هذه الجملة الاخيرة اشارة إلى ان هذه السنة من اشكل الثالث اي ان للناس ان يتخذوا مواقف سلبية وإهمالية تجاه هذه السنة ، ولكنه اهمال على الشوط القصير لا على الشوط الطويل.
  قلنا بأن توضيح واقع هذه السنة القرآنية من سنن التاريخ يتطلب منا ان نحلل عناصر المجتمع ، ماهي عناصر المجتمع من زاوية نظر القران الكريم ؟ ماهي مقومات المركب الاجتماعي ؟ كيف يتم التنفيذ بين هذه العناصر والمقومات ؟ وضمن أي اطار ؟ وأي سنن ؟
  هذه الاسئلة نحصل على جوابها في النص القرآني الشريف الذي تحدث عن خلق الإنسان الاول.
  ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (1).
  حينما نستعرض هذه الآية الكريمة نجد ان اللّه سبحانه وتعالى ينبئ الملائكة بأنه قرر انشاء مجتمع على الأرض ، فما هي العناصر التي يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية التي تتحدث عن هذه الحقيقة العظيمة ؟

--------------------
(1) سورة البقرة آية : 30.

المدرسة القرآنية _ 77 _
  هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية :
  أولاً ـ الإنسان.
  ثانياً ـ الأرض أو الطبيعة على وجه عام (انّي جاعل في الأرض خليفة) فهناك ارض او طبيعة على وجه عام وهناك الإنسان الذي يجعله اللّه وتعالى على الأرض.
  ثالثاً ـ العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة وتربط من ناحية اخرى الإنسان بأخيه الإنسان ، هذه العلاقة المعنوية التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف ، هذه هي عناصر المجتمع ، الإنسان والطبيعة والعلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالطبيعة من ناحية ، وتربط الإنسان باخيه الإنسان من ناحية اخرى ، وهي العلاقة التي سميت قرآنيا بالاستخلاف.
  ونحن حينما نلاحظ المجتمعات البشرية نجد ان المجتمعات البشرية جميعاً تشترك بالعنصر الاول والعنصر الثاني ، لايوجد مجتمع بدون انسان يعيش مع أخيه الإنسان ، ولا يوجد مجتمع بدون ارض او طبيعة يمارس الإنسان عليها دوره الاجتماعي.
  وفي هذين العنصرين تتفق المجتمعات التاريخية والبشرية.
  واما العنصر الثالث : وهو العلاقة ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا ولكن المجتمعات تختلف في طبيعة هذه العلاقة وفي كيفيد صياغة هذه الطبيعة.

المدرسة القرآنية _ 78 _
  فالعنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرك من عناصر المجتمع وكل مجتمع يبني هذه العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان من جانب وبالطبيعة بالجانب الاخر ، يبني العلاقة بشكل قد يتفق وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الاخر لهذه العلاقة.
  وهذه العلاقة التي هي العنصر الثالث ، العنصر المرن والمتحرك في تركيب المجتمع لها صيغتان اساسيتان :
  احداهما : صيغة رباعية وقد اطلق عليها اسم (الصيغة الرباعية).
  والاخرى : صيغة ثلاثية.
  الصيغة للرباعية : هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ، هذه اطراف ثلاثة فالعلاقة إذا اتخذت صيغة تربط بموجبها بين هذه الاطراف الثلاثة وهي.
  الطبيعة والإنسان مع اخيه الإنسان ولكن مع افتراض طرف رابع أيضاً ، في هذه العلاقة فاسمي هذه الصيغة بالصيغة الرباعية ، الصيغة الرباعية تربط بين هذه الصيغة بالصيغة الرباعية ، الصيغة الرباعية تربط بين هذه الاطراف الثلاثة ولكنها تفترض طرفاً رابعاً ، بعداً رابعاً للعلاقة الاجتماعية ، وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في اطار المجتمع ، خارج عن اطار المجتمع ، ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية تعتبر هذا الطرف الرابع مقوما من المقومات الاساسية للعلاقة الاجتماعية على الرغم من انه خارج اطار المجتمع ، وهذه الصيغة الرباعية للعلاقد الاجتماعية ذات الابعاد الاربعة هي التي طرحها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف.

المدرسة القرآنية _ 79 _
  الاستخلاف هو العلاقة الاجتماعية من زاوية نظر القرآن الكريم والاستخلاف عند التحليل نجد انه ذواربعة اطراف لان الاستخلاف يفترض مستحلفا أيضاً.
  لابد من مستخلف ومستخلف عليه ، ومستخلف. فهناك اضافة إلى الإنسان واخيه الإنسان والطبيعة يوجد طرف رابع في طبيعة وتكوين علاقة الاستخلاف وهو المستخلف اذ لا استخلاف بدون مستخلف ، فالمستخلف هو اللّه سبحانه وتعالى والمستخلف هو الإنسان واخوه الإنسان ، أي الإنسانية ككل الجماعة البشرية والمستخلف عليه هو الارض وما عليها ومن عليها فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف تكون ذات اطراف اربعة وهذه الصيغة ترتبط بوجهة نظر معينة نحو الحياة والكون بوجهة نظر قائلة بانه لا سيد ولا مالك ولا إله للكون وللحياة إلاّ اللّه سبحانه وتعالى وان دور الإنسان في ممارسة حياته إنما هو دور الاستخلاف والاستئمام وأي علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جوهرها ليست علاقة مالك بمملوك وإنما هي علاقة أمين على امانة استؤمن عليها واي علاقة تنشأ بين الإنسان واخيه الإنسان مهما كان المركز الاجتماعي لهذا او لذاك فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر مايكون هذا الإنسان او ذاك مؤديا لواجبه بهذه الخلافة وليست علاقة سيادة او الوهية أو مالكية ، هذه الصيغة الاجتماعية الرباعية الاطراف التي صاغها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف ترتبط بوجهة النظر المعينة للحياة والكون.
  في مقابلها يوجد للعلاقة الاجتماعية صيغة ثلاثية الاطراف ، صيغة تربط بين الإنسان والإنسان والطبيعة ولكنها تقطع صلة هذه الاطراف مع الطرف الرابع ، تجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع ، عن اللّه سبحانه وتعالى ، وبهذا تتحول نظرة كل جز إلى الجز الاخر داخل هذا التركيب وداخل هذه الصيغة.
  وجدت الالوان المختلفة للملكية وللسيادة ، سيادة الإنسان على أخيه الإنسان باشكالها المختلفة التي استعرضها التاريخ بعد ان عطل البعد الرابع وبعد ان افترض ان البدآية هي الإنسان ، حينئذ تنوعت على مسرح الصيغة الثلاثية اشكال الملكية واشكال السيادة ، سيادة الإنسان على اخيه الإنسان.
  وبالتدقيق في المقارنة بين الصيغتين ، الصيغة الرباعية والصيغة الثلاثية يتضح ان اضافه الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليس مجرد اضافة عددية ، ليس مجرد طرف جديد يضاف إلى الاطراف الاخرى ، بل ان هذه الاضافة تحدث تغييرا نوعيا في بنية العلاقة الاجتماعية وفي تركيب الاطراف الثلاثة الاخرى نفسها من هنا ليس هذا مجرد عملية جمع ثلاثة زائد واحد ، بل هذا الواحد الذي يضاف إلى الثلاثة سوف يعطي للثلاثة روحا أخرى ومفهوما آخر ، سوف يحدث تغييرا اساسيا في بنية هذه العلاقة ذات الاطراف الاربعة كما رأينا ، إذا يعود الإنسان مع اخيه الإنسان مجرد شركا ، في حمل هذه الامانة والاستخلاف وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات وبكل ما عليها ومن عليها مجرد امانة لابد من رعآية واجبها واداء حقها.

المدرسة القرآنية _ 80 _
  هذه الطرف الرابع هو في الحقيقة مغير نوعي لتركيب العلاقة اذن امامنا للعلاقة الاجتماعية صيغتان صيغة رباعية وصيغة ثلاثية والقرآن الكريم آمن بالصيغة الرباعية كما رأينا في الآية الكريمة ، الاستخلاف هو الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية لكن القرآن الكريم اكثر من أنه آمن بالصيغة الرباعية في المقام اعتبر الصيغة الرباعية سنة من سنن التاريخ ، كما رأينا في الآية السابقة كيف اعتبر الدين سنة من سنن التاريخ كذلك اعتبر الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية التي هي صيغة الدين في الحياة.
  اعتبر هذه العلاقة بصيغتها الرباعية سنة من سنن التاريخ ، كيف ؟ هذه الصيغة الرباعية عرضها القرآن الكريم على نحوين : عرضها تارة بوصفها فاعلية ربانية من زاوية دور اللّه سبحانه وتعالى في العطاء.
  وهذا هو العرض الذي قرأناه ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءا من اللّه ، جعلا من اللّه يمثل الدور الايجابي والتكريمي من رب العالمين للانسان وعرض الصيغة الرباعية نفسها من زاوية اخرى.
  عرضها بوصفها وبنحو ارتباطها مع الإنسان بما هي أمر يتقبله الإنسان.
  عرضها من زوآية تقبل الإنسان لهذه الخلاقة وذلك في قوله سبحانه وتعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (1) الامانة هي الوجه التقبلي للخلافة ، والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للامانة ، الامانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمل الاعباء ، عبارة عن الصيغة الرباعية هذه الصيغة الرباعية تارة نلحظها من زاوية ربطها بالفاعل وهو اللّه سبحانه وتعالى ، يأتي قوله ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) واخرى نلحظها من زاوية القابل كما يقول الفلاسفة ، من ناحية دور الإنسان في تقبل هذه الخلافة وتحمل هذه الامانة ، يأتي قوله سبحانه وتعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ ... ) وهذه الامانة التي تقبلها الإنسان وتحملها الإنسان عرضت على الإنسان فتقبلها الإنسان بنفس هذه الآية الكريمة ، هذه الامانة او هذه الخلافة او بالتعبير الذي قلناه هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعية هذه لم تعرض على الإنسان في هذه الآية بوصفها تكليفا او طلبا ليس المقصود من عرضها عل يالإنسان هو العرض على مستوى التكليف والطلب ، وليس المقصود من تقبل الامانة هو تقبل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة ، ليس المقصود ان يكون هكذا العرض وان يكون هكذا التقبل بقرينة ان هذا العرض كان معروضا على الجبال أيضاً ، على السماوات والأرض والجبال أيضاً ، فمن الواضح انه لامعنى لتكليف السماوات والجبال أيضاً ، فمن الواضح انه لامعنى لتكليف السماوات والجبال والأرض.
  هذا العرض نعرف من ذلك انه عرض تكويني لاعرض تشريعي ، هذا العرض معناه ان هذه العطية الربانية كانت تفتش عن الموضع القابل لها في الطبيعة ، الموضع المنسجم معها بطبيعته ، بفطرته ، بتركيبه التاريخي والكوني ، الجبال لاتنسجم مع هذه الخلافة ، السماوات والأرض لاتنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الرباعية ، الكائن الوحيد الذي بحكم تركيبه ، بحكم بنيته ، بحكم فطرة اللّه التي قرأناها في الآية السابقة كان منسجما مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة التي بها تصبح أمانة ، تصبح خلافة.

--------------------
(1) سورة الأحزاب آية : 72.

المدرسة القرآنية _ 81 _
  اذن العرض هنا عرض تكويني والقبول هنا قبول تكويني وهو معنى سنة التاريخ يعني ان هذه العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة داخلة في تكوينة الإنسان وفي تركيب مسار الإنسان الطبيعي والتاريخى ونلاحظ انه في هذه الآية الكريمة أيضاً جاءت الاشارة إلى هوية هذه السنة التاريخية وانها سنة من الشكل الثالث ، سنة تقبل التحدي وتقبل العصيان ، ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدي ابدا ولو لحظة ، لا ... هي سنة ، هي فطرة ولكن هذه الفطرة تقبل التحدي.
  كيف اشار القرآن الكريم إلى ذلك بعد ان وضّح انها سنة من سنن التاريخ ؟ قال : ( وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) هذه العبارة الاخيرة ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) تأكيد على طابع هذه السنة وان هذه السنة على الرغم من انها سنة من سنن التاريخ ولكنها تقبل التحدي ، تقبل ان يقف الإنسان منها موقفا سلبيا ، هذا التعبير يوازي تعبير ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) في الآية السابقة.
  اذن الآية السابقة استخلصنا منها ان الدين سنة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ ومن هذه الآية نستخلص ان صيغة الدين للحياد التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية ، العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة التي يسميها القرآن بالخلافة والامانة والاستخلاف ، هذه العلاقة الاجتماعية هي أيضاً بدورها سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم.

المدرسة القرآنية _ 82 _
  فالحقيقة ان الآية الأولى والآية الثانية متطابقتان تماما في مفادهما لانه في الآية السابقة قال ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (1) التعبير بالدين القيم تأكيد على أن ما هو الفطرة وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين القيم ، يعني أن يكون هذا الدين قيماً على الحياة ، ان يكون مهيمنا على الحياة ، هذه القيومة في الدين هي التعبير المجمل في تلك الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طرحت في الايتين ، في آية ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) وآية ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) اذن فالدين سنة الحياة والتاريخ والدين هو الدين القيم ، والدين القيم هو العلاقة الاجتماعية الرباعية الاطراف التي يدخل فيها اللّه بعدا رابعا لكي يحدث تغييراً في بنية هذه العلاقة لا لكي تكون مجرد اضافة عددية.
  هذه مفاهيم القرآن الكريم مستخلصة من هذه الايات عن هذه السنة ، اما كيف ؟
  نريد ان نتعرف بصورة اوضح وأوسع عن هذه السنة ، عن دور التاريخ كسنة ، عن دور الدين ، عن دور الدين القيم ودور الخلافة والامانة ، عن دور العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة ، دور الطرف الرابع ، دوره كسنة من سنن التاريخ ، ما هو هذا الطرف الرابع كسنة من سنن التاريخ ؟ وكيف كان سنة من سنن التاريخ ؟ ، وكيف كان مقوما اساسيا لمسار الإنسان على الساحة التاريخية ؟ لكي نتعرف على ذلك لابد من ان نتعرف على الدكنين الثابتين في

--------------------
(1) سورة الروم آية : 30.

المدرسة القرآنية _ 83 _
  العلاقة الاجتماعية ، هناك ركنان ثابتان في العلاقة الاجتماعية : احدهما الإنسان واخوه الإنسان والاخر الطبيعة ، الكون ، الأرض.
  هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية وداخلان في الصيغة الرباعية ، ومن هنا نسميهما بالركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية لكي نعرف دور الركن الجديد دور هذا الطرف الرابع ، دور اللّه سبحانه وتعالى في تركيب العلاقة الاجتماعية ، يجب ان نعرف مقدمة لذلك دور الركنين الثابتين.
  ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ من زاوية النظرة القرآنية ، من زاوية النظرة للقرآن والفهم الرباني من القرآن للتاريخ وسنن الحياة ؟ ما هو دور الإنسان في العلاقة الاجتماعية ؟ وما هو دور الطبيعة في العلاقة الاجتماعية على ضوء تشخيص هذين الدورين وتحديد الموقفين ؟ سوف يتضح حينئذ دور هذا الطرف الجديد ، دور الطرف الرابع الذي تتميز به الصيغة الرباعية عن الصيغة الثلاثية ، ويتضح ان هذا الطرف الرابع عنصر ضروري بحكم سنة التاريخ وتركيب خلقة الإنسان ولا بد وان يندمج مع الاطراف الاخرى لتكوين علاقة اجتماعية رباعية الاطراف.
  اذن ففهم هذه السنة التاريخية يتطلب منا ان نتحدث عن دور الإنسان والطبيعة في عملية التاريخ من زاوية نظر القرآن الكريم وهذا ما يأتي انشاء اللّه.

المدرسة القرآنية _ 84 _
أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
  الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد و على الميامين من آله الطاهرين.
  قلنا في ما سبق ان اكتشاف الابعاد الحقيقية لدور الدين في حركة التاريخ ، والمسيرة الاجتماعية للانسان ، تتوقف على تحديد وتقييم دور العنصرين او الركنين الثابتين في الصيغة ، وهما الإنسان والطبيعة.
  الان نتحدث عن الإنسان ، ودور الإنسان في الحركة التاريخية من زوآية مفهوم القرآن الكريم.

المدرسة القرآنية _ 85 _
  من الواضح على ضوء المفاهيم التي قرأناها سابقا أن الإنسان أو المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس لحركة التاريخ ، وأننا ذكرنا ان حركة التاريخ تتميز عن كل الحركات الاخرى بانها حركة غائية لاسببية فقط ، ليست مشدودة إلى سببها ، إلى ماضيها ، بل هي مشدودة إلى الغآية ، لانها حركة هادفة لها علة غائية متطلعة إلى المستقبل.
  فالمستقبل هو المحرك لاي نشاط من النشاطات التاريخية ، والمستقبل معدوم فعلا وإنما يحرك من خلال الوجود الذهني الذي يتمثل فيه هذا المستقبل.
  اذن ، الوجود الذهني هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ ، وهذا الوجود الذهني يجسد من ناحية جانبا فكريا وهو الجانب الذي يضم تصورات الهدف ، وايضا يمثل من جانب آخر الطاقة الارادة التي تحفز الإنسان نحو هذا الهدف وتنشطه للتحرك نحو هذا الهدف.
  اذن هذا الوجود الذهني الذي يجسد المستقبل المحرك ، هذا الوجود الذهني يعبر بجانب منه عن الفكر والارادة تتحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.
  وهذان الامران الفكر و الارادة هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للانسان ، ان المحتوى الداخلي الشعوري للانسان يتمثل في هذين الركنين الاساسيين وهما الفكر والارادة.
  اذن المحتوى الداخلي للانسان هو الذي يصنع الغايات ، ويجسد هذه الاهداف من خلال مزجه بين فكرة وارادة.

المدرسة القرآنية _ 86 _
  وبهذا صحّ القول بأن المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس لحركة التاريخ ، والبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات ومن انظمة ومن افكار وتفاصيل هذا البناء العلوي في الحقيقة مرتبط بهذه القاعدة ، بالمحتوى الداخلي للانسان مرتبط بهذه القاعدة ويكون تغيره وتطوره تابعا لتغير هذه القاعدة وتطورها ، فاذا تغير الاساس تغير البناء العلوي ، واذا بقي الاساس ثابتا ، بقي البناء العلوي ثباتا.
  فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للانسان والبناء الفوقي والتاريخي للمجتمع ، هذه العلاقة علاقة تبعية ، علاقة سبب بسبب ، هذه العلاقة تمثل سنة تاريخية تقدم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (1) ، هذه الآية واضحة جداً في المفهوم الذي اعطيناه وهو ان المحتوى الداخلي للانسان ، هو القاعدة والاساس للبناء العلوي ، للحركة التاريخية ، لان الآية الكريمة تتحدث عن تغييرين : احدهما تغيير القوم ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ) يعني تغيير اوضاع القوم ، شؤون القوم ، ألابنية العلوية للقوم ، ظواهر القوم ، هذه لا تتغيير حتى يتغير ما بأنفسهم.
  اذن التغيير الاساس هو تغيير ما بنفس القوم و التغيير النابع المترتب على ذلك هو تغيير حالة القوم ، النوعية ، التاريخية ، الاجتماعية ومن الواضح ان المقصود من تغيير ما بالانفس ، تغيير ما بأنفس القوم ، بحيث يكون المحتوى الداخلي للقوم كقوم وكأمة وكشجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين ، متغيرا ، والا تغير الفرد الواحد او الفردين او الافراد الثلاثة لايشكل الاساس لتغير ما بالقوم ، وإنما يكون تغير مابالقوم تابعا لتغير ما بأنفسهم كقوم ، كأمة ، كشجرة مباركة تؤتي اكلها كل حين.

--------------------
(1) سورة الرعد آية : 11.

المدرسة القرآنية _ 87 _
  فالمحتوى النفسي والداخلي للامة كأمة لا لهذا الفرد او لذلك الفرد هو الذي يعتبر أساساً وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلها.
  والاسلام والقرآن الكريم يؤمن بأن العمليتين يجب ان تسيرا جنباً إلى جنب ، عملية صنع الإنسان لمحتواه الداخلي وبناء الإنسان لنفسه ، لفكره ، لارادته ، لطموحاته ، هذا البناء الدخلي يجب ان يسير جنبا إلى جنب مع النباء الخارجي ، مع بناء الابنية العلوية ولا يمكن ان يفترض انفكاك البناء الخارجي عن البناء الداخلي إلاّ إذا بقي البناء الخارجي بناءاً مهزوزاً متداعيا.
  ولهذا سمى الاسلام عملية بنائ المحتوى الداخلي إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً سمّاها ( بالجهاد الاكبر ).
  وسمى عملية النباء الخارجي إذا اتجهت اتجاها صالحا بعملية ( الجهاد الاصغر ) وربط الجهاد الاصغر بالجهاد الاكبر ، واعتبر ان الجهاد الاصغر إذا فصل عن الجهاد الاكبر فقد محتواه وفقد مضمونه ، وفقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية.
  اذن هاتان العمليتان يجب ان تسيرا جنبا إلى جنب.
  واذا انفكت احداهما عن الاخرى فقدت حقيقتها ومحتواها ، وسمى الاسلام العملية الأولى ، عملية بناء المحتوى الدخلي بالجهاد الاكبر تأكيدا على الصفة الاساسية للمحتوى الداخلي وتوضيحا لهذه الحقيقة ، حقيقة ان المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس ، ولهذا سمي بالجهاد الاكبر.
  فاذا بقي الجهاد الاصغر منفصلا عن الجهاد الاكبر ، حينئذ لا يحقق ذلك في الحقيقة أي مضمون تغييري صالح.

المدرسة القرآنية _ 88 _
  القرآن الكريم يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي قال سبحانه وتعالى ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (1) يريد ان يقول بان الإنسان إذا لم ينفذ بعملية التغيير إلى قلبه ، إلى اعماق روحه ، إذا لم يبن نفسه بناءا صالحا لا يمكنه ابدا ان يطرح الكلمات الصالحة ، الكلمات الصالحة إنما يمكن ان تتحول إلى بناء صالح في المجتمع إذا نبعت عن قلب يعمر بتلك القيم التي تدل عليها تلك الكلمات ، والا فتبقى الكلمات مجرد الفاظ جوفاء دون ان يكون لها مضمون ومحتوى.
  فمسألة القلب هي التي تعطي للكلمات معناها ، للشعارات ابعادها ولعملية البناء الخارجي اهدافها ومسارها.
  الى هنا عرفنا ان الاساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للانسان ، وهذا المحتوى الداخلي للانسان يشكل القاعدة.
  الان نتسأل : ماهو الاساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه ؟ ماهي نقطة البد في بناء هذا المحتوى الداخلي للانسان ؟ وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للانسانية ؟ المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلي للانسانية هو المثل الاعلى.

--------------------
(1) سورة البقرة آية 205.

المدرسة القرآنية _ 89 _
  عرفنا ان المحتوى الداخلي للانسان يجسد الغايات التي تحرك التاريخ ، يجسدها من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الارادة بالتفكير.
  وهذه الغايات التي تحرك التاريخ يحددها المثل الاعلى ، فانها جميعا تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل اعلى للانسان في حياته ، للجماعة البشرية في حياتها.
  وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية ، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي ، فالغايات بنفسها محركات للتاريخ وهي بدورها نتاج لقاعدة اعمق منها في المحتوى الداخلي للانسان وهو المثل الاعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات وتعود اليه كل تلك الاهداف.
  فبقدر مايكون المثل الاعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً تكون الغايات صالحة وممتدة ، وبقدر ما يكون هذا المثل الاعلى محدودا او منخفضا تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً.
  اذن المثل الاعلى هو نقطة البد في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية ، وهذا المثل الاعلى يرتبط في الحقيقة بوجهة نظر عامة إلى الحياة والكون ، يتححد من قبل كل جماعة بشرية على اساس وجهة نظرها العامة نحو الحياة والكون ، على ضوء ذلك تحدد مثلها الاعلى ، ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الاعلى ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون تحقق ارادتها للسير نحو هذا المثل ، وفي طريق هذا المثل.
  اذن هذا المثل الاعلى هو في الحقيقة أيضاً يتجسد من خلال رؤية فكرية ، ومن خلال طاقة روحية تزحف بالإنسان في طريقه ، وكل جماعة اختارت مثلها الاعلى ، فقد اختارت في الحقيقة سبيلها وطريقها ومنعطفات هذا السبيل وهذا الطريق.

المدرسة القرآنية _ 90 _
  كما رأينا ان الحركة التاريخية تتميّز عن اي حركة أخرى في الكون بانها حركة غائية ، حركة هادفة ، كذلك تتميز وتتمايز الحركات التاريخية انفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا.
  فلكل حركة تاريخية مثلها الاعلى ، وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد الغايات والاهداف وهذه الاهداف والغايات هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الاعلى.
  والقرآن الكريم والتعبير الديني يطلق على المثل الاعلى في جملة من الحالات اسم الاله ، باعتبار ان المثل الاعلى هو القائد الامر المطاع الموجّه ، وهذا صفات يراها القرآن للاله ، ولهذا يعبر عن كل من يكون مثلاً اعلى ، كل ما يحتل هذا المركز مركز المثل الاعلى يعبر عنه بالاله لانه هو الذي يصنع مسار التاريخ.
  حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى ( أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (1) عبر حتى عن الهوى بانه إله حينما يتصاعد هذا الهوى تصاعدا مصطنعا فيصبح هو المثل الاعلى وهو الغآية القصوى لهذا الفرد او لذاك.
  فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة لانها هي المعبودة حقا وهي الامرة والناهية حقا وهي المحركة حقا ، فهي آلهة في المفهوم الديني والاجتماعى.
  وهذه المثل العليا التي تتبناها الجماعات البشرية على ثلاثة اقسام :

--------------------
(1) سورة الفرقان آية : 43.

المدرسة القرآنية _ 91 _
  القسم الاول : المثل الاعلى الذي يستمد تصوره من الواقع نفسه ، ويكون منتزعا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات ، أي ان الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا لم يستطع ان يرتفع على هذا الواقع وان يتجاوز هذا الواقع بل انتزع مثله الاعلى من هذا الواقع بحدوده ، بقيوده ، بشؤونه.
  وحينما يكون المثل الاعلى منتزعا عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها وشؤونها يصبح حالة تكرارية ، يصبح بتعبير آخر محاولة لتجميد هذا الواقع وحمله إلى المستقبل ، بدلا عن التطلع إلى المستقبل يكون في الحقيقة تجميدا لهذا الواقع وتحويلاً لهذا الواقع من حالة نسبية ومن امر محدود إلى امر مطلق لان الإنسان يعترضه هدفا ومثلا اعلى وحينما يتحول هذا الواقع من امر محدود إلى هدف مطلق ، إلى حقيقة مطلقة لايتصور الإنسان شيئا ورأها ، حينما يتحول إلى ذلك ، سوف تكون حركة التاريخ حركة تكرارية سوف يكون المستقبل تكراراً للواقع وحيث ان هذا الواقع هو نفسه كان تكراراً لحالة سابقة ، ولهذا سوف يكون المستقبل تكرارا للواقع وللماضي.
  هذا النوع من الالهة يعتمد على تجميد الواقع وتحويل ظروفه النسبية إلى ظروف مطلقة ، لكي لاتستطيع الجماعة البشرية ان تتجاوز الواقع وان ترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع.

المدرسة القرآنية _ 92 _
  تبني هذا النوع من المثل العليا له احد سببين :
  السبب الاول : الالفة والعادة والخمول والضياع ، هذا سبب نفسي ، الالفة والخمول والضياع سبب نفسي إذا انتشرت هذه الحالة النفسية : حالة الخمول الركود والالفة والضياع في قوم ، في مجتمع حينئذ يتجمد ذلك المجتمع ، لانه سوف يصنع إلهه من واقعه ، سوف يحول هذا الواقع النسبي المحدود الذي يعيشه إلى حقيقة مطلقة ، إلى مثل اعلى إلى هدف لايرى ورأه شيئا.
  وهذا في الحقيقة هو ما عرضه القرآن الكريم في كثير من الايات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الانبياء حينما جاء الانبياء إلى تلك المجتمعات بمثل عليا حقيقية ترتفع عن الواقع وتريد ان تحرك هذا الواقع وتنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر ، واجه هؤلاء الانبياء مجتمعات سادتها حالة الالفة والعادة والتميع فكان هذا المجتمع يرد على دعوة الانبياء ويقول باننا وجدنا آبأنا على هذه السنة ، وجدنا آبأنا على هذه الطريقة ونحن متمسكون بمثلهم الاعلى ، سيطرة الواقع على اذهانهم وتغلغل الحس في طموحاتهم بلغ إلى درجة تحول هذا الإنسان من خلالها إلى انسان حسي لا إلى انسان مفكر ، إلى انسان يكون ابن يومه دائما ، ابن واقعه دائما لا أبا يومه ولا أبا واقعه ، ولهذا لايستطيع ان يرتفع على هذا الواقع.

المدرسة القرآنية _ 93 _
  استمعوا إلى القرآن الكريم وهو يقول : ( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (1) ، ( قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (2) ، ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) (3) ، ( أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (4) ، ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) (5) ، ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) (6).
  في كل هذه الايات يستعرض القرآن الكريم السبب الاول لتبني المجتمع هذا المثل الاعلى المنخفض.
  هؤلاء بحكم الالفة والعادة وبحكم التميّع والفراغ وجدوا سنة قائمة ، وجدوا وضعا قائما فلم يسمحوا لانفسهم بأن يتجاوزوه ، جسدوه كمثل اعلى وعارضوا به دعوات الانبياء على مر التاريخ ، هذا هو السبب الاول لتبني هذا المثل الاعلى المنخفض.

--------------------
(1) سورة البقرة آية : 170.
(2) سورة المائدة آية : 104.
(3) سورة يونس آية : 78.
(4) سورة هود آية : 62.
(5) سورة إبراهيم آية : 10.
(6) سورة الزخرف آية : 22.

المدرسة القرآنية _ 94 _
  والسبب الثاني : لتبني هذا المثل الاعلى المنخفض هو التسلط الفرعوني على مرّ التاريخ ، الفراعنة على مر التاريخ حينما يحتلون مراكزهم يجدون في أي تطلع إلى المستقبل ، وفي أي تجاوز للواقع الذي سيطروا عليه ، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزّاً لمراكزهم.
  من هنا من مصلحة فرعون على مرّ التاريخ ان يغمض عيون الناس على هذا الواقع ، ان يحول الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق ، إلى إله ، إلى مثل أعلى لايمكن تجاوزه ، يحاول ان يحبس وان يضع كل الامة في اطار نظرته هو ، في اطار وجوده هو لكي لايمكن لهذه الامة ان تفتش عن مثل اعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل من واقعه إلى طموح آخر اكبر من هذا الواقع.
  هنا السبب اجتماعي لانفسي ، السبب خارجي لا داخلي.
  وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) (1) ، ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (2).

--------------------
(1) سورة القصص آية : 38.
(2) سورة الغافر آية : 29.

المدرسة القرآنية _ 95 _
  هنا فرعون يقول ما أريكم إلاّ ما ارى يريد ان يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في اطار رؤيته في اطار نظرته ، يحول هذه النظرة وهذا الواقع ، إلى مطلق لايمكن تجاوزه هنا الذي يجعل المجتمع يتبنى مثلا اعلى مستمداً من الواقع هو التسلط الفرعوني الذي يرى في تجاوز هذا المثل الاعلى خطراً عليه وعلى وجوده.
  قال اللّه سبحانه وتعالى : ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) (1) نحن غير مستعدين ان نؤمن بهذا المثل الاعلى الذي جاء به موسى لانه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لهم.
  اذن هذا التجميد ضمن اطار الواقع الذي تعيشه الجماعة أي جماعة بشرية ينشاء من حرص أولئك الذين تسلطوا على هذه الجماعة على أن يضمنوا وجودهم ويضمنوا الواقع الذي هم فيه وهم بناته.
  هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم.
  والقرآن الكريم يسمي هذا النوع من القوى التي تحاول ان تحول هذا الواقع المحدود إلى مطلق وتحصر الجماعة البشرية في أطار هذا المحدود ، يسمي هذا بالطاغوت.
  قال سبحانه وتعالى : ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (2).

--------------------
(1) سورة المؤمنون آية : 45 ـ 47.
(2) سورة الزمر آية : 17 ـ 18.

المدرسة القرآنية _ 96 _
  لاحظو ذكر صفة اساسية مميزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت ، ماهي الصفة الاساسية المميزة التي ذكرها القرآن لمن اجتنب عبادة الطاغوت ؟
  قال ( فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (1) ، يعني لم يجعلوا هناك قيدا على ذهنهم ، لم يجعلوا اطاراً محدودا لايمكنهم ان يتجاوزوه ، جعلوا الحقيقة مدار همّهم جعلوا الحقيقة هدفهم ولهذا يستمعون القول فيتبعون أحسنه يعني هم في حالة طموح ، في حالة تطلع وموضوعية في حالة تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة .
  بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت ، حينئذ سوف يكونون في اطار هذا الواقع الذي پريده الطاغوت ، سوف لن يستطيعوا أن يستمعوا إلى القول فيتبعون أحسنه ، وإنما يتبعون فقط ما يراد لهم ان يتبعوه.
  هذا هو السبب الثاني لاتباع وتبني هذه المثل.

--------------------
(1) سورة الزمر آية : 17 ـ 18.

المدرسة القرآنية _ 97 _
  اذن خلاصة مامرّ بنا حتى الان : أن التاريخ يتحرك من خلال البناء الداخلي للانسان ، الذي يصنع للانسان غاياته هذه الغايات تبنى على أساس المثل الاعلى الذي تنبثق عنه تلك الغايات.
  لكل مجتمع مثل أعلى ولكل مثل أعلى مسار ومسيرة ، وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد في تلك المسيرة معالم الطريق وهذا المثل الاعلى على ثلاثة أقسام حتى الان استعرضنا القسم الاول من المثل العليا وهو المثل الاعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع ويكون منتزعا عن الواقع الذي تعيشه الجماعة وهذا مثل أعلى تكراري ، وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الاعلى حركة تكرارية ، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل وقلنا بان تبني هذا النوع من المثل الاعلى يقود إلى احد سببين بحسب تصورات القرآن الكريم :
  السبب الاول : سبب نفسي وهو الالفة والعادة والضياع.
  والسبب الاخر : سبب خارجي وهو تسلط الفراعنة والطواغيت على مرّ التاريخ.

المدرسة القرآنية _ 98 _
  هذه المثل العليا المنخفضة المنتزعة عن الواقع والتي تحدثنا عنها في الامس في كثير من الاحيان تتخذ طابع الدين ، ويسبغ عليها هذا الطابع من اجل اعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة ، كما رأينا في الايات الكريمة المتقدمة ، كيف ان المجتمعات التي رفضت دعوة الانبياء كثيراً ما كانت تصر على التمسك بعبادة الاباء وبدين الاباء بالمثل الاعلى المعبود للاباء ، بل ان الحقيقة أن كل مثل اعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لاينفك عن الثوب الديني سواء أبرز بشكل صريح او لم يبرز لان المثل الاعلى دائماً يحتلٍ مركز الاله بحسب التعبير القرآني والاسلامي ، ودائماً تستبطن علاقة الامة بمثلها الاعلى نوعاً من العبادة ، من العبادة لهذا المثل الاعلى وليس الدين بشكله العام إلاّ علاقة عابد بمعبود.

المدرسة القرآنية _ 99 _
  اذن المثل الاعلى لاينفك عن الثوب الديني سواء كان ثوبا دينيا صريحا ، اوثوبا دينيا مستترا مبرقعا تحت شعارات اخرى فهو في جوهره دين وفي جوهره عبادة وانسياق.
  إلاّ ان هذه الاديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة اديان محدودة تبعا لمحدودية نفس هذه المثل ، لمّا كانت هذه المثل مثلا منخفضة ومحدودة قد حولت بصورة مصطنعة إلى مطلقات والا هي في الحقيقة ليست إلاّ تصورات جزئية عبر الطريق الطويل الطويل للانسان ، إلاّ أنها حولت إلى مطلقات بصورة مصطنعة.
  اذن هذه المحدودية في المثل تعكس الاديان التي تفرزها ، فالاديان التي تفرزها هذه المثل او بالتعبير الاحرى الاديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المثل ، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصورات إلى مطلقات ، هذه الاديان تكون اديانا محدودة ضئيلة ، أديان التجزئة ، هذه الاديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الاعلى القادر على استيعاب البشرية بابعادها ، هذه الاديان أديان التجزئة هذه الالهة ، الالهة التي يفرزها الإنسان بين حين وحين هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ) (1) ، هذا الاله الذي يفرزه الإنسان ، هذا الدين الذي يصنعه الإنسان ، وهذا المثل الاعلى الذي هو نتاج بشري ، هذا لايمكن ان يكون هو الدين القيم ، لايمكن ان يكون هو المصعّد الحقيقي للمسيرة البشرية ، لان المسيرة البشرية لايمكن ان تخلق إلهها بيدها.

--------------------
(1) سورة النجم آية : 23.

المدرسة القرآنية _ 100 _
  المجتمعات والامم التي تعيش هذا المثل الاعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة ، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية يعني ان حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية وهذه الامة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر ، وحاضرها إلى المستقبل ليس لها مستقبل في الحقيقد وإنما مستقبلها هو ماضيها.
  ومن هنا إذا تقدمنا خطوة في تحليل ومراقبة ومشاهدة اوضاع هذه الامة التي تتمسك بمثل من هذا القبيل ، إذا تقدمنا خطوة إلى الامام نجد ان هذه الامة بالتدريج سوف تفقد ولاها لهذا المثل أيضاً ، لن تظل متمسكة بهذا المثل لان هذا المثل بعد ان يفقد فاعليته وقدرته على العطاء ، بعد ان يصبح نسخة من الواقع ، بعد ان يصبح أمراً مفروضا ومحسوسا وملموسا ، بعد ان يصبح غير قادر على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل ، تفقد هذه البشرية ، هذه الجماعة تفقد بالتدريج ولاها لهذا المثل ومعنى انها تفقد ولاها لهذا المثل يعني ان القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الامة سوف تتمزق وحدتها لان وحدة هذه القاعدة إنما هي بالمثل الواحد فاذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.
  هذه الامة بعد ان تفقد ولاها لهذا المثل تصاب بالتشتت ، بالتمزق ، بالتبعثر ، تكون كما وصف القرآن الكريم ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) (1) بأسمهم بينهم شديد باعتبار أن التناقضات تبدأ في داخل هذه الامة هذه الامة التي لا يجمعها مثل اعلى لاتجمعها طريقة مثلى ، لايجمعها سبيل واحد قلوب متفرقة أهواء متشتتة ، ارواح متبعثرة ، عقول مجمدة في حالة من هذا القبيل لاتبقى امة وإنما يبقى شبح امة فقط.
  وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد في هذه الامة ينصرف إلى همومه الصغيرة ، إلى قضاياه المحدودة لانه لايوجد هناك مثل اعلى تلتف حوله الطاقات ، تلتف حوله القابليات والامكانات تحشد من اجله التضحيات لايوجد هذا المثل الاعلى ، حينما يسقط هذا المثل الاعلى تسقط الرآية التي توحد الامة ، يبقى كل انسان مشدود إلى حاجاته المحدودة ، إلى مصالحه الشخصية ، إلى تفكيره في اموره الخاصة ، كيف يصبح ؟ كيف يمسي ؟ كيف يأكل ؟ كيف يشرب ؟ كيف يوفر الراحة والاستقرار له ولا ولاده ولعائلته ؟ أي راحة ؟ أي استقرار ؟ الراحة بالمعنى الرخيص من الراحة ، والاستقرار بالمعنى القصير من الاستقرار يبقى كل انسان سجين حاجاته الخاصة ، سجين رغباته الخاصة ، يبقى يدور ، يبقى يلتف حول هذه الرغبات وحول هذه الحاجات لايرى غيرها اذلا يوجد المثل ، اذ ضاع المثل وتفتت وسقط في حالة من حالات هذه الامة ، قلنا بأن الامة تتحول إلى شبح لاتبقى امة حقيقة ، وإنما هناك شبح امة.

--------------------
(1) سورة الحشر آية : 14.