النخلة المقدسة بين التراث والدين

مقدمة

  النخلة هي رمز للحياة ، وأوّل القاطنين على الأرض ، استضافت الإنسـان وأعطته مفردات اللغة ، حياتها سكينة وهدوء ، ولها سحرها الأخّاذ ، تنمو بصمت ، ولا تموت إلا بعد عمر مديد ، النظر إليها اطمئنان ، والبعد عنها مكابدة ، خضرتها تمنح الصـفاء والنقاء ، والوفاء والهناء ... أسرارها كالبحر زاخرة بوابل الحكمـة والمعرفة ، وما أدركنا روعة الألوان إلا بها ... لها معانٍ بعيدة لم يُكشَف بعد إلا طلائعها ... هي صديقة الغيث ، وهي شفاء ...

النخلة في التراث والشعر العربي
  عرف الخليل بن أحمد الفراهيدي والأصمعي وغيرهما من فطاحل اللغة ( النخل ) فقالوا ( أنها شجرة التمر وجمعها نخل ونخيل ونخلات ) ، وقيل إن الأسم مأخوذ من نخل المنخل وأنتخل الشئ أي أختاره ، وروى نعمة الله الجزائري في كتابه المشهور (الأنوار النعمانية ) إن الله أمر الملائكه فوضعوا التراب الذي خلق الله آدم منه في المنخل فنخلوه وكان صافيا" أخذه لطينة آدم وما بقي منه في المنخل خلق منه الله النخلة ، وكان آدم يأنس بها في الجنة وأوصى ولده أن يضع معه في القبر جريدة من النخلة فصارت عادة الى زمان عيسى . وقد قيل إن أول من غرس النخل هو ( أنوش بن النبي شيت ) ، لقد اهتم العرب بالنخلة فألفوا العديد من الكتب حولها وبلغ عددها أكثر من عشرين مصدرا ، من أشهرها ( النخل والكروم ) لأبي سعيد عبد الملك الأصمعي / 216 هجرية وكتاب ( النخل ) لأبي حاتم سهيل السجستاني / 255 هجرية ، يقول ابن القيم عن ثمرها بأنه من أكثر الثمار تغذية للبدن ، هو فاكهـة وغذاء ودواء وشـراب ، وفي الحديث : ( بيت لا تمـر فيه جيـاع أهله ) ، وفي رواية البخاري : ( من تصَّبح بسبع تمرات ، لم يضـره ذلك اليوم سم ولا سحر ) ، ومن الغرائب التي ورد ذكرها عن النخل إن نخلة في العصر العباسي أيام الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة حملت ألف رطل من التمر ، وفي كتاب نهاية الأرب للقلقشندي / ج11 إن أبا ميسر المصري المتوفي سنة 677 هجرية ذكر في تأريخه حوادث سنة 372 هجرية أن نخلة حملت مرتين في السنة ، أما في مجال الشعر فقد تغزل وتغنى شعراء العرب قديماً وحديثاً بالتمر وأشجار النخيل ونادرا ما تجد شاعرا ، لم يذكر النخلة في أحدى قصائده ...وقد قيل في وصف النخلة
  كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعاً يُرمى بصخرٍ فيعطي أطيب الثمرِ ولقد ورد ذكر النخلة في كتب الأدب العربي ، حيث ذكرها أمرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى في معلقتيهما كذلك ياقوت الحموي والبلاذري وإبن حوقل وأبو الطيب المتنبي والأبيوردي ، ومن الشعراء المعاصرين أحمد الصافي النجفي وعاتكة وهبي الخزرجي وغيرهم .
 أما شاعر العرب الأكبر ( محمد مهدي الجواهري ) فيحي نخيل العراق بقوله : سـلام على هضبـات العـراق وشطيه والجرف والمنحنى على النخل ذي السعفات الطوال على سيد الشجر المقتنى
 ويقول الشاعر ( بدر شاكر السياب ) في قصيدته الرائعة إنشودة المطر : عيناك غابتا نخيل ساعة السمر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
 كما ونظم الشاعر الشعبي ( ملا عبود الكرخي ) حيث قال : بغداد مبنية أبتمر فلس وآكل خستاوي والتمر بالبصرة زبل لا سيما الخضراوي .
 وقال ( إيليا أبو ماضي ) في قصيدته النخلة الحمقاء : أقبل الربيع الى الدنيـا بموكبـه فزينت وأكتست بالسندس الشجر وظلتت النخلة الحمقـاء عاريـة كأنها وتد في الأرض أو حجر
 وتثير النخلة في النفس شــجوناً وذكريات ، فقد رويت عن ( عبد الرحمن الداخل ) ، صقر قريش أبيات شجية أثارتها نخلة حديقة قصره بالرصافة : تبدت لنا وسط الرصافة نخـلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخلِ ويصـف ( ابـن الرومـي ) التمــر فيقول : ألذّ من السـلوى وأحلى من المنّ وأعذب من وصل الحبيب على الصدِّ
 وفي الشعر الجاهلي هناك علاقة وثيقة بين النخلة والناقة والخيل والمرأة في صور تفرض نفسها على الخيال الواقعي ، فالنخل توغل جذورها في الأرض ، وتطاول بقاماتها قمم الجبال ، تهب عليهـا الريح فتنجذب الفروع إلى الفروع ، ويتشـابك السـعف والجريد ، ومن كثافتها كأنها ذوائب الجواري المهفهفة في مهب الريح
 أما الشاعر ( أبو العلاء المعــري ) فقال : شـربنا ماء دجلة خير مـاء وزرنا أشـرف الشجر النخيلا ويقول الشاعر( الرفاء ) : فالنخل من باسق فيه وباسقة يضاحك الطلع فيه قنواته الرطب ويقول أمير الشعراء ( احمد شوقى ) : أهذا هو النخل ملك الرياض أمير الحقول عروس العزب طعام الفقير وحلـوى الغنى وزاد المسافر والمغترب أما الشاعر ( أبو نؤاس ) فقال : لنا خمر وليس بخمر نحل ولكن من نتاج الباسقات كرائم في السماء زهين طولا ففات ثمارها أيدي الجناة قلائص في الرؤوس لها فروع تدر على أكف الحالبات

تاريخ النخل ونشأته :
  يعد العالم النباتي (يتوفر استوس) ( 287 ـ 372 ق K م ) أول من عرف النخلة في التقسيم العلمي الذي وصفه للفصائل النباتية ، ونخلة التمر تنتمي الى عائلة النخليات Palmae ومن فصيلة الفينيكس من نوع الداكتلفيرا (Phoenix dactylifera) ، وتعد النخلة من أقدم المزروعات التي عرفها الإنسان ، وعلى الرغم من ذلك فإن آراء المؤرخين اختلفت في مكان نشأته .
 فوجدت في العراق وفي مقابر المصريين القدماء لوحات أثرية ورسوم مسجل عليها طريقة إجراء عملية تلقيح النخيل ، لذلك فعلى الأرجح أن نخيل التمر عرف منذ حوالى 7000 سنة أو قبل هذا التأريخ ، وأقدم ما عُرف عن النخل كان في بابل التي يمتد عمرها إلى حوالي أربعة آلاف سنة قبل الميلاد ، ولا يستبعد أن يكون النخل معروفاً قبل هذا التاريخ ، فقد ثبت أن مدينة أريدو التي تقع على مسافة 12 ميلاً جنوب آور وتعد من مدن ما قبل الطوفان ، ثبت أنها كانت منطقة رئيسية لزراعة النخل .
 كما وإن النقوش السومرية التي وجدت في جنوب العراق والخليج تدل على وجود النخل في تلك المنطقة .
 كما واطلق الاجداد على النخلة عدة تسميات وذلك لاعتزازهم بها وإرتباط النخلة بالأرض بحيث إن المصادر التاريخية تشير الى وجود شعارات ورموز تعبر عن النخلة في الحضارة البابلية والسومرية وقد خصصت شريعة حمورابي المادتين الرابعة والستين ( من يقطع شجرة النخيل يغرم نصفا ، من نصيبه ) والخامسة والستين منها بتلقيح النخيل والأهتمام به ( أذا أهمل البستاني ولم يلقح البستان وتسبب في تقليل الحاصل فعليه ان يؤدي إيجار البستان ) وورد في بعض المنحوتات الأشورية صور الجنود الأشوريين وقد عمدوا الى تدمير بساتين أعدائهم وتدمير نخلهم لحرمانهم من قوتهم ، كما ورد في التوراة إن أقليم ميسان في العراق عبارة عن غابات لا نهاية لها من النخيل ولهذا اطلق على العراق أرض السواد وهذا دليل كاف على ان النخلة تعتبر الهوية للعراق .
 ويقول البكر في كتابه أن( Pliny 23-80 ب . م ) يذكر نخل التمر بصورة مفصلة المنتشر منها في أسبانيا وإيران ، وقد ذكر أصنافاً عديدة منها ، ويصف الثمرة بقوله (حقاً أن ثمرة النخل عندما تكون بحالتها الطرية الرطبة تكون بالغة اللذة بحيث لا يستطيع الآكل أن يمتنع عن التهامها لو لم تكن عاقبة المتمادي بأكلها وخيمة ) ، وينتشر النخيل في مناطق مختلفة من العالم مثل امريكا واستراليا وجنوب وشمال افريقيا لكن النخيل العراقي هو المميز في ثماره وجودته العالية ، يوجد اكثر من 400 نوع من النخيل في العراق وتختلف تسمية ثماره من منطقة الى أخرى ويروى إن أصل التمر هو الزهدي وسمي بذلك نسبة الى الزهد لأنه أكل الفقراء والخستاوي نسبة الى خوستاواي أي أكل الأغنياء حيث جاءت انواع التمور من هذين النوعين ، أما أشهر أنواع التمر في العراق هو ( البرحي ، البريم ، السكري ، طه أفندي ، ميرحاج ، التبرزل ، الخضراوي ، والحويزي ، الأشرسي ، العبدلي ، البربن ) وهناك تسميات محلية مثل بصراوي ، وجوزي ، حلاوي ، أصابع العروس ، المدعبل ، البطيخي ، بنت الباشا ، خشم البيض ، الليل ، عمامة ، القاضي ، نقش المبرد ، عوينة ، أيوب ، وسبع أذرع وغيرها من التسميات ، واهم ما يميز النخيل في العراق ان معظم البساتين التي نراها اليوم موجودة في الوسط والجنوب تمت زراعتها في العشرينات من القرن الماضي وما تزال هذه النخيل مثمرة .

قدسية النخلة في الديانة المندائية :
  تسمى النخلة في اللغة المندائية بالسندركا ، وتتجسد قدسية النخلة في الديانة المندائية في ( عيد الفل ) الذي يصادف في شهر تشرين الأول من كل عام ، ففي مثل هذا اليوم أرسل الملك هيبل زيوا ( الملاك جبرائيل ) الملك المقرب من العرش الألهي من جانب الله وأعطيت له المهمة لخلق الأرض وخلق الخضروات والأشجار ومن بين أول الأشجار التي خلقت كانت شجرة النخيل وقد أمر الملك هيبل زيوا لكي يأكل منها وان المتاع الذي أختاره الملك هيبل زيوا للعودة الى تلك الدنيا كان من شجرة النخيل لذلك فأن الصابئة المندائيين ينظرون الى هذه الشجرة نظرة مقدسة ، وتبركا ( بذلك اليوم الذي وجدت فيه شجرة النخيل وتناول هيبل زيوا من هذه الشجرة الطاهرة يحتفلون بهذا اليوم ولأتمام هذا الأحتفال يهيئون قبل يوم من العيد كمية من التمر المعزول من النوى ويضاف إليه السمسم المحمر على النار ثم تضاف إليه بعض الحبوب المعطرة ويمزج الخليط جيدا ) ثم يعملون منه كرات صغيرة أو ضفائر يأكل منها كل أفراد العائلة ، وفي غذاء الرحمة ( اللوفاني ) الذي يقيمه الصابئة المندائيين ترحما ، على موتاهم وتقربا الى الله وفلسفته ذلك هو أطعام الفقراء والجائعين وأشباعهم لعدة أيام حيث تجلب المغفرة لروح أمواتهم حيث تحضر الأطعمة المكونة من السمك ولحم ذكر الطأن أو الطيور ، الخبز ، البصل ، الملح الماء ، اللأجاص ، الرمان ، التمر ، لب الجوز ، اللوز ، والخضروات .

