سورة البلد

  السورة التسعون من سور القرآن الكريم، اشتُقّ اسمها من أول آية فيها. آياتها عشرون.
  بعد أن يُقْسم الله تعالى ـ في هذه السورة القصيرة بالبلد وبوالدٍ وما ولد ( الآية 1 ـ 4 ) يبيّن أن خلقة الإنسان تنطوي على مكابدة ومعاناة، ويحدو بالإنسان أن يستخدم عينيه ولسانه الاستخدام السليم ما دام نَجْدا الخير والشر واضحين. ويحثّ الإنسان بعدئذ على فك الرقاب وعتقها وإطعام اليتامى والمساكين في الظروف العصيبة. في آخر السورة يُذكر أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. المجموعة الأولى المؤمنون المتواصون بالصبر والمرحمة، والمجموعة الثانية المنكرون والكافرون بآيات الله الذين عليهم نار مؤصدة .
  يشهد سياق آيات سورة البلد بأنها مكيّة ( الميزان في تفسير القرآن 289:20 )، وادّعى بعض المفسرين الإجماع على هذا ( تفسير القرطبي 41:20 ). لكنّ من الأقوال ما يذهب إلى أنها مدنية أو إلى مدنيّة الآيات من الخامسة إلى آخر السورة ( الاتقان في علوم القرآن 67:1 ). بَيْد أن الزمخشري والعلاّمة الطباطبائي لا يستصوبان الرأي الأخير، نظراً لاتفاق المفسرين على الرأي الأول.
  إنّ منبع الاختلاف في مكيّة السورة ومدنيّتها يكمن في الآية الكريمة وأنتَ حِلٌّ بهذا البلد ( الآية 2 ). ويكاد المفسرون يتّفقون على أن المراد بالبلد هنا ( مكة ).. بَيْد أنّهم اختلفوا في معنى كلمة « حِلّ » إلى عدّة آراء:
  الرأي الأول: أنّ « حِلّ » هو إشارة إلى أن النبيّ صلّى الله عليه وآله عند فتح مكة كان مُحِلاًّ ( في مقابل المُحرِم )، فكان ممكناً ـ والحالة هذه ـ أن يأمر بقتل بعض المشركين لمصالح رسالية وإيمانية أو بأسر بعضهم أو إعطاء الأمان لعدد منهم. وحُكمُ قتل عبدالله بن حنظل قائم على هذا البيان القرآني ( لاحظ: تفسير الطبري 124:30 ، ابن كثير 846:4؛ تفسير أبي الفتوح الرازي 281:20، الدرّ المنثور للسيوطي 352:6 ).
  وبناءً على هذا المضمون وكون السورة مكية، عَدُّوا هذه الآية من الإخبارات المستقبلية ( أي: فتح مكة ). ( لاحظ: تفسير القمي النيسابوري 502:6 ، تفسير البغوي 488:4 ).
  والذين يعتقدون بالرأي الأول يرون أنّ خطبة النبيّ في حجة الوداع كانت ناظرة إلى هذه الآية، حيث قال صلّى الله عليه وآله عن الحرم المكي: « لا يحلّ لأحد قبلي، ولا يحلّ لأحد من بعدي، ولم يحلّ لي إلاّ ساعةً من نهار ». وعلى هذا.. فمن المستبعَد جداً أن يكون المقصود بالآية وأنتَ حِلٌّ بهذا البلد هذه الساعة الواحدة من حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله. ( لاحظ: تفسير القاسمي 155:17 ، تفسير ابن عاشور 345:30 ).
  الرأي الثاني: أنّ المراد بقوله تعالى « حِلّ » القَسَم بمدينة مكة ، لِما لسُكنى النبيّ صلّى الله عليه وآله وإقامته فيها من الأهمية ( لاحظ: تفسير روح البيان 433:10 ، تفسير الميزان 289:20 ، التفسير الكاشف 566:7 ، تفسير المراغي 156:30 ، تفسير القاسمي 155:17 ). غير أن هذا الرأي ممّا لا يستقيم ـ في نظر البعض ـ بسبب ما عليه من إيرادات لغوية اشتقاقية ( لاحظ: ابن عاشور 345:30 ).
  أمّا الرأي الثالث.. فهو أنّ الله سبحانه يُظهِر العجبَ من مشركي قريش.. كيف يحرّمون الإيذاء وقتل الحيوان وقطع الأشجار في مكة، ويُجيزون إيذاء النبي وقتله! وقد تضمنت نصوص الحديث الإمامية حديثين يحملان هذا المضمون ( الكافي للكليني 450:7 ). وقد مال بعض المفسرين إلى هذا الرأي ( تفسير الكشاف 753:4 ، تفسير النسفي 692:3 ، فتح القدير للشوكاني 42:5 ، تفسير الطنطاوي المجلد 13، الجزء 25 ص 168 ).
  وفيما يتصل بارتباط هذه السورة بما قبلها ( سورة الفجر ).. ذكر الطبرسي ( 743:10 ) والآلوسي ( 133:30 ) وجهاً، كما أورد السيوطي ( تناسق الدرر 96 ) والبقاعي ( نظم الدرر 45:22 ـ 46 ) وجهاً آخر، في حين عدّ الشريعتي ( التفسير الجديد ـ الجزء الثلاثون من أجزاء القرآن ص 187 ـ 188 ) ستة وجوه. وقد رُويت في فضيلة السورة عدّة من الأحاديث ( لاحظ: مجمع البيان 743:10 ).