ليس الامر بالمعروف حرفة او هواية ولا كلام وكفى وأنما هو غرس وزرع من شأنه ان يزهر ويثمر في العاجل أو الآجل ، والزراعة علم له أصول وقواعد وكذلك الامر بالمعروف له ظروف وشروط تتعلق بالآمر والمأمور ، وأهمها أن يعرف الآمر هوية من يأمره ويرشده ولون حياته وميوله ونزعاته .
ولكن ماذا يفعل الحكيم الناصح مع الفاجر الغريق في اللهو والفساد كيزيد ابن معاوية الذي كان ينكح الامهات والبنات والاخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة ، كما شهد بذلك الصحابي عبد الله ابن حنظلة ، ابداً لا دواء الا السيف (1) .
لقد خط لنا الامام الحسين عليه السلام طريقاً في حالة انحراف الحاكم وحين لايوجد خط غير النهوض ، وحين يتجاوز الحاكم كل الحدود الاسلامية ، وكل حدود الاعراف ، ولقد حثنا القرآن الكريم على استقراء وتدبر الحوادث التاريخية لغرض وضع قوانين وسنن للساحة التاريخية ، ومن هذه الايات قوله تعالى : ( ألم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين امثالها ) (2).
وقوله تعالى : ( فكأين من قرية اهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ، أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وأذان يسمعون بها فأنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) (3).
في هذه الاية اشارة الى ان وعي القلوب او سمع الاذان او نظر الابصار يتكون من خلال تلمس سنن التاريخ او قراءة التاريخ بتدبر يخدم المجتمع في المستقبل . ويؤكد كذلك القرآن الكريم مقاومته النظرة العفوية والغيبية الاستسلامية بتفسير الاحداث (4) .
ولمعرفة وتيقن الامام الحسين عليه السلام بهذه السنن وما يحدث للامة الاسلامية من مآسي وآلام حين تسكت عن حقها ، وكان الامام عارفاً بهذا القانون ، ولهذا قال في وصيته لمحمد ابن الحنفية ( اني لم اخرج اشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولاظالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله اريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن ابي طالب (5) ) وقوله عليه السلام حين كان بمكة ( كأني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني اكراشاً جوفاً واجربة سغباً ، لا محيص من يوم خط بالقلم ... الا ومن كان باذلا فينا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فأني راحل مصبحاً ان شاء الله (6).
لقد كان الامام الحسين (ع) متيقناً بأمر استشهاده من خلال هذه النصوص وما ذلك الا لمعرفته بالسنن الكونية والتاريخية ، ومن خلال واقعة كربلاء وضع لنا الامام الحسين (ع) قانونا من خلال تجسيده الصادق للقرآن الكريم عملياً على ساحة المعركة في كل فعل او قول وفي كل حركة وفي كل لحظة زمنية مرت عليه وردود افعاله تجاه مقتل ابناءه واخوانه واصحابه .
وبسبب هذا المستوى الحضاري والاخلاقي والديني للامام الحسين عليه السلام والنتائج العظيمة التي حققتها ثورة الامام الحسين (ع) في كربلاء اصبحت نموذجاً ومقياساً للمستوى الحضاري والاخلاقي للمدن والاشخاص من خلال موقفهم تجاه هذه الواقعة .
ومن المؤسف حقاً لم نجد بحثاً واحداً يسلط الضوء على موقف اهل البصرة من ثورة الامام الحسين (ع) على الرغم من الموقف المشرف لهذه المدينة ، ولكن الباحث قد يجد معلومات متناثرة هنا وهناك عن مساهمات اهل البصرة في تلك الواقعة .
وبعد دراستنا لهذا الموضوع وجدنا ان هناك موضوعات مهمة ممكن ان يتعرض لها الباحثون وتسليط الضوء على جانب مهم من تاريخ الامة الاسلامية من خلال دراسة موقف هذه المدينة من واقعة كربلاء مثل موضوع ( الاجتماعات السرية للشيعة البصريين في دار مارية ابنة منقذ العبدية ) لنصرة الامام الحسين عليه السلام ، وموضوع ( الشخصيات البصرية التي استشهدت بين يدي الامام الحسين (ع) ، وموضوع ( يزيد ابن سعود النهشلي البصري وثورة الحسين (ع) ) وغيرها من الموضوعات .