النخلة في الديانة الأسلامية :
  لقد رفع الله قيمة النخلة ووضعها بثمارها المباركة في مكانة خاصة بين بقية الاشجار وذكرها في العديد من السور في القرآن الكريم منها سورة الأنعام والكهف وطه والقمر والرحمن والحاقة وجعلها من ثمار الجنة أسوة بالتين والزيتون والرمان والعنب ، وكذا ذكر النخل في الحديث النبوي الشريف في الكثير من المواضع إذ أن للتمر في حياة الناس مكانةٌ خاصة ، فهو غذاء ودواء ، حيث كان من أفضل الأطعمة التي وصفها ونصح بها الرسول محمد وبين كثيراً من فوائده : ( إن التمر يذهب الداء ولا داء فيه ، وإنه من الجنة وفيه شفاء) ، ودعا الرسول محمد لزراعتها بقوله ... ( من الشجر شجرة تكون مثل المسلم وهي النخلة ) ، وفي توصياته للمسلمين بالأهتمام بالنخلة بقوله ... ( أكرموا عمتكم النخلة ) ، كما ورد ذكر النخيل في القرآن الكريم في ستٌ وعشرين آيةً موزعةٌ على ستُ عشرة سورة نذكر منها : سورة مريم / الأية 23 ( فاجأها المُخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني متُ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيا ) ، سورة مريم / الأية 25 ( وهزي إليك بجزع النخلة تسقط عليك رطبا ( جنيا ) ) .

النخلة في الديانة اليهودية :
 مثل بقية الأديان كان للنخلة حظ وافر فى الديانة اليهودية حيث يعد التمر من الثمار السبع المقدسة وقد اطلق اليهود على بناتهم اسم اللفظة العبرية ( تامارا ) اي النخل والتمر معا ... وذلك اعتقاداً منهم بان من يطلق عليها هذا الاسم من بناتهم ستكون جميلة القوام وخصبة وممشوقة كالنخلة صاحبة التمرة الحلوة ، وأخذ الكثير من الناس هذا الأسم عن اليهود بأعتباره سهل الحفظ وحبا للنخلة أيضا

االنخلة في الديانة المسيحية :
  وكان للنخلة الحظ ايضاً فى الديانة المسيحية فقد ولد السيد المسيح تحتها وعندما شعرت السيدة مريم بآلام الوضع ألهمها الله ان تجلس الى جذع هذه النخلة وهو ما ورد ذكره فى القران الكريم ، وتقول كتب التاريخ ان اهل القدس قد استقبلوا نبى الله عيسى بن مريم وهم يحملون باقات من الزهور يتوسطها التمر وأنهم قد فرشوا الارض تحت قدميه ببساط اخضر جميل من سعف النخيل عندما دخل أورشليم ـ بيت المقدس .
 وأخيرا فقد ذكرت السيدة ليدي دراور في كتابها ( في بلاد الرافدين صور وخواطر ) قصة تعود روايتها الى ما قبل الميلاد فلقد سئل أحد العراقيين القدماء ما هي أثمار بلادكم ؟ أجاب التمر ، ثم ماذا ؟ فأجاب التمرلأن المكون الغذائي للتمر يتكون من الطاقة ، الكاربوهيدرات ، البروتين ، الدهون ، البوتاسيوم ، المغنسيوم ، الصوديوم ، الحديد والعديد من الفيتامينات ، كما إنه خالي من الكوليسترول ، لذلك فهو مادة غذائية متكاملة للأنسان والحيوان معا ، والتمر يدخل في كثير من الصناعات الغذائية منها الدبس والسكر والخمائر والخل والعلف الحيواني إضافة الى ما يدخل الكثير من مخلفاتها في مجال الصناعات المنزلية والأثاث المختلفة .


BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET