البصرة في كتب التراث

كتاب الروض المعطار في خبر الاقطار
للحميري ت 727 هـ

الاستاذ جواد كاظم النصر الله

   المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
  كتاب الروض المعطار من كتب الجغرافية التأريخية والذي يتضمن تتبع المواقع سواء كانت مدناً كبيرة أو صغيرة أو قرى أو جبال وأودية وغيرها من التضاريس ، وكان منهجه تناول الواقع حسب الترتيب الابجدي للمواقع ، اما المادة التي يعرضها عن كل موقع فهي متباينة من ناحية الكمية حسب اهمية الموقع ، والمادة التي يقدمها مادة متنوعة من تحديد للموقع وحدوده ، وتسمية المواقع لغة وأصلاً ، وتاريخ الموقع وأهم موارده الاقتصادية وسكانه واصولهم وعاداتهم ودياناتهم وأهم علامه الى غير ذلك .
  ومن بين المواقع التي تحدث عنها كانت مدينة البصرة وقد اشار الى ان هناك موقعين يحملان هذا الاسم وهما بصرة في المشرق وأخرى بالمغرب ، وقد بدأ ببصرة المشرق التي وصفها بأنها قبلة الاسلام ، ومقر أهله ، بنيت في خلافة عمر سنة اربع عشرة واختط عتبة بن غزوان المنازل بها وبنى مسجدها من قصب ، وعتبة اول من اختطها ونزلها في ثمانائة رجل وهو الذي فتح الابلة ، وبالبصرة خطب عتبة بن غزوان خطبته المشهورة أولها : أما بعد فإن الدنيا أذنت بصرم وولت حذاء ، الى آخرها .
  اشار الحميري الى كثرة الانهار في البصرة والتي تقع الى شرقها حيث مياه الانهار منفرشة ، وهي أكثر من ثمانية آلاف نهر ، وهي في مستوى من الارض ولكن لا توجد جبال فيها .
  وبالبصرة نهر يعرف بنهر الابلة طوله اثنا عشر ميلاً وهو مسافة مابين البصرة والابلة وعلى جانبي هذا النهر قصور وبساتين متصلة كأنها بستان واحد ويحويها حيط واحد ، وينصب الى هذا النهر عدة انهار مما يقاربه أو يماثله في الكبر ، وجميع نخيلها في اعتدال قدوده ونضارة فروعه كأنها أفرغت في قالب وغرس سائرة في يوم واحد ، وجميع انهار البصرة المحيطة بشرقيها يصب بعضها في بعض ، وينشعب بعضها من بعض وأكثرها يدخله المد والجزر من البحر ، فإذا دخل المد تراجعت مياه الانهار فصب في البساتين والمزارع وسقتها ، وإذا كان الجزر عادت الانهار جارية على حسب عادتها .
  ومن بين انهارها نهاران احدهما نهر ابن عمر حيث وجه عمر إبن الخطاب ابنه عبد الله لحفره فنسب اليه ـ والآخر يعرف بنهر حسان وهو حسان النبطي صاحب خراج العراق .
  وأشار أيضاً لكثرة المساجد والتي بلغت سبعة آلاف مسجد الاّ انها اندثرت ولم يبق الاّ ما دار بالمسجد الجامع الذي فيها .
  وقال الحميري بصرت البصرة سنة اربع عشرة ، وكوفت الكوفة سنة سبع عشر ، فبصر البصرة لعمر عتبة بن غزوان ثم أستعمل عليها المغيرة بن شعبة ، ثم عزله عمر وإستعمل أبا موسى .
  اما كيف بنيت المساكن فأن الفاتحين استاذنوا عمر في بنيان القصب فقال : العسكر اجد لحربكم وما احب ان اخالفكم فشأنكم ، فابتنى اهل المصرين البصرة والكوفة بالقصب ، ثم ان الحريق وقع في الكوفة والبصرة وكان اشدها حرقاً الكوفة ، احترق فيهما ثمانون عروساً ولم تبق فيها قصبة ، فاستاذنوا الخليفة عمر في البناء باللبن ويخبرنه عن الحريق فاذن لهم وقال : لا يزيد احدكم على ثلاث ابيات ولا تطاولون في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة ، وعهد عمر الى الناس وتقدم الى الناس لا يرفعوا بنياناً فوق القدر ، وقالوا ما القدر ؟ قال ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم من القصد ، ولما بلغ عمر ان سعد واصحابه قد بنوا بالمدر قال : قد كنت اكره لكم ذلك فأما اذا فعلتم فأعرضوا الحيطان وأطيلو السمك وقاربوا الخشب .
  قال الحميري وعلى الجملة فالبصرة والكوفة مصرا الاسلام وقرار الدين ومحال الصحابة التابعين والعلماء الصالحين وجيوش المسلمين والمجاهدين .
  ثم اشار الحميري لما نشأ بين أهل المصرين مفاخرة ومفاضلة ، فقال من فضل البصرة : كان يقال الدنيا والبصرة ، ووقف شرخ دهقان فقال وهو يتأمل البصرة أنهارها وكلاءها وأسواقها ومسجدها الاعظم وجالسها ـ قاتلك الله ما استجمعت هكذا حتى اخرجت بلاداً ، وبلاداً ، وقال بعضهم : مررت ببعض طرق الكوفة فاذا برجل يخاصم له ، فقلت ما لكما تختصمان ؟ فقال احدهما : لا والله ان صديقاً زارني فاشتهى علي رؤوساً فاشتريت له راساً فتغدينا به فاخذت عظام الرأس فوضعتها على باب داري أتجمل بها في جيراني فأخذها هذا من بابي فوضعها على بابه وقال : انا اشتريته .
  وأنشدوا لبعض اصحاب الضياع :
زرعنا فلما سلم الله زرعنا
بلينا بكوفي حليف iiمجاعة
ووافـي عليه مجل لحصاد
اضر  علينا من دبا iiوجراد
  وقال الاحنف لاهل البصرة : نحن اعدى منكم برية وأكثر منكم بحرية وابعد منكم قرية واكثر منكم سرية ، وزعم اهل الكوفة ان البصرة اسرع الارض خراباً واخبثها تراباً وابعدها من السماء واسرعها غرقاً ، قال البصريون : كيف تكون اسرع غرقاً ومغيض مائها في البحر ثم يخرج ذلك الاعظم ثم اذا جاوز الابلة بعدت فراسخ يصب في دجلة سامراً ودجلة عبادان ولم يدخل البصرة ماء قط .
  وعن اياس بن معاوية : مثلت الدنيا على صورة طائر فالبصرة ومصر الجناحان والشام الرأس والجزيرة الجؤجؤ واليمن الذنب ، وليس في الحديث ذكر الكوفة وسئل بعض الناس عن فقهاء الكوفة فقال ابحث الناس لصغير واتركه لكبير ، يتكلف احدهم القول في الدور والدين والعين وهو لم يحكم طلاق السنة ، وعاب بعض الكوفيين فقهاء البصريين فقال : كان الحسن ازرق وقتادة اعمى وابن ابي عروبة اعرج وهشام اعمى وواصل احدب وعبد الوارث ابرص ويحيى ابن سعيد احول ، وقال بعض البصريين : وكان علقمة اعرج وابراهيم اعور وسليمان اعمش ورشيد اعرج وابو معاوية اعمى ومسروق مفلوجاً وشريح سناطاً .
  وقال اليعقوبي : اهل الكوفة على قلة اموالهم اهل تجمل وسنين وكفاف وعفاف ليس في البلدان اشد عفافاً منهم ولا اشد تجميلاً وهي طيبة الهواء عذبة الماء ، ماؤها ماء الفرات الاعظم ، وهي دار العرب ومادة الاسلام ومعدن العلم ، بها أئمة القراء الفصحاء الذين ترجع عامة الناس الى قراءتهم وفقهاؤهم الفقهاء الذين عليهم المعتمد ، وهم اهل العلم بالشعر وفصيح اللغة لأن اهلها عرب كلهم لم تخالطهم الانباط ولا الفرس ولا الخرز ولا السند ولا الهند ولا تناكحوا في هذه الاجناس فيفسدوا لغتهم ، وان اصل الرواية ومعرفة اللغة كان فيهم ، ومن رواتهم صار الى اهل البصرة وغيرها لان اهل الحيرة كانوا اول من دون الشعر وكتبه من ايام آل المنذر اللخميين ملوكها زكانت شعراء الجاهلية توفد عليهم مثل الاعشى والنابغة وعبيد بن الابرص وبشر بن ابي خازم وعمرو ابن كلثوم والحارث ابن حلزة والمتلمس وطرفة وغيرهم ، فكان آل المنذر يأمرون كتابهم من اهل الحيرة ان يكتبوا اشعارهم فأخذه الناس عنهم .
  قال الجاحظ : والكتب الموضوعة في محاجة اهل الشام واهل العراق وأهل الكوفة لأهل البصرة واهل الجزيرة لأهل الشام وبغداد والبصرة ، وهذا الشكل اهون من محاجة اهل المدينة لأهل مكة والمهاجرين للأنصار على ما في هذا من خطأ وإن الله تعالى لم يفرق في القرآن بين المهاجرين والانصار كما لم يفرق بين الصلاة والصيام وبين الجنة والنار ، قال وأصحاب الفضول كثير فقد رأيت من يزعم ان منكراً أفضل من نكير ويأجوج أشرف من مأجوج وهاروت خير من ماروت ، وللأمور حدود الوقوف عندها أصوب .

BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET