سواحل ولاية البصرة بين الماضي والحاضر

الاستاذ كاظم فنجان الحمامي

المقدمة
  قبل اقل من مئة عام فقط كانت البصرة إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية الجنوبية ، وكانت عاصمتها تتمركز على ضفاف شط العرب ، وتبسط هيبتها ونفوذها على مساحتها الإدارية الممتدة من أعالي منطقة علي الغربي شمالاً إلى الإحساء وقطر جنوباً، ومن (عرعر) في البادية الجنوبية غرباً إلى الخفاجية (سوسنكرد) في إيران شرقاً، وقد انضمت ولاية البصرة إلى ولايتي بغداد والموصل لتكوين المملكة العراقية، وذلك طبقا لاتفاقية سايكس بيكو المعقودة في الحرب العالمية الأولى ، وكانت البصرة أهم الولايات العربية المطلة على الخليج ، الذي كان وحتى منتصف القرن الماضي يسمى باسمها - خليج البصرة - (بصَرَةْ كُورفزَى) باللغة التركية، وتُظهر الخرائط العثمانية الرسمية لولاية البصرة العراقية حدودها البحرية والبرية حتى عام 1914 ، إلا أنها فقدت مكانتها التجارية والسياسية في السنوات التي أعقبت سقوط الإمبراطورية العثمانية رسميا عام 1922م ، فتقطعت أوصالها وتمزق جسدها ، وتبعثرت سواحلها ، بعد أن كانت تضم البحرين والكويت وحفر الباطن ونجد وقطر والاحواز وهور الفلاحية (الدورق) .
  والبصرة أول مدينة عراقية تتعرض لغزو الجيوش البريطانية الحديثة ، التي تسللت إليها في بداية القرن الماضي عن طريق بوابة (الكويت) ، والتي دخلتها مرة أخرى بصحبة الجيوش الأمريكية من البوابة نفسها عام 2003 ، واشتركت في الغزو هذه المرة القوات الحربية البريطانية والاسترالية والايطالية والاسبانية والبولندية والجورجية والرومانية واللتوانية والبوسنية واليابانية والكورية الجنوبية بقيادة أمريكا ومن خلفها القوات العربية المساندة لها ، والمتواطئة معها ، والتي آثرت الوقوف خلف الحدود لتقديم الدعم اللوجستي المتواصل بناء على أوامر أسيادهم الامريكان.
  كانت مياه الخليج كلها مسجلة باسم البصرة ، وخاضعة لسيادتها ابتداء من مضيق هرمز إلى رأس البيشة ، وكانت وحدها تتحكم بحركة خطوط الشحن البحري من رأس مسندم إلى كورنيش العشّار ، اما الآن فلم يتبق لها سوى شريطا ساحليا صغيرا منكمشا متقلصا ، تحاصره المياه الضحلة ، ولا يزيد طوله على خمسين كيلومترا ، وأصبحت مياهها الداخلية الواقعة تحت أقدام ميناء أم قصر مسجلة منذ عام 1992 باسم الحكومة الكويتية ، التي تفرض الآن هيمنتها المطلقة على خور عبد الله ، وتجبر السفن المتوجهة إلى الموانئ العراقية على رفع العلم الكويتي لكي تسمح لها بالمرور ، وكانت عمليات الإرساء والإقلاع في الموانئ الإيرانية المطلة على شط العرب ، (عبادان ، خسرو آباد ، المحمرة) تجري بإشراف وتوجيه وقيادة الربابنة العراقيين ، مقابل رسوم مالية مجزية تدفعها إيران للعراق ، وكانت السفن التي تنوي مغادرة الموانئ الإيرانية لا يُصرح لها بذلك إلا بعد الحصول على الإذن الرسمي من السلطات العراقية ؟ ، بيد إننا فقدنا نصف شط العرب منذ عام 1975 ، وفقدنا سلطتنا على تحركات السفن المتوجهة إلى الموانئ الإيرانية ؟ ، وسيفقد شط العرب اسمه ورسمه وخواصه الملاحية والمائية ؟ ، واستمرت سواحلنا بالانكماش والتقوقع نحو الداخل ، حتى صرنا الدولة العربية الأفقر ساحليا ، ولم يعد ورائنا وراء بعد أن أصبحنا نقف في آخر صفوف الدول المطلة على البحار ، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر إن سواحل البحرين ، وهي اصغر الدول العربية ، صارت اكبر من سواحلنا بمقدار أربعة أضعاف تقريبا ، علما إن مساحة هور الحمّار وحده تعد أكبر من مساحة مملكة البحرين برمتها بمقدار خمس مرات ، ولو تحدثنا بلغة الأرقام نجد إن الكويت تمتلك اليوم شريطا ساحليا يزيد على 499 كيلومترا ، وللسعودية امتدادات ساحلية تبلغ 2510 كيلومترا على البحر الأحمر والخليج العربي ، وللبحرين أكثر من 161 كيلومترا ، وتمتلك حكومة قطر نحو 700 كيلومترا ، ولسلطنة عمان سواحل مترامية الأطراف على الخليج العربي وخليج عمان والبحر العربي تقدر بـنحو 3165 كيلومترا ، أما إيران فتطل بسواحلها على خليج عمان ، وبحر قزوين ، وتُهيمن على الساحل الشرقي للخليج العربي من شماله إلى جنوبه ، ويضاف إليها مجموع السواحل المحيطة بأكثر من 130 جزيرة إيرانية فيصبح الطول الكلي أكثر من 3200 كيلومترا ، اما السبب الرئيس وراء تفريط الحكومات العراقية المتعاقبة بسواحلنا فيعزى إلى تخلفها البحري ، والى عدم اهتمامها بواجهاتنا ومقترباتنا البحرية منذ عام 1914 وحتى هذه الساعة ، وسيستمر الإهمال على ما هو عليه حتى إشعار آخر.

BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET