشجار يبيعون الخبز والسمك والتمر واللبن والفواكه وفيما بين البصرة والابلة متعبد سهل بن عبد الله التستري فاذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء مما يحاذيه من الوادي ويدعون عند ذالك تبركا بهذا الولي ( رضى الله عنه ) النواتية و يحرقون في هذه البلاد وهم قيام وكانت الابلة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت وهي الان قرية بها آثار وقصور وغيرها دالة على عظمها .

BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